مقعد وراء التلفزيون : الإعلام والإتصال والمجتمع
مدونة إفتراضية تهتم بقضايا الإعلام العربي والدولي والصورة في زمن العولمة: "المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية" : ريجيس دوبريه-
قراءة في الإعلام العراقي بعد الاحتلال وإشكالية الهيكلة

نشر هذا البحث بمجلة : دراسات إستراتيجية، مركز البحرين للبحوث والدراسات سبتمبر 2006.

 

قراءة في الإعلام العراقيبعد الاحتلال وإشكالية الهيكلة

الدكتور جمال الزرن-قسم الإعلام –جامعة البحرين*

 

خلاصة تنفيذية

        تتناول هذهالدراسة ملامح الإعلام العراقي وأهم سماته وخاصة تلك المتعلقة بإشكالية الهيكلة والإدارة والتنظيم. إن دراسة الإعلام العراقي بعد الاحتلال يستدعى مساءلة أهم الاتجاهات والإصدارات الحديثة التي تميز بها المنتوج الإعلامي في عراق ما بعد صدام حسين. فقد شهدت الساحة الإعلامية فوضي إعلامية لا يمكن عزلها عن الفوضى السياسية والأمنية الشاملة التي حلت بالعراق بعد سقوط بغداد. فقد أصبح إصدار أي مطبوع وتأسيس منبر إعلامي لا يخضع للترسانة القانونية التي كانت تعتمدها وزارة الإعلام العراقية التي حلت كبقية الوزارات في شهر أبريل من سنة 2003.

 

بالاعتماد على منهج التحليل الوصفي وبالعودة الدائمة إلى مقارنة الإعلام العراقي بين عهدين استنتجنا وعبر العديد من الأدوات البحثية أن الإعلام العراقي يشهد قطيعة في شكل تواصل. تظهر علامات القطيعة في الهيكلة والتسيير وذلك من خلال بعث مؤسستين بتاريخ 20 مارس 2004 وهما : "الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام"، و"الهيئة العراقية العامة لخدمات البث والإرسال". تعتبر هاتان المؤسستان من بين أهم محطات تأسيس الإعلام العراقي الجديد فهما يستهدفان توفير الهيكلية القانونية والإدارية من أجل تفعيل أهداف ووظائف وآليات عمل الإعلام العراقي الجديد الحكومي والخاص.

 

أما فيما يتعلق بملامح التواصل فيمكن رصد ذلك من خلال حالة الهيمنة الأجنبية التي يعيشها العراق ومعه الإعلام، هذا بالإضافة إلى هيمنة وسطوة العديد من الأحزاب والطوائف والعرقيات وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن مدى حضور الإعلام العراقي المستقل. تثير هذه القضية إشكالية أخلاقيات العمل الإعلامي ومسألة المهنية والموضوعية والنزاهة، وذلك من أجل بناء عراق موحد وحر ومستقل كشعار ترفعه كل المؤسسات الإعلامية. في نهاية البحث وضمن الملحق، حاولنا توفير مسح أولي لأهم المحطات الإذاعية والتلفزيونية العاملة في العراق والجهة التي تشرف عليها ومؤسسيها، وذلك من أجل تأكيد فرضيات البحث وتوفير مادة علمية أولية قد تكون منطلقا لدراسات عن تحولات المشهد الإعلامي العراقي الجديدة، النوعية منها والكمية.

 


1- مقدمة-إشكالية

         يعتبر كل من الإعلام والاتصال في العصر الحديث بمثابة العصب الحيوي في نهضة أي  مجتمع، فهما محركا الاقتصاد الجديد أو ما يطلق عليه "بالاقتصاد اللامادي"، كما تؤثر سرعة تطور هذين القطاعين تكنولوجيا وثقافيا على نتائج كل عملية نمو اقتصادي وسياسي واجتماعي في أي دولة، وخاصة في دولة مثل العراق مازالنظامها السياسي يعيش طور التأسيس. كما أن ثنائية حرية الإعلام والديمقراطية أصبحت من الركائز المحورية لأي عملية تنمية سياسية مستدامة وخاصة في الدول النامية التي تشهد تحولا ديمقراطيا. في العراق وبعد الاحتلال، اتجهت أنظار الملاحظين والباحثين والرأي العام إلى اعتبار أن ما يحدث في العراق من "مقاومة" و"انتخابات" يقف عند حدود قضايا الشأن السياسي والأمني في المقام الأول[1]. في الواقع فإن محاور وقضايا لا تقل أهمية شهدها ويشهدها العراق منذ الاحتلال هي بصدد التشكل وقد يكون لها في المستقبل القريب والبعيد أثر أكبر وأهم من عديد المحطات الأمنية والسياسية المستهلكة. يمكن هنا التوقف عند ملف الإعلام العراقي كأحد الملفات الحيوية والذي يعتبر اليوم من بين أهم المحددات في استقرار البلاد وذلك للتأثير الذي ستخلفه هيكلة وأداء الإعلام على كل مكونات المشهد العراقي الجديد أمنيا وسياسيا وثقافيا.

         بعد احتلال بغداد في 09 أبريل 2003 عاد الإعلام العراقي إلى درجة الصفر مثله مثل كل مؤسسات الدولة وذلك من خلال حل وزارة الإعلام العراقية التي كانت جزءا من المشهد السياسي العراقي لما قبل الحرب[2]. فقد تم حلها وتسريح كل موظفيها بحكم أن تلك الوزارة لا تختلف في النهج عن وزارة الدفاع التي حلت فكانت تعتبر بمثابة وزارة سيادة. إذن فإعلام ما بعد احتلال بغداد هو إعلام يقطع فكريا وسياسيا كما قطعت أغلب مؤسسات الحكم الحديثة في العراق مع كل ما هو ماضوي، ومع كل ما له صلة بعهد البعث وصدام حسين. فمن إعلام سلطوي تحت هيمنة حزب البعث إلى إعلام يبدو تحرري على الأقل على مستوى الإصدار، به مئات الصحف وعدد لا يستهان به من المحطات الفضائيات والإذاعية وتتقاسمه عشرات الأحزاب كيف تبدو هيكليا ملامح الإعلام العراقي الجديد ؟

من خلال استقراء التاريخ لم يوجد ولا يوجد إعلام لا يخضع إلى تنظيم، كان ذلك من خلال تدخل الحكومة المباشر أو إشراف جهات مستقلة، أو تنظيم جمعياتي ونقابي يعتمد على الأخلاقيات. إذن فالإشكال ليس في تنظيم الإعلام بل في كيف يمكننا تنظيم الإعلام وضمان حرية التعبير وحرية الفرد ووحدة المجتمع ؟ جاء الجواب حول كيفية تنظيم وهيكلة وإدارة قطاع الإعلام والاتصال في العراق من خلال إصدار قرارين في 20 مارس 2004 من قبل الحاكم المدني السابق للعراق بول بريمر أسبوع بعد إعلان قانون الدولة العراقية المؤقت (الدستور). جاء القرار الأول بتاريخ 20/03/2004 ويحمل رقم 65 وهو القرار المؤسس ل"الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام"،[3] أما القرار الثاني فهو الأمر رقم 66 بتاريخ 20/03/2004 والذي ينص على تأسيس "الهيئة العراقية العامة لخدمات البث والإرسال". هذين القرارين هما من بين أهم محطات تأسيس الإعلام العراقي الجديد، فهما يستهدفان توفير الهيكلية القانونية والإدارية لتفعيل أهداف ووظائف وآليات عمل الإعلام العراقي الجديد. وأطلقت الهيئة الوطنية للاتصالات والإعلام  مجموعة من القوانين في شكل "توجيهات عامة حول دقة قواعد ونظم التغطية الإعلامية خلال فترة الانتخابات"، كما أصدرت "اللائحة المؤقتة لقواعد البث الإعلامي"، و"توجيهات عامة حول الدقة والتوازن في بث الأخبار"، وكذلك "توجيهات عامة حول توفير تغطية منصفة أثناء فترة الانتخابات". هذا بالإضافة إلى توجيهات عامة لوسائل الإعلام حول التصريحات والأحداث المثيرة وكذلك توجيهات حول التحريض على العنف والكراهية أو أعمال الشغب في وسائل الإعلام[4].

2- في المنهج والمفهوم

         بالعودة إلى التعريف القانوني لهاتين المؤسستين تتولى "الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام" تنظيم قطاع الاتصالات والإعلام، فهي بمثابة الجهاز الوحيد المؤهل لإدارة كل ما له صلة بالاتصال والإعلام والبث الفضائي والترددي الإذاعي والتشريع لقطاعي الاتصال والإعلام في العراق بشقيه الحكومي والخاص. أما "الهيئة العراقية العامة لخدمات البث والإرسال" فهي الجهاز الوحيد الحكومي المؤهل لعمليات البث الإذاعي والتلفزيوني في العراق والتي تشرف على ما أصطلح على تسميته ب "شبكة الإعلام العراقي". وقد جاء بالفصل الثالث من القرار رقم 65 بتاريخ 20 مارس 2004 الخاص بتأسيس الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام ما يلي :

1- يتم تأسيس الوكالة العراقية للاتصالات والإعلام (الوكالة) (NCMC) كمؤسسة إدارية مستقلة غير ربحية، وسوف تقتصر مسؤوليات الوكالة على منح التراخيص وضبط الاتصالات والبث الإذاعي والخدمات الإعلامية ووسائل الإعلام الأخرى في العراق وسوف تلتزم بمبادئ الموضوعية، الشفافية، عدم التمييز، النسبية والإجراءات المستحقة في مزاولة مهامها.

2- سوف تعمل الوكالة بما تلزمه المادة 19 من الميثاق العالمي للحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بحرية التعبير والحقوق والواجبات التابعة، وبما تلزمه النظم والتوصيات ذات الصلة المنصوص عليها من قبل الإتحاد الدولي للاتصالات وسوف تتمسك بالاتفاقية العامة لتجارة الخدمات. 

    سنحاول في هذه الدراسة وبالاعتماد على تحليل قوانين إنشاء الهيئتين -وخاصة القانون رقم 65 المتعلق بتأسيس الهيئة العراقية للاتصالات والإعلام-التركيز على عنصر محوري في المشهد الإعلامي العراقي الجديد ألا وهو الهيكلة التنظيمية، والتي لا تقل أهمية عن مهام ووظائف الإعلام التي كثيرا ما نلتقي بها في الأدبيات الرسمية لوزارات الإعلام في الوطن العربي. يعتبر هذا الموضوع في مناهج البحث العلمي من المواضيع الشائكة منهجيا ونظريا، فهو من الإشكاليات البحثية المتحركة التي تحاول أن تتفاعل علميا مع ظواهر حديثة النشأة، تتدخل فيها المؤثرات الموضوعية والذاتية بشكل آني نظرا للوضع غير المستقر في عراق ما بعد الحرب. أما فيما يتعلق بالهيكلية فيقصد بها كيفية تسيير الإعلام أي مجموعة المؤسسات الأهلية الخاصة والرسمية في إدارة ومراقبة وتوجيه وتطوير المشهد الإعلامي ككل. فالهيكلة ليست مجرد عملية فنية شكلية بل هي جزء من المفهوم الفكري والتصور السياسي العام لماهية الاتصال والإعلام العراقي المنتظر. إن كيفية تصور الإعلام وإدارته ستنعكس حتما على السياسات العامة وعلاقة الدولة بالمجتمع المدني وبالمواطن وتحددها، فهيكلية مستقلة ممثلة لكل مكونات المجتمع يمكن أن تساهم في إرساء دعائم إعلام مستقل ومعبر عن كل الاتجاهات التي تشقه. من جهة أخرى فإن إعلاما تابعا هيكليا تبعية مطلقة أو شبه مطلقة لأجهزة السلطة والحكومة فإنه سيكون مختلفا نوعيا عن الإعلام المستقل، فمهما كانت حسن النوايا فإن دوره سيكون دعائي فئوي ولن يحقق أهدافا إستراتيجية تعبر عن ما في المجتمع من تنوع وتعدد.

هل هاتان المؤسستان في المشهد الإعلامي العراقي الجديد يمكن اعتبارهما بديلا إستراتيجيا عن وزارة الإعلام سابقا ؟ أم أن الخلفية من وراء إنشاء هاتين الهيئتين يعكس فعلا تصورا فكريا وسياسيا جديدا لماهية الإعلام والاتصال كمكون جديد ضمن المكونات المتعددة لعراق جديد؟ ما هي المرجعيات السياسية والثقافية والفكرية التي على أساسها أنشئت هذه المؤسسات الإعلامية الجديدة؟ هل هي مرجعية غربية فرضت بحكم فقدان العراق لسيادته أم أنها مرجعية ذات خصوصية عراقية ستكون في تطابق وانسجام مع مستقبل العراق ككل؟ أم أنها تلبية لضرورة التنظيم المستقل للإعلام في العراق؟ ما مدى تأثير هذه المبادرة على الإرث العربي وعلى التصور السائد للإعلام والاتصال كأحد المكونات الخاضعة للسلطة في العملية السياسية والثقافية والاقتصادية للدولة ؟ هل سيفرز الإعلام العراقي مستقبلا قطيعة معرفية في كيفية التعامل الفكري والسياسي مع الظاهرة الإعلامية عراقيا وعربيا ؟

3- عود على بدء

     أدى احتلال العراق منذ التاسع من أبريل 2003 من قبل قوات التحالف إلى بروز تطورات متعددة ومعقدة وذلك على كافة المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والإعلامية، لتلقي بتداعياتها المباشرة وغير المباشرة على الشعب العراقي والمنطقة العربية والعالم معا. على الصعيد السياسي شهد العراق نوعًا من "الفوضى" الحزبية والسياسية، حيث بلغ عدد الأحزاب المعلنة أكثر من 70 [5]حزبًا اختلفت في التوجهات والأيديولوجيات (علمانية، ليبرالية، شيوعية،..)، قامت البعض منها على أسس طائفية دينية أو عرقية (شيعية، سنية، كردية، تركمانية...) وسعت إلى تكوين كيانات ومؤسسات مستقلة بل ويملك البعض منها ميليشيات عسكرية خاصة[6]. على المستوى الاقتصادي، فإن العراق يعاني شللا شبه كلي في كافة القطاعات مما انعكس وبشكل مباشر على مستويات المعيشة، فمعدلات البطالة مثلا ارتفعت إلى 70% من مجموع الأيدي العاملة العراقية[7]. أمنيا وعسكريا مازال العراق يعيش حالة من عدم الاستقرار الأمني مجسدا في ظاهرة المقاومة المتعددة الخلفيات والتوجهات[8]. انتخابيا فرغم النجاح غير المتوقع والإقبال المحترم على التصويت فإن عملية التمثيل وشرعية الجمعية العمومية العراقية مهتزة بحكم خضوعها لسلطة الاحتلال.

        على الصعيد الإعلامي أدى كل هذا الواقع الجديد والمعقد إلى تطورات عديدة على الساحة الصحفية والإعلامية وعلى مكونات المشهد الاتصالي العراقي لما بعد الحرب، الكثير منها لم يكن متوقعا. أصبح العراق يعاني من فوضى إعلامية كاملة شبيهة بالفوضى السياسية والأمنية تعددت فيها الإصدارات الصحفية التي تقدر بمائتي صحيفة تضاربت فيها الاتجاهات السياسية والحزبية. على المستوى المهني يمكن القول أن الجسد الصحفي العراقي لا يملك جهازا تمثيليا موحدا للصحفيين العراقيين حيث دب الانشقاق في صفوف أهل المهنة إلى عدة تكتلات وتجمعات[9]. أمام كل هذا الوضع وجدت وسائل الإعلام العراقية نفسها فجأة في مواجهة وضع جديد لم تعشه العراق طيلة الـعقود الماضية ولم يعشه أي إعلام عربي منذ استقلال جل الدول العربية. فبعد الرقابة الصارمة التي كان نظام صدام حسين يمارسها في إدارته لمختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والتي كانت أشبه بنوع من أنواع الدعاية والوصاية، أصبحت الساحة الإعلامية في العراق متاحة لكل من يريد أن يصدر جريدة أو ينشئ إذاعة أو يؤسس قناة تلفزيونية من دون رقيب. حدث هذا خاصة بعد أن أصدر الحاكم الأميركي السابق للعراق بول بريمر يوم 23/4/2003 قرارًا بحل وزارة الإعلام العراقية مما أفرز عددًا من الظواهر تجسدت بشكل أو بآخر في حالة الفوضى والانفلات الإعلامي الذي أصبح هو القاعدة وأن عهد صدام بات استثناء.[10]

        منذ ذلك التاريخ يعيش الإعلام العراقي إذن حالة من النمو الكمي مدفوعا وبشكل تدريجي بنوع من التداخل والمنافسة والفرز الكيفي. فمع سقوط صدام حسين اختفت كافة الأنظمة والقوانين التي كانت تنظم العمل الصحفي في العراق، وأصبحت عملية إصدار صحيفة أو مجلة أو إذاعة أو تلفزيون لا تحتاج إلى أي موافقة أو تصريح مسبق من أية جهة حكومية. هكذا شهد العراق ولازال  تزايدًا ملحوظًا في عدد الصحف والقنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية المتباينة سياسيًا وحرفيا.[11]

        على مستوى الإعلام المكتوب ارتفع عدد الصحف الصادرة في العراق بعد الحرب من خمس صحف يومية في عهد صدام إلى ما يتراوح بين 180 و 200 صحيفة يومية وأسبوعية، وأخرى نصف أسبوعية وشهرية، وكذلك صحف تصدر بين يوم وآخر، مختلفة في التوجهات السياسية الأيديولوجية والأهداف، ويمكن تقسيمها حسب التوجه السياسي والديني والطائفي وغيرها. في البدء يمكن ذكر الصحف الرسمية، والتي تتمثل في صحيفتي "الصباح"[12] و "سومر"[13] اللتين تصدرهما "شبكة الإعلام العراقي"، إضافة إلى صحيفتي "الوقائع العراقية" الصادرة عن وزارة العدل العراقية وجريدة "العراق اليوم" الأسبوعية التي تشرف عليها القوات الأمريكية.[14] اختصت تلك الصحف الرسمية في نشر القرارات التي كان يصدرها الحاكم الأمريكي بول بريمر ومن بعده الحكومة العراقية المؤقتة والتعريف بالمفاهيم والأفكار التي تثيرها قضية إعادة إعمار العراق. في الاتجاه الآخر توجد الصحافة الحزبية والتي تسعى لنشر الأفكار والمطالب السياسية التي تتبناها الأحزاب أو بعض العرقيات أو الطوائف الدينية والتعريف بها[15]. في هذا السياق ومن بين أهم هذه الصحف يمكن ذكر صحيفة "الاتحاد" الصادرة عن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وصحيفة "التآخي"[16] الصادرة عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، وكذلك "توركمن ديلي"، "الطيف المندائي"، "نيشا"، "صدى السريان".

أما الصحف السياسية فيمكن ذكر "طريق الشعب" الصادرة عن الحزب الشيوعي العراقي، و"الساعة" الصادرة عن الحركة الوطنية العراقية الموحدة التي يرأسها الشيخ أحمد الكبيسي، و"نداء المستقبل" لحركة الوفاق الوطني العراقي، وصحيفتا "المؤتمر" و"فجر بغداد" اللتان يصدرهما المؤتمر الوطني العراقي الذي يتزعمه أحمد الجلبي، وصحيفة "التضامن" وهي أسبوعية يصدرها حزب المصالحة والسلام، وصحيفة "دار السلام" التي يصدرها الحزب الإسلامي العراقي، وصحيفة "العدالة" الصادرة عن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، و"النهضة" الناطقة بلسان تجمع الديمقراطيين المستقلين بزعامة عدنان الباجه جي، و"الطليعة" لسان حال الحزب الاشتراكي الناصري[17].  أما فيما يتعلق بالصحافة الدينية فتمثلها صحف تنتمي لمنظمات دينية، وتتبنى غالبيتها المذهب الشيعي أو السني، ومن أهم هذه الصحف يمكن ذكر صحيفة "الحوزة" وتهتم برصد أنشطة رجال الحوزة وفتاواهم الدينية[18]، ومجلة "الفتوى" التي تمثل المذهب السني في العراق وتصدر شهريًا، ومجلة "الكوثر" وهي نصف شهرية وتتناول شؤون الشيعة في العراق وكذلك صحف أخرى مثل "البصائر"، "أنصار الحوزة"، "الدعوة"،"البيان"، "المجلس"، "قمر بني هاشم"، "الكوفة"، "صوت الجمعة" و"الوفاق الإسلامي" وغيرها من العناوين.[19]

من جهة أخرى توجد صحافة مستقلة تشمل أغلب الصحف التي كانت تصدرها المعارضة خارج العراق أيام حُكم صدام حسين ومن أبرزها صحيفة "الزمان" التي يصدرها الإعلامي سعد البزاز[20]، و صحيفة "المستقلة"[21]، إضافة إلى صحيفتي "القبس" و "العراق الجديد". في نفس الوقت توجد بعض الصحف الأجنبية وهي تهدف إلى تقريب وجهتي النظر العربية والغربية، وتستهدف الطبقة المثقفة من الشباب العراقي ومنها جريدة "بيان العراق"[22]. أما الصحافة التجارية فتمثلها العديد من الصحف التي أصدرها صحفيون ورجال أعمال فمن أهمها عدة صحف فكاهية وساخرة مثل صحيفة "حبزبوز" وهي من نوع التابلويد و"الجماهير" و"الصحاف" و"الرصيف" و"جريدة جحا"[23].  كما ظهرت صحف فنية مثل "عدسة الفن"، "عيون الفن"، أو رياضية مثل صحيفة "الكرة"، "العالم الرياضي"، "الرياضيالجديد"، "السفير الرياضي".

على مستوى الإعلام السمعي، ظهرت مجموعة من المحطات الإذاعية الناطقة بلسان الأحزاب والحركات السياسية المختلفة، ومنها على سبيل المثال إذاعة "الهدى" وراديو "كربلاء" و"دجلة" و"الشرارة" و"الحرية" وإذاعة "المستقبل" الناطقة باسم حركة الوفاق الوطني، وإذاعة "العراق" الحر الصادرة عبر الإنترنت ويرأسها عماد علي، وإذاعة "كردستان العراق"، إضافة إلى الإذاعة التابعة لشبكة الإعلام العراقي التي تشرف عليها وتمولها قوات التحالف. على مستوى الإعلام المرئي، توجد قناة شبكة الإعلام العراقي "العراقية" التي ترأسها جورج منصور والتي اتخذت من إحدى قصور صدام حسين مقرا لها[24]. وإضافة إلى القناتين الفضائيتين التابعتين للحزبين الكرديين الرئيسيين في العراق، الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني[25]، كما ظهرت قنوات مثل "الفرات" و"الشرقية" و"الديار". فيما يتعلق بالإعلام الخارجي شدت قناة "سحر" و "العالم" الإيرانيتين اللتين تبثان باللغة العربية اهتمام الشارع العراقي خلال فترة الحرب ويمكن مشاهدتهما بدون لاقط هوائي[26]. وصل عدد المحطات الإذاعية والتلفزيونية إلى ما يفوق 60 محطة وهو رقم غير متوقع يدفع بالإعلام العراقي عربيا على مستوى الكم إلى احتلال مرتبة الصدارة متجاوزا إعلام دول عربية أخرى، منها من هو تحت التأسيس ومنها من بدأ البث مباشرة بعد انتهاء الحرب[27]. هذا الكم سيثير وسيفرز مع مر الزمن  كيفا إعلاميا ستكون له تأثيراته على الإعلام العربي، خاصة مع العودة التدريجية لخبرات عراقية إعلامية منتشرة في العالم قادرة على إحداث الإضافة النوعية المرتقبة تدفعها تشريعات إعلامية تبدو حديثة التصور تتميز بالمرونة والتحررية.

        من أجل متابعة كل هذه المتغيرات ومن أجل تنظيم مسايرة هذا الفسيفساء الإعلامي الجديد عينت سلطات التحالف روبير رولي Robert Reilly  لإدارة الإعلام العراقي إلى حدود يونيه 2003 ، وكان يشغل مدير سابق لإذاعة صوت أمريكا وكان يساعده مايك فورلنك Mike Furlong الذي اشتغل سابقا بوزارة الدفاع الأمريكية حول ملف الإعلام لما بعد الحرب في كوسوفو. في بداية شهر يونيه من سنة 2003 صدر الأمر رقم 6 من قبل الحاكم المدني السابق بول بريمر والقاضي بتأسيس شبكة الإعلام العراقي كهيئة وقتية انتقالية بديل عن وزارة الإعلام المنحلة. في نفس الفترة أي في شهر يوليو 2003، وبشكل يبدو مواز عقد مؤتمر أثينا الخاص بمستقبل الإعلام العراقي والذي توصل إلى صياغة لائحة لتنظيم الإعلام العراقي ومنه انبثقت فكرة الهيكلية الجديدة للإعلام في العراق من خلال صياغة مشروع كل من  القانون رقم 65 و66 الصادرين في شهر مارس 2004، وذلك من أجل توفير الأرضية القانونية المناسبة لتنظيم الإعلام العراقي[28]. بعدها عينت قوات التحالف مفوضا حكوميا جديدا للإعلام لإدارة الصحافة وكل أنواع البث الإذاعي والتلفزيوني وهو سايمون هاسلوك الذي كان المتحدث الرسمي والمشرف الإعلامي على سلطات الأمم المتحدة في كوسوفو وذلك من أجل تنظيم الإعلام العراقي ووضع مجموعة من المعايير والمواصفات والإجراءات الجديدة. واصل المفوض الإعلامي الجديد أشغال تأسيس شبكة الإعلام العراقي بتمويل من حسابات مجمدة لوزارة الإعلام العراقية في عواصم أوروبية قدرت بنحو 6 ملايين جنيه إسترليني ووضع الأرضية الهيكلية والتشريعية لمشروع الإعلام العراقي البديل[29]. كان لهذا الفريق والذي اشتغل لفترة أكثر من سنة لإعادة هيكلة الإعلام العراقي كبير الأثر في تحديد هوية وملامح المؤسسة الإعلامية العراقية الجديدة في ظل الاحتلال.

4- خصائص الإعلام العراقي الجديد : الدوافع والأهداف

يعتبر تنظيم الاتصال والإعلام من أهم المعايير الدولية المعتمدة في تحديد ديمقراطية أي نظام سياسي، خاصة عندما يكون الهدف المرسوم هو خلق مجتمع مدني حداثي منسجم مع قيادته وتاريخه وطموحاته وذلك عبر فضاء إعلامي واتصالي متميز حر ومستقل وفعال. لذلك نتساءل : ألم يهاجم العراق باسم إسقاط الديكتاتورية ومن أجل دعم الديمقراطية والحرية ومعها زرع حرية التعبير عن الرأي من خلال حرية وسائل الإعلام؟ إن أهم مظاهر أي توجه لتنظيم قطاعي الإعلام والاتصال يبدأ من توفير الإطار الفكري والثقافي والسياسي الملائم وذلك عبر دعم وتشجيع سياسة اتصالية تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المجتمع، خصوصيات النظام السياسي وأخلاقيات المهنة. فأداء الإعلام في أية دولة يتحدد بمستوى التقاء مجموعة من الظروف والشروط المترابطة والأهداف المتداخلة من الأرضية الفكرية والسياسية إلى الإطار التنظيمي والتشريعي الذي فيه يترعرع ويؤدى الإعلام مهامه المنشودة. يمكن اعتبار كل من الديباجة والقسم الأول المعنون ب" الغرض " من القانون التأسيسي للهيئة العراقية للاتصالات والإعلام جوابا عن سؤال لماذا هذه الهيئة ؟

جاء في ديباجة القانون 65 الخاص بتأسيس الهيئة العراقية للاتصالات والإعلام أنه :

- اعترافا بما يشكله الحوار المفتوح والصريح المبني على التبادل الحر للمعلومات من أهمية جوهرية لتنمية الديمقراطية الحديثة وإجراء انتخابات حرة ونزيهة في العراق وبأن السبيل إلى ذلك هو الوصول بغير أي قيد وبعمومية لإعلام قوي، مهني، حر، مستقل ومتنوع. 

- اعترافا أيضا بما تلعبه الاتصالات من دور مهم في التنمية الاقتصادية للشعوب وبأن تأمين الضمانات القانونية للداخلين إلى السوق من شأنه أن ُيسرع من نمو واستقرار الاقتصاد.

- نظرا لوجود الحاجة لإنشاء آلية فعالة ومستقلة التنظيم للإعلام وبالأخص الصحافة مع ضمان الهيكلية المنظمة للبنية التحتية للاتصالات.

- تأكيدا على أن دور المشرع هو حماية السلامة العامة ومصلحة المستهلك وأن تأسيس آلية  تشريعية مستقلة ومزودة بالعمالة الملائمة سيشكل حصنا منيعا لحماية الحريات المنبثقة.

- إن الاستقلال هو الطريق إلى الفعالية في تشريع وترويج سوق تنافسية لفائدة المستهلك والشركاء فيها وبأن الاستقلال في هذا السياق يعني التحرر من التحكم أو التأثير غير المشروع من قبل أي كيان مُشرّّّّّع أو شركاء السوق، التدخل أو الضغط  الحزبي السياسي غير المبرر والتأثير أو تضارب المصالح بتحريض شخصي كامتلاك أسهم عند شركاء في السوق.

- حفاظا على الالتزام بالمبادئ  العالمية المتعلقة بحرية التعبير وحرية الصحافة كما تم التأكيد عليها في الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية و الوثائق الأخرى.

-  إن التوجه العالمي نحو توحيد التقنية وأساليب الإرسال في صناعة الاتصالات يتطلب تشريعا واضحا و شاملا وأن وجود مشرعا وحيدا للاتصالات سوف يفسح المجال لردود الأفعال الفعالة والسريعة على الظروف الاقتصادية والصناعية، ولما هو ضرورة في هذا المجال الحيوي وذو الأهمية الاقتصادية القصوى.

ومن بين الدوافع الأخرى التي جاءت في القانون الأساسي للهيئة يمكن ذكر تأكيد القانون على الأهمية التي تشكلها البنية التحتية الحديثة للاتصالات اللاسلكية والخدمات الإعلامية ودورها في نمو العراق الاقتصادي وتقدمه ورخاء مواطنيه الاجتماعي. في هذا السياق ترى الهيئة أن تطوير مثل هذه البنية يتطلب وجود نظام تشريعي متنبأ وشرعي يستطيع جذب الاستثمارات في هذه المجالات في إطار هيئة منظمة تشريعية مفتوحة وشفافة تعكس أفضل الخبرات العالمية وتروج لروج الثقة والمسؤولية العامة. إن بين أهم دوافع تأسيس هذه الهيئة هو إيجاد سلطة تشريعية ذات تطلعات تقدمية  تستطيع سن النظم التي تشجع على تأمين التقنيات والخدمات الحديثة  للمستهلك، إنها حاجة ماسة للحصول على بنية تحتية حديثة للاتصالات، ذلك أنه من الأهداف الرئيسة لنظام الاتصالات الوطني هو إتاحة الخدمات الحديثة لكل المواطنين وبأسعار معقولة.  وقد جاء تأسيس هذه الهيئة أيضا كضرورة لتوسيع وإلى أقصى مدى وجود كفاءة ومهنية في صنع الأخبار والإعلام وذلك من أجل تأمين حوار عام في العراق. فالقانون الأساسي للهيئة يعتبر أن المناخ الإذاعي المرن أساسي للتنمية الاقتصادية ولمجتمع مدني فعال عن طريق توفير برامج ثقافية وترفيهية عامة وأخرى تعالج مشاكل الواقع. يجب تشجيع مثل هذا التوجه من خلال تشريع واضح يسعى إلى تأمين خدمات إعلامية متنوعة تستهدف المواطنين العراقيين وتضمن احترام المعايير المتعارف عليها إقليميا ودوليا. في هذا الإطار فإن التشريعات ومن خلال الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام يجب أن تحترم الممارسة الكاملة لحرية التعبير كما هي محددة في الميثاق الدولي لحقوق الإنسان، وهو ما يفترض أن تشجع قوانين الهيئة التعددية والحوار السياسي.

أما فيما يتعلق بأهداف الهيئة الوطنية للاتصالات والإعلام فتتمثل في القسم الأول من القرار 65 وجاء فيه أن الهيئة تسعي لتشجيع التعددية والتنافس بين موفري خدمات الاتصالات والإعلام في العراق وهو ما سيساعد على تأسيس مجتمع مطلع ومتنوع الثقافات مستفيدا من تنوع الأسعار والجودة [30]. ومن بين أهداف الهيئة أيضا حماية مصالح مواطني العراق كمستهلكين لخدمات الاتصالات، وتوطيد الإطار للتنافس الكامل والعادل بين كل الأجهزة وتشجيع انتشار  شبكة الاتصالات والإعلام الإلكتروني. في ذات السياق تستهدف الهيئة العراقية للاتصالات والإعلام ضمان أن تكون خدمات الاتصالات والخدمات الإذاعية والإعلامية العراقية تعمل بالطرق المتعارف عليها والمتمثلة أساسا في الحفاظ على الأمن العام، وحماية حرية الإعلام ومساعدة الإعلام العراقي كي ينمو ويحافظ على مهنيته ليصبح سلطة رابعة و"كلب حراسة". كل هذه الأهداف تتجه إذن صوب هدف إستراتيجي ألا وهو تأسيس منظمة تشريعية مفتوحة وشفافة تعكس حسب نصوصها أفضل الخبرات العالمية والتي سوف تجذب استثمار القطاع الخاص وتروج للثقة وللمسؤولية العامة في مجالات الاتصال والإعلام. [31]  

من جهة أخرى تهدف هذه الهيئة ومن خلال بنود قانونها التأسيسي إلى حماية حقوق النشر والمؤلف والملكية الفكرية والصناعية، بالإضافة إلى حماية المعلومات الشخصية وضمان التقيد بالقوانين والأعراف والاتفاقات الدولية الأخرى للاتحاد الدولي للاتصالات.[32] على هذا الأساس فإن القانون 65 يؤكد على استقلالية الهيئة العراقية للاتصالات والإعلام عبر وضع معايير محددة لصيانة هذه الاستقلالية من خطر الدوافع والمصالح الشخصية والتدخل من طرف الأحزاب السياسية أو أصحاب المصالح الخاصة. إن من أهم المبادئ التي أوردتها ديباجة القانون 65المؤسس لهذه الهيئة هو التأكيد على أن تنظيم الاتصال والإعلام أصبح ضرورة ملحة لسلامة الوطن وحرية المواطن، والالتزام بمبادئ حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة طبقا لما تضمنه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وغيرها من المعاهدات  مثل المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. بدأت الهيئة بترجمة كل هذه الأهداف والأغراض والمبادئ من خلال إصدارها للائحة من المبادئ العامة لتنظيم الإعلام العراقي وتحديد مجالات تدخله وعلاقة الدولة بوسائل الإعلام من منظور الإدارة المستقلة للإعلام.

5- لائحة مبادئ الوكالة العراقية للاتصالات والإعلام

في محاولة لقراءة محتوى لائحة الوكالة العراقية للاتصالات والإعلام تجدر الإشارة إلى أن هذه اللائحة تحتوى على مجموعة من الأبواب والفصول التنظيمية هي بين القانون الذي يشرع العمل الإعلامي والمتعارف عليه في أغلب دول العالم الثالث والدول العربية بقوانين المطبوعات أو قوانين التشريعات الإعلامية أو مجلة أو مدونة الصحافة وبين لوائح أخلاقيات المهنة ومواثيق الشرف الإعلامي المتعارف عليها في الدول الغربية. إن الفرق بين لائحة الهيئة العراقية وقوانين المطبوعات والنشر في بقية الدول العربية هو أن اللائحة هي في صيغة قرارات تنفيذية في حين أن قوانين المطبوعات هي قوانين يشرعها النواب. إن اللائحة لا ترتقي إلى مستوى القانون فاللائحة يمكن تغييرها من ظرف إلى آخر في حين أن القانون في حاجة إلى جدل وإجماع وطني. فعلى مستوى المبدأ لا تسعى قوات التحالف إلى فرض قانون ينظم الصحافة كما هو الحال في دول العالم الثالث لأن ذلك يتناقض والمبادئ الليبرالية والتحررية في فهم الإعلام والاتصال، لكنها في نفس الوقت لا تريد أن يفلت الملف الإعلامي من رقابتها خاصة مع وجود معارضة ومقاومة قوية سلمية ومسلحة تطالب بخروج قوات الاحتلال. فالملف الإعلامي كان ولا زال من الملفات المحرجة والمقلقة لسلطات الاحتلال وذلك نظرا للوضع الخاص الذي يمر به العراق ويعيشه ملف الإعلام العراقي. مهما يكن من أمر هذه اللائحة الفريدة في الصيغة والتسمية فهي تبدو ظرفية لكنها حتما ستؤسس بشكل مباشر أو غير مباشر فيما سيكون عليه الإعلام العراقي في المستقبل.

يعالج الجزء الأول من هذه اللائحة المعايير العامة للبرامج المرئية والمسموعة ثم  قواعد الحق في الرد فإجراءات الوصول إلى المعلومات وحرية النشر، هذا بالإضافة إلى الالتزامات الخاصة بحقوق النشر وتسجيل البرامج.[33] جاء في الفصل التمهيدي من اللائحة أنه عملا بقانون تأسيس الوكالة العراقية للاتصالات والإعلام فأن "الوكالة هي السلطة الوحيدة المؤهلة لتنظيم قطاعالبث في العراق" . تحدد هذه اللائحة القواعد ومعايير التحرير لمضامين البرامج التي تبثها محطات التلفزيون والإذاعة العاملة في العراق الخاصة منها والعامة ويُراد بهذه اللائحة إقرار واحترام حرية التعبير كما تنص عليها المواد 13 و23 من قانون إدارة الدولة العراقي المؤقت والمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي الوقت نفسه مراعاة المعايير المتعارف عليها في أخلاقيات المهنة ومواثيق الشرف في العمل الصحفي. الهدف كما هو معلن يتمثل في ضمان عمل محطات البث على إشاعة الأهداف التربوية والمدنية والثقافية والديمقراطية عبر اعتماد ونشر القيم الحضارية والإنسانية في عالم الاتصالات والإعلام المؤسس على الحرية وأولوية المصلحة العامة. وتهدف هذه اللائحة تمكين الهيئة من ضبط أشكال التعبير التي قد تحرض على العنف أو عدم التسامح العرقي أو العقائدي والديني أو مثيل ذلك في الإعلام المرئي والمسموع. وترى الوكالة من خلال اللائحة بأن منع مثل هذه الممارسات ضروري لما فيه مصلحة الشعب العراقي فهي تعتبر أصحاب محطاتالبث مسئولين وبشكل مباشر عن مضمون كل ما تبثه محطاتهم من مواد مهما كان مصدرها. هكذا تقع على عاتق أصحاب محطات البث كامل المسؤولية عن ضمان التزام برامجهم ببنود اللائحة. [34] يمكن أن تترتب على انتهاك بنود هذه اللائحة عقوبات بحق أصحاب محطات البث يتناسب حجمها مع خطورة الخرق. هكذا واعتمادا على لائحة تنظيم البث الإعلامي العراقي وعلى القرار عدد 65 أصبحت محطات البث ووسائل الإعلام خاضعة لضوابط ومعايير قانونية مكتوبة تحدد قواعد العمل الإعلامي بكل أشكاله. وقررت الوكالة العمل بموجب هذه اللائحة وتحديد المعايير العامة للبرامج المرئية والمسموعة وذلك بمنع التحريض على العنف والكراهية والتقيد بشروط اللياقة والآداب العامة والالتزام بالنزاهة والحياد في مضمون البرامج وشددت على أن تكون البرامج الدينية دقيقة ومنصفة مع مراعاة حرمة البيوت والحياة الخاصة للمواطنين وعدم بث المواد الكاذبة والباطلة.

لقيت هذه اللائحة بيانات استنكار من الصحفيين العراقيين ومن العديد من المنظمات الصحفية العربية والدولية، فقد اعتبر مضمون هذه اللائحة شكل من أشكال الرقابة  على وسائل الإعلام.[35] ما يمكن استنتاجه من هذه اللائحة هو تبني الوكالة العراقية للاتصالات والإعلام مسؤولية تنظيم البث وشبكة الاتصالات العامة والخدمات بوصفها مشرع الوحيد لهذا النشاط. مثل هذه النصوص تبدو عامة ولا ترتقي إلى مستوى القانون فهي مجرد إطار قانوني هيكلي لمجموعة من المبادئ العامة التي من الممكن إعطائها أكثر من تفسير. إذا ما قمنا بمحاولة مقارنة بين هذا القانون وبقية القوانين العربية التي تنظم الإعلام فلا نجد صدى لتك الفصول المنظمة للطباعة والتداول والتراخيص الخاصة بالنشر وجرائم النشر وحقوق وواجبات الصحفي وغيرها من الفصول المفصلة والدقيقة في إدارة وتنظيم الإعلام في أغلب التشريعات الصحفية. غير أنه لا يمكننا تجاهل أن هذه اللائحة كانت سببا في تعطيل عديد الصحف (الحوزة) وحرمان العديد من الصحفيين من العمل في العراق وإغلاق بعض مكاتب المحطات الأجنبية (الجزيرة). انطلاقا من الغرض والهدف من تأسيس الهيئة العراقية للاتصالات والإعلام وبالعودة إلى لائحة المبادئ والتي تعكس الخلفية الفكرية والسياسية لتنظيم الإعلام العراقي نتساءل على هدي أية خلفية ومرجعية أسست هذه الهيئة وصدرت تلك اللائحة؟ نقصد بالمرجعية مجموعة الأسس القانونية والفكرية والسياسية التي على أساسها تمت صياغة القانون الأساسي وأهداف الهيئة التي تبدو على الورق تحررية التوجه.

6- الإعلام العراقي بين عهدين

تاريخيا كان صدام حسين يمسك بمفاتيح جهاز المخابرات وجهاز "العلاقات العامة" والتي كانت نواته قد تشكلت قبل 17 تموز 1968، وكان صدام حسين يدرك أهمية الاحتفاظ بالجهازين معا : الإعلام كأداة للدعاية والمخابرات كأداة للأمن والرقابة. في السبعينات استعان صدام حسين بطارق عزيز الذي كان رئيسا لتحرير صحيفة "الثورة" ومعه لطيف نصيف جاسم الذي كان يمسك جهاز الإعلام في الثمانينات وهي ما يطلق عليها بالمرحلة الجديدة التي اعتلى فيها صدام حسين رسميا السلطة. استمرت هذه الفترة إلى حدود غزو الكويت سنة 1990 وما تبعها من فشل دفع بالإعلام العراقي إلى تسخير كل إمكانياته لتلميع صورة الدولة والخروج من العزلة والحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق. تميز الإعلام العراقي طيلة هذه الفترة بالدعاية المفرطة والمركزية المطلقة فكانت ميزانية الإعلام سرية مثل بقية الموازنة العراقية ودعمت ميزانية الإعلام عبر دعم ميزانية حزب البعث الذي أصبح يقتطع 5% من عائدات النفط بعد تأميمه سنة 1973، نسبة منها تذهب إلى وسائل الإعلام العراقية التي يشرف عليها بشكل مباشر أو غير مباشر حزب البعث. 

كان الدستور العراقي المؤقت والصادر في 16 تموز من سنة 1970 ينص على احترام حرية التعبير والصحافة والنشر ولكنه يشترط أن يكون ذلك تطبيقا للتوجه الثوري والقومي التقدمي أي لمبادئ حزب البعث. أما قرار مجلس قيادة الثورة رقم 840 الصادر في 4/11/1986 فيقضي بإعدام كل من أهان بطريقة علنية رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه أو مجلس قيادة الثورة أو حزب البعث أو مجلس الوطني " لبرلمان" أو الحكومة[36]. أما قطاع الإعلام السمعي المرئي فبالإضافة إلى تلفزيون الدولة أي الأرضية العراقية يوجد "تلفزيون الشباب" وإذاعة "صوت الشباب"، أما الإذاعتان الرئيسيتان في البلاد فهما "إذاعة الجمهورية العراقية" وإذاعة "أم المعارك". أنشأ العراق كبقية الدول العربية محطة تلفزيونية فضائية "العراقية" بعد رفع الحظر عن استقبال المحطات التلفزيونية الفضائية حيث أمكن للمواطنين العراقيين استقبال البث التلفزيوني الفضائي لكن بعد الحصول على تصريح. تلك هي الأسس والمرجعيات التي كان على هديها يسير الإعلام العراقي قبل الحرب الأخيرة فماذا بقي من كل هذا ؟ يبدو أن الجواب بسيط إذ لم يبق أي إرث قانوني أو مؤسساتي يمكن الاعتماد عليه كمرجع في إعادة صياغة وهيكلة المشهد الجديد للإعلام العراقي. إن المرجعية التي كان يعتمد عليها العراق في إدارة المشهد الإعلامي في عهد صدام يمكن تلخيصها  في ملكية الحزب الحاكم (البعث) والدولة لكل المؤسسات الإعلامية الرئيسية. أما "البعث" الجديد للإعلام العراقي في ظل الاحتلال فيعتمد على مرجعيات يبدو البعض منها ثوريا والبعض الأخر متداخلا إن لم نقل متناقضا. كمحاولة لتصنيف وفرز مرجعيات تأسيس الإعلام العراقي توقفنا عند أكثر من مرجع ليلتقي فيها الداخلي بالخارجي والفكري بالسياسي والاقتصادي.

يتمثل المرجع الداخلي وهو مرجع متداخل بحكم الوضع الخاص الذي يعيشه العراق، في مرجعية خارجية  مجسدة في كل من سلطة الائتلاف التي جاءت بقانون إدارة الدولة العراقية[37] للفترة الانتقالية[38] ثم المعاهدة الدولية ذات الصلة، مثل الميثاق العالمي لحقوق الإنسان وقوانين الأمم المتحدة وخاصة قوانين الحرب. ويعود السبب في ذلك إلى أن دولة العراق في حرب وفاقدة للسيادة، وهذا يتطلب كما جرت الأعراف الدولية الاعتماد على قوانين الحروب عوض الاعتماد على القوانين السارية، وهي قوانين تدخل في إطار منظومة القانون الدولي، إذ لا يمكن إدارة الدولة طبقا لقوانين الدولة القائمة بالاحتلال (أمريكا) أو قوانين الدولة المحتلة (العراق). فقد جاء في الفقرة الأولى من ديباجة القرار رقم 65 المؤسس للهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام ما يلي :

1-  بناء على السلطات المخولة لي بصفتي المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة (بول بريمر) و بموجب القوانين والأعراف المتبعة في الحرب و تمشيا مع قرارات مجلس الأمن لهيئة الأمم المتحدة ذات الصلة، بما فيها القرارين رقم 1483 و1511 (2003) و بعد التشاور مع مجلس الحكم العراقي[39].

2-  استذكارا أن قرار الأمم المتحدة رقم 1483 (2003) قد ناشد سلطة الائتلاف المؤقتة أن تعمل على تحقيق الرفاهية للشعب العراقي من خلال الإدارة الفعالة للبلاد و تأمين حالة من الاستقرار والأمن[40].

            أما المرجع الآخر الداخلي غير المعلن والذي همش في ديباجة القانون ولم تقع الإشارة إليه فهو الفصل 12 و 13 من قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت المتعلق بحرية التعبير الذي على هديه كانت تحكم العراق إداريا وقانونيا أثناء صدور القرار رقم 65. إن هذا الإغفال تم تداركه عندما وقعت الإشارة إلى تلك المواد في طيات لائحة مبادئ الهيئة. أما الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام فهي هيئة مستقلة ولذلك لم تقع الإشارة إلى بنود قانون إدارة الدولة العراقية في انتظار صدور الدستور العراقي ولكن هذا لا يعنى أن سلطة الائتلاف لم تعتمد على ما جاء في قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت وما فيه من تأكيد على حرية التعبير والإعلام وخاصة المادة الثانية عشر : " العراقيون كافة متساوون في حقوقهم بصرف النظر عن الجنس أو الرأي أو المعتقد أو القومية أو الدين أو المذهب أو الأصل، وهم سَواء أمام القانون. ويُمنع التمييز ضد المواطن العراقي على أساس جنسه أو قوميته أو ديانته أو أصله، وله الحق بالأمن الشخصي وبالحياة والحرية، ولا يجوز حرمان أي أحد من حياته أو حريته إلا وفقاً لإجراءات قانونية، إن الجميع سواسية أمام القضاء. أما المادة الثالثة عشر فقد نصت على أن :

(أ) - الحريات العامة والخاصة مُصانة.

(ب)- للناس الحق بحرية التعبير، يضمن ذلك الحق بتسلم وإرسال المعلومات شفهيا" أو خطيّا" أو إلكترونيا" أو بأي شكل آخر أو من خلال أي وسيلة يجري اختيارها.

(ج)- إن الحق بحرية الاجتماع السلمي وبحرية التنظيم في جمعيات هو حق مضمون، كما إن الحق بحرية التنظيم في نقابات عمالية هو حق مضمون وفقا للقانون[41].

فهذه المواد القانونية لها صلة بحرية الرأي والتعبير فهي ليست قوانين وإنما هي مجموعة من المبادئ العامة وجزء من الدستور لكن إلى حين توفير الإطار القانوني من خلال انتخابات عامة تصيغ دستورا عراقيا نهائيا فإن هذه المبادئ هي بمثابة الدستور المؤقت[42]. إن الدستور لا يمكن اعتباره قانونا بل مجموعة من المبادئ العامة تتحول عبر المشرع في شكل جملة من قوانين تنظم علاقة المؤسسات بالدولة والدولة بالأفراد. كيف تعاملت إذن الحكومة العراقية في صياغة قوانين مبادئ حرية التعبير وتنزيلها على أرض الواقع وإخراجها من إطار المبدأ إلى إطار الإلزام العام؟ يبدو أن قانون إدارة الدولة العراقية رغم شكليته فقد وقع تهميشه رسميا وتم الاعتماد على قوانين الحرب وقرارات الأمم المتحدة في إصدار كل قانون جديد.

أما المرجع الثاني فهو خارجي وسياسي فكري غير معلن، ويتمثل في إحدى أهم فقرات مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير الذي يعتمد في كل توصياته على ما جاء به تقرير التنمية العربية لسنة2002 و 2003[43]. أصبح العراق الأرضية الخصبة لتنفيذ برنامج إصلاح الشرق الأوسط الكبير بكل تفاصيله، وقد جاء في مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير ما يلي : " أيدت بلدان مجموعة الـثمانية، بدورها، هذه الجهود بمبادراتها الخاصة للإصلاح في منطقة الشرق الأوسط. وتبين "الشراكة الأوربية المتوسطية"، و"مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط"، وجهود إعادة الإعمار المتعددة الأطراف في أفغانستان والعراق التزام مجموعة الـثمانية بالإصلاح في المنطقة ".[44]

هذا فيما يتعلق بمشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير أما تقرير التنمية العربية 2003 فقد أكد على أن  "هناكأقل من 53 صحيفة لكل 1000 مواطن عربي، بالمقارنة مع 285 صحيفة لكل ألف شخص فيالبلدان المتطورة، وأن الصحف العربية التي يتم تداولها تميل إلى أن تكون ذات نوعية متواضعة، ومعظم برامج التلفزيون في المنطقة تعود ملكيتها إلى الدولة أو يخضع لسيطرتها،وغالباً ما تكون النوعية رديئة، إذ تفتقر البرامج إلى التقارير ذات الطابع التحليليوالتحقيقي"[45]. ويضيف التقرير الذي اعتمد بل أخذت فقرات كاملة للاستشهاد بها في صياغة مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير : "يقود هذا النقص إلى غياب اهتمام الجمهور وتفاعله مع وسائل الإعلامالمطبوعة ويحد من المعلومات المتوافرة للجمهور". بعد هذا التشخيص يقترح مشروع الإصلاح الأمريكي مجموعة من التوصيات لمعالجة مثل هذا الواقع وهذه التوصيات هي لمجموعة الدول الثمانية الغنية، وتتمثل خاصة في رعاية زيارات متبادلة للصحافيين لوسائل الإعلام المطبوعة والإذاعية ورعاية برامج تدريب لصحافيين مستقلين[46].وقد بدأت عديد الجهات في إنجاز مثل هذه التوصيات وذلك عبر اتصالات واتفاقيات بين جهات صحفية عراقية ومنظمات غير حكومية ومؤسسات إعلامية رسمية وشبه رسمية غربية وخاصة أمريكية. يمكن ذكر هنا منظمة إنتر نيوز غير الحكومية ومشاريعها لتدريب مهني قطاع الإعلام في العراق وفي منطقة الشرق الأوسط، إذ فتحت مكتبين واحد في بيروت وآخر في القاهرة، وقد كانت هذه المنظمة الجهة الفاعلة وراء تنظيم مؤتمر أثينا لإصلاح الإعلام العراقي في شهر حزيران 2003[47].

 من جهة أخرى اقترح مشروع الإصلاح في قراءته للإعلام العربي تقديم زمالات ومنح دراسية لطلاب كي يدرسوا بمعاهد وكليات الصحافة والإعلام في المنطقة أو خارجالبلاد، وتمويل برامج لإبتعاث صحافيين[48] أو أساتذة صحافة لتنظيم أو حضور ندوات تدريب بشأن قضايامثل تغطية الانتخابات[49] واستطلاعات الرأي العام[50] أو قضاء فصل دراسي في التدريس في كليات بالمنطقة. في هذا الإطار سعت عديد الجامعات الأمريكية التي بها أقسام للإعلام والاتصال إلى عقد اتفاقيات شراكة مععديد أقسام الإعلام بالدول العربية وخاصة منها الناطقة باللغة الإنجليزية. يمكن القول أن العراق هو المنطقة الخضراء الفسيحة لتطبيق بنود ومقترحات مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير سياسيا واقتصاديا وإعلاميا. [51] لكن أهم شيء ركز عليه مشروع الإصلاح هو فصل الإعلام عن الدولة وتحريره من هيمنة ورقابة السلطة وبالتالي تحويله إلى نشاط اقتصادي وتجاري على أساس المنافسة وليس الاحتكار وما تأسيس الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام إلا علامة على تبني هذا التوجه. كما أن الهدف الإستراتيجي لهذا المشروع هو محاربة الإرهاب وخاصة تجفيف منابع ومصادر الإرهاب والتي يمثل الإعلام المعادي للولايات المتحدة الأمريكية أو الأصولي احد ركائز تغلغل الفكر والخطاب الإرهابي وهي إحدى مرجعيات تأسيس الإعلام العراقي.[52] علينا بالإضافة إلى كل ما ذكر أن لا نتجاهل أن قوانين تأسيس الوكالة وإصدار اللائحة والتي صيغت بالاعتماد على مبادئ اتفاقيات منظمة التجارة العالمية التي تعتبر أن كل من الإعلام والاتصال هما عبارة عن سلعة، يتم التعامل معها كمنتوج تجاري يخضع إلى قوانين السوق، وهو ما يفسر كل ذلك التسارع من أجل الاستثمار في قطاعي الإعلام والاتصال في العراق كان ذلك من قبل الشركات المحلية أو العالمية. غير أن الإعلام والاتصال لا يمكن التعامل معهما فقط كمنتوج تجاري بل يجب الفصل بين المضمون الثقافي والوعاء الاتصالي الإلكتروني وهو موضوع كان ولازال محل سجال بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ضمن مفاوضات منظمة التجارة الدولية حول هل يمكن اعتبار الحوامل التكنولوجية الجديدة ذات المضمون الثقافي (الأغنية، الفلم...) سلعة تجارية وهو ما أظهر مصطلح الخصوصية أو الاستثناء الثقافي الذي كان ورائه الإتحاد الأوربي.[53]  

7- الفصل أم الاندماج

إن متابعتنا وقراءتنا لمرجعيات الإعلام العراقي تساعدنا على تلمس الإجابة عن سؤال : هل يوجد فصل أم دمج أم تداخل بين كل من الإعلام والاتصال كتقنية وكمضمون؟ في البدء يمكن القول أن تنظيم قطاع الإعلام والاتصال في العالم الثالث والعالم العربي كان ومنذ بدايات الاستقلال يتمظهر في شكل هيكلة على نموذج واحد يختلف فقط في التلوينات، وهذا النموذج يقوم أساسا على قاعدة تسيير وإدارة الإعلام انطلاقا من وزارة خاصة اسمها وزارة الإعلام أو وزارة الثقافة والإعلام. وهو ما يجعل من الحكومة والسلطة التنفيذية هما الجهة الوحيدة المؤهلة لتنظيم قطاع الإعلام. لكن منذ فترة قصيرة وخاصة منذ نهاية التسعينات بدأت تبرز إلى الوجود مسميات جديدة ما زالت لم تفصح بعد وبشكل واضح عن لونها السياسي وخلفيتها الفكرية تتمثل حينا في إلغاء وزارة الإعلام كما هو الشأن في النموذج الأردني والتونسي أو تأسيس وزارة للاتصال كما هو الحال في المغرب[54]. كانت مؤسسات الإعلام في شكل وزارة تدير خاصة قطاع الإعلام المكتوب والنشر عبر ترسانة من القوانين يطلق عليها قانون المطبوعات أو مجلة الصحافة أو قانون الإعلام والصحافة، أما الاتصال فلم يكن من مشمولات ومهام وزارات الإعلام بل كانت له هيكلة مستقلة تختلف طبيعتها وتبعيتها من دولة إلى أخرى ولا تخضع للوائح إعلامية بل لقانون اسمه قانون الاتصالات[55].

منذ بداية التسعينات ظهر إذن تداخل في الاستعمالات الوظيفية والدلالية لمصطلحي الإعلام والاتصال إذ يلاحظ التأخر والإحجام في استعمال مصطلح الإعلام والتقدم وحتى التفاخر باستعمال مصطلح الاتصال، ويمكن هنا التوقف عند تسمية الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام ولماذا لم تسمى الهيئة العراقية للإعلام والاتصالات. أصبح كل شيء اتصال من الاتصال الثقافي إلى الاتصال السياسي إلى الاتصال التكنولوجي والافتراضي إلى التعلم عن بعد والجامعة الافتراضية والحكومة الإلكترونية ومن ثورة الاتصالات ومجتمع المعرفة وغيرها من المصطلحات التي تستهلك يوميا بل تفرض عبر وسائل الإعلام الرسمية في أغلب الدول العربية كمفاهيم جديدة وبوتيرة متوحشة في بعض الأحيان. في ذات السياق وعندما نتابع وسائل الإعلام الغربية لا نجد صدى تأليهيا لمصطلح الاتصال هذا المصطلح الذي تحول في الوطن العربي إلى منقذ للدولة والمجتمع ومفتاح التقدم والرقي واللحاق بالدول المتقدمة وذلك حتى لا تفوت الفرصة التاريخية. فكأن الدولة منشغلة بالاتصال كاهتمامها بالبطالة والتخلف والفقر والديمقراطية والتعليم. باختصار أصبح الاتصال أحد الرموز الثقافية للدولة القطرية في زمن العولمة.

يبدو أن الإعلام أمام عولمة الاتصالات الفضائية والرقمية والخلوية قد أستهلك ولم يعد يؤدى الوظائف الكلاسيكية لدولة ما بعد الاستقلال كما كان الحال في السبعينات والثمانينات والمتمثلة في الرقابة المطلقة والملكية شبه الكلية لوسائل الإعلام[56]. قد يكون أيضا لسقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة ولبروز الديمقراطيات الحديثة الفتية في مختلف دول العالم الثالث في آسيا أو إفريقيا أو أوروبا الشرقية دورا محرجا لعديد الأنظمة العربية، إذ ساهمت تلك التحولات العميقة في دفعها لمراجعة رؤيتها للإعلام كمقدمة للإصلاح السياسي. ربما تكون فرضية أن ضرورة المرور من الإعلام إلى الاتصال هي قضية لها صلة بتقنية بث الرسالة الإعلامية (ترددات، إنترنت، هاتف..) وذلك من أجل تطوير نظم الحياة الحديثة والتعامل مع كل مكونات المجتمع الجديد لا أكثر. نعم قد يكون كل هذا التغير ضرورة تقنية في المقام الأول ولا يعكس نهجا معرفيا في كون الاتصال حق وجزء من الحقوق المدنية والسياسية التي ينادى بها المجتمع المدني وليس فقط تكنولوجيا يمكن أن نختصرها في الرقمنة أو في البث الفضائي والترددات.

فهل أن استعمال مصطلح الاتصال في الهيكلية الحديثة في عديد الدول العربية تبعته ثقافة اتصالية وإعلامية تحررية جديدة ؟ أي هل إلغاء وزارة الإعلام هنا وهناك تبعه إلغاء للتشريعات الرقابية أم أنه يوجد تفويض وبسميات أخرى ولمؤسسات جديدة للاستمرار في تنفيذ ذات القوانين ؟ كيف وأين يمكن تأطير النموذج العراقي الجديد من كل هذه المتغيرات؟ نريد أن نقول ألم تشهد العديد من الدول العربية انتخابات وأحزابا سياسية لكن شيئا لم يتغير وبشكل يبدو جذري في أداء الإعلام العربي وأن الرقابة مازالت قائمة وأن كل ذلك التغير السياسي بات لدى العديد من الملاحظين عبارة عن ديكور وإجراء شكلي حتى تقول الدول المتقدمة أن تلك الدولة دخلت عصر المعارضات والانتخابات والإعلام المتعدد. قد يكون الأمر أكثر تعقيديا أي ربما يكون هذا التغيير تلبية لضغوط أجنبية فالدول الغربية وأمريكا تنادى بإصلاحات داخل المنطقة العربية من أجل محاربة الإرهاب لعل أهمها إصلاح الإعلام وتطوير مؤسساته وتحريره من سيطرة الدولة حتى يمكن لتلك الدول أن تحصل على قروض وهبات من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، وتصبح عضوا في منظمة التجارة الدولية.

إذن يبدو إشكال الإعلام والاتصال من خلال جملة هذه الأسئلة من أعقد المحاور التي تطرح على السياسات العربية والمجتمع المدني وعلى الباحث في الوقت ذاته، فكأن بالتراكمات التاريخية في عدم إفراد ملف الإعلام والاتصال الأهمية التي يستحقها حوله طيلة عقود إلى عفريت فكري وسياسي صعب المراس، وعسير الهضم والفهم الثقافي والمعرفي. كما أن التحرك والتحويرات المستمرة وفي فترات زمنية متقاربة لهيكلة الإعلام والاتصال في الدول العربية تعرقل جهود الباحث في مشروعه لدراسة بنية وفلسفة الإعلام العربي. فمن وزارة إعلام إلى وزارة إعلام وثقافة فوزارة إعلام وخارجية أو وزارة إعلام وحقوق الإنسان أو وزارة اتصال وثقافة كيف يمكن بحثيا الوصول إلى مقاربة منهجية في كيف يفهم العرب الإعلام والاتصال داخل مجتمعاتهم ؟[57]

إن التداخل بين الاتصال والإعلام يحدث انطلاقا من الدور الوظيفي فالوظيفة تحدد بنية الوسيلة. من خلال هذا التصور يمكن لوسيلة إعلام (التلفزيون الذي أصبح تفاعلي) أن تؤدى وظائف اتصالية كما يمكن لوسيلة اتصال أن تلعب دورا إعلاميا (الأخبار عبر الهاتف الجوال). يتميز النموذج الغربي بالحضور الفاعل للجمعيات والنقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني والجمهور كطرف مؤثر في التشريع وهيكلة ورقابة أداء وسائل الإعلام والاتصال. إن الخلاف الوهمي بين الاتصال والإعلام والذي يصل في بعض التصورات الرسمية العربية إلى حد التناقض ليس له أي تفسير علمي أو مهني خاصة عندما نصطدم بإشكالية الهيكلة. في النماذج العربية نجد قانون الاتصالات من جهة وقانون المطبوعات والصحافة من جهة أخرى وهي غالبا ما تكون قوانين وقائية. يبدو أن أصل المشكلة أعمق من مجرد التوصيف بل إن تجاهل الفكر العربي في بنيته الحديثة لظاهرة الاتصال بوصفه معرفة انعكست ميدانيا على مستوى الهيكلة في فصل قهري بين كل من ظاهرة الإعلام والاتصال.

من هذا المنطلق استوقفنا النموذج العراقي لأن الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام تكاد تكون عبارة عن استجابة إلى أن مقولة الفصل الفكري بين الإعلام وتقنيات الاتصالات أصبحت غير ممكنة، مما يدفع من أية محاولة لتنظيم قطاعي الاتصالات والإعلام أن تأخذ بعين الاعتبار التداخل والاندماج (Convergence)أي توفير مرجعية واحدة في إعادة هيكلتهما. وهذا ما أكد عليه قانون الهيئة بشكل صريح في باب الغرض : "إن التوجه العالمي نحو توحيد التقنية و أساليب الإرسال في صناعة الاتصالات يتطلب تشريعا واضحا و شاملا". قد يكون انطلاق العراق في إعادة هيكلة الاتصال والإعلام من العدم قد سهل فكرة إرساء هيئة للتنظيم المتداخل نظرا إلى أن إصلاح الإعلام والاتصال يحدث بشكل متزامن ومشترك ومتفاعل وليس كما هو الحال في عديد الدول العربية أين نجد أن الممارسة الاتصالية نظريا وعمليا قد قفزت عن المنظومة التشريعية ونفس الشيء فيما يتعلق بالإعلام. إذ نجد أن التطور الذي يعيشه المشهد الاتصالي العربي لم تواكبه ثورة تشريعية وهيكلية تحررية تؤدى إلى تغيير في الثقافة الاتصالية والإعلامية لدى المسئول السياسي والإعلامي والجمهور على حد السواء.

إن الإصلاح في العراق وبعد أن تم إلغاء أغلب هياكل الدولة باستثناء وزارة النفط ليس بمعزل عن البرنامج العام الذي سطرته قوى التحالف لعراق ما بعد الاحتلال. وبما أن قوى التحالف تريد نقل خبراتها وتصوراتها الليبرالية في تصورها للإعلام أين توجد لديها هيئات مستقلة في إدارة وتسيير الإعلام، وأين تغيب وزارات مختصة، فإن إنشاء الهيئة ليس ببعيد عن خلفية غربية ليبرالية فريدة من نوعها في المنطقة. فطبقا لفلسفة مؤسسي هذه الهيئة يمكن لمثل هذا التوجه أن يمنح العراق إذا انسجمت الأهداف مع الهيكلية أفضل الأطر والسبل في تنظيم الإعلام والاتصال وهو ما سيوفر للعراق القدرة على التفوق على جيرانه من خلال استقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية، ويجعله رائدا في هذا القطاع[58]. ويؤكد القانون المؤسس للهيئة : "إن هيئة واحدة ذات مناهج تنظيم عامة وموحدة، تتعامل بانسجام مع أطراف قانونية واجتماعية واقتصادية مماثلة، قادرة على توفير الاستقرار والاستمرارية والنجاعة والثقة للمستثمر والمستهلك على حد سواء". فاعتماد العراق لنموذج التنظيم المستقل للإعلام أي بعيدا عن وزارة للإعلام لا يخفى رغبة التأسيس لاقتصاد مرن وتنظيم إعلامي واتصالي يحقق الأهداف المنتظرة، متحررا من التأثير المفرط للنفوذ السياسي للدولة أو للحزب. ونظرا لظروف العراق الخاصة، يبدو طبقا لصناع القرار أنه من الضروري وجود تنظيم مشترك للإعلام والاتصال حتى يضطلعا بدور متقدم في عراق ما بعد الحرب. 

على هدي ما تقدم سيكون العراق إذن أول بلد عربي لا يدير مؤسساته الإعلامية بوزارة إعلام وبترسانة من قوانين المطبوعات أو الصحافة التي تطبق في أغلب الدول العربية. إن الهيئة الوطنية العراقية للاتصال والإعلام وهنا تكمن الجدة ستكون الراعي والمشرع لكل ما يتعلق بقطاعي الاتصال والإعلام معا الخاص منه والحكومي ويتضح ذلك بالرجوع إلى ما جاء في باب الأهداف في القانون الأساسي للهيئة :" تأسيس منظمة تشريعية مفتوحة وشفافة تعكس أفضل الخبرات العالمية والتي سوف تجذب الاستثمار في القطاع الخاص وتروج للثقة والمسؤولية العامة". فالهيئة الوطنية العراقية للاتصال والإعلام بصفتها المشرع ستحل محل التشريعات الإعلامية التي تعتني وتهتم في أغلب الدول العربية فقط بتنظيم وتشريع قطاع الإعلام أي الطباعة والصحافة وجرائم النشر في الصحافة المكتوبة، في حين أن لائحة هذه الهيئة لها أيضا صلاحيات تنظيم قطاع الاتصالات. يبدو أن كل السبق العراقي والجدة القانونية تكمن وراء هذا الدمج الذي يعكس تصورا على الأقل إلى الآن جديدا في العالم العربي في فهم العلاقة بين الإعلام والاتصال والذي يخفي رغبة باطنة في مراقبة القطاعين معا وذلك ربما انسجاما مع الظرف الانتقالي الذي يعيشه العراق. فقطاع الاتصالات كان ولا زال على المستوى القانوني والهيكلي وفي أغلب الدول العربية قطاعا لا صلة له بالتشريعات الإعلامية أو بمجلة الصحافة بحكم ملكية الدولة له[59].

إن الاتصالات ومنذ نشأتها في أغلب الدول العربية كانت مجالا مستقلا ومنفصلا كليا عن الإعلام تشريعا ومؤسسة فكأن بالاتصال هو فقط تقنية والإعلام ثقافة ومعرفة وسياسة، أو أن الاتصال ليس حقا له علاقة ببقية الحقوق المدنية والسياسية، وأن الإعلام وحده يشكل التمثل السياسي لمبدأ حرية التعبير. لذلك نجد في أغلب الدول العربية وزارات للإعلام والثقافة أو للثقافة والإعلام أما الاتصالات فهي في أغلب الأحيان تنتمي إلى مجلس الوزراء أو هيئة الإذاعة والتلفزيون، أو وزارة النقل والاتصال، أو أيضا لوزارة الداخلية أو في شكل هيئة مستقلة عن الإعلام تعتني بالترددات لا أكثر. أما في النموذج العراقي فإنه لأول مرة نجد وحدة هيكلية في المفهوم وفي البنية لكل من الإعلام والاتصال خارج وزارة رغم وجود وزارة للاتصالات في العراق، فعلى سبيل المثال توجد وزارة اتصال بالمغرب لكنها فقط عنوان أما وظائفها فهي وظائف وزارة الإعلام. أمام كل هذا التداخل والتجاذب ماذا وراء هذا التحول من استعمال مصطلح الاتصال كبديل عن الإعلام ؟  سنتعرض إلى التعريف كمدخل قد يمكننا من فهم هذا التحول فقد جاء في ديباجة القرار 65 وفي الفصل الثاني الخاص بالتعريفات الآتي :[60]

·   "الاتصالات" تشمل الاتصالات اللاسلكية، البث الإذاعي ( بما فيها الإذاعة المرئية الموصولة- الكابل)، و الخدمات الإعلامية الموّفرة بالطرق اللاسلكية والوسائل الإذاعية.

·    "الإعلام" يعني الجهات التي توفر الأخبار، المعلومات أو الترفيه للجمهور العام أو على أسس الاشتراك باستخدام الوسائل التي تشمل المطبوعات، الأفلام، التسجيلات المرئية أو خدمات الاتصالات.

·   "الخدمات الإعلامية" تعني توفير إمكانية توليد، الحصول على، تخزين، تحويل، توصيل، استرجاع، استخدام أو توفير المعلومات والتي تشمل الصوت، منظومة البيانات والمحتوى الصوتي أو المرئي بالطرق اللاسلكية بما فيها شروط الدخول إلى شبكة المعلومات-الإنترنت بشرط أن لا يشمل تعريف الخدمات الإعلامية، البث الإذاعي أو الاتصالات.

          فالاتصال عراقيا هو الإعلام وهو أيضا الخدمات الإعلامية، فهو كل متكامل طبقا للقانون العراقي المنظم للهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام، وهي التي تسهر على تنظيم كل هذه النشاطات والقطاعات مثل الإنترنت، الهاتف الخلوي، الأقمار الاصطناعية، التلفزيون بكل أنواعه والإذاعة والإعلام المكتوب. في عديد الدول العربية نرى فصلا بين الإنترنت والإعلام المكتوب والاتصال الخاص بالبث التلفزيوني إذ توجد هيئات خاصة بالسهر على تنظيم موفري خدمة الإنترنت مثل الوكالة التونسية للإنترنت أو بدالة الإنترنت في البحرين أو في غيرها من الدول العربية في حين تخضع الصحيفة الإلكترونية على الإنترنت إلى ذات قوانين المطبوعات التي تنظم الصحيفة الورقية التقليدية. نلاحظ أنه من خلال تعريف الاتصال يعترضنا الإعلام وهو "الاتصالات" والتي تشمل الاتصالات اللاسلكية، البث الإذاعي ( بما فيها الإذاعة المرئية الموصولة- الكابل)، والخدمات الإعلامية" ومن خلال تعريف الإعلام يعترضنا الاتصال وهو "الخدمات الإعلامية" تعني توفير إمكانية توليد، الحصول على، تخزين، تحويل، توصيل، استرجاع، استخدام أو توفير المعلومات". هكذا يصعب إذن عراقيا أن نفصل على المستوى الهيكلي الإعلام عن الاتصال لأن المفهوم لا يحتمل الفصل النظري؟ فهل يمكن أن يكون دمج الاتصال والإعلام مدخلا لفصل الإعلام وتحريره من هيمنة الدولة عراقيا وعربيا ؟ هل يمكن القول أيضا أن الاتصال ومن خلاله تكنولوجيات الاتصال الحديثة سيسهم في تحرير الإعلام من هيمنة الدول وأنساقها ؟

8- تحرير الإعلام من هيمنة الدولة

     كنا من خلال عرضنا لنشأة وأهداف الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام استنتجنا أن هذه الهيئة تسعى إلى تحرير الإعلام العراقي من التوجيه والاحتكار (الحكومي والخاص) وإلغاء الرقابة وتوفير المزيد من الحريات وذلك عبر استقلالية هذه الهيئة التي ينص قانونها الأساسي على الأقل على الورق وبشكل صريح على : "إن الاستقلال هو الطريق إلى الفعالية في تشريع و ترويج سوق تنافسية لفائدة المستهلك والشركاء، وبأن الاستقلال في هذا السياق يعني التحرر من التحكم أو التأثير غير المشروع من قبل أي كيان مُشرّّّّّع أو شركاء السوق".  غير أن هذا النص الصريح وهذا التغيير في الهيكلة هل سيغير أيضا من الثقافة السائدة عربيا وخاصة طيلة حكم صدام حسين وحزب البعث في كيف نتعامل مع وسائل الإعلام؟ إذن ما قيمة الحديث عن تغير الهيكلة في إدارة وتسيير قطاعي الإعلام والاتصال إذا لم تكن أية هيكلة جديدة محدثة لإضافة نوعية تتمثل أساسا في تحرير الإعلام من التدخل الشمولي للدولة والتأسيس لسياسة إعلامية تحررية جديدة[61]. لذلك يعتبر محور وقضية تحرير الإعلام من تدخل الدولة في العالم العربي أحد محددات الإصلاح السياسي والفكري في المجتمع العربي، أكان ذلك بطلب من المجتمع المدني أو بتنازلات من قبل السلطة أو تحت ضغط القوى الأجنبية. يتجلى تدخل الدولة في الإعلام في العالم العربي في صور كثيرة منها فرض قيود على حرية الوصول إلى المعلومات وحرية تداولها، وحرية إصدار المطبوعات وفرض عوائق على حرية التملك والبث الإذاعي والتليفزيوني، وفرض أشكال مختلفة من الرقابة على المطبوعات المحلية والخارجية، وفرض قيود على حرية الطباعة والتوزيع والإعلان[62]. هذا بالإضافة إلى رقابة حرية تنظم عمل الصحفيين والإعلاميين المهني والنقابي من خلال قوانين تدعم بأشكال ظاهرة وخفية مفهوم سيطرة الدولة[63].

إذا كان الإعلام العراقي قد خرج من سلطة وملكية الدولة فهل يكفيه هذا ليكون فعلا إعلاما حرا و مستقلا ؟ يبدو أن الإعلام العراقي خرج من سلطة الدولة ليجد نفسه تحت هيمنة سلطة خارجية هي قوى التحالف وهي قوة أجنبية دخيلة بشهادة الأمم المتحدة وكل المنظمات الدولية. كما أن غياب الاستقلالية المادية للهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام التي تحصل على ميزانيتها من الدول المانحة تحت رعاية أمريكية لن توفر لها الهامش الضروري من التحرر. ذلك أن نجاح مستقبل العراق السياسي لا يمكن له أن يتحقق في غياب دور ريادي للإعلام، فأي انتكاسة للإعلام هي انتكاسة للمشروع السياسي، ذلك أن السياسة التي يريدها العراق هي الديمقراطية واليوم لا وجود لديمقراطية حقيقية في غياب حرية حقيقية لوسائل الإعلام. هل يكفي العراق إلغاء وزارة الإعلام، هل يكفيه إدماج الإعلام والاتصال حتى يؤسس لإعلام حر من هيمنة السلطة المؤقتة أو سلطة التحالف أو السلطة المنتخبة؟ إن هذا الدمج الفريد من نوعه قد يخفي توجها شموليا لفهم الإعلام من خلال المقدرة على مراقبة كل من الإعلام والاتصال عبر جهاز واحد. وهذا سيتيح للهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام بحكم الخصوصية العراقية-أي المرحلة الانتقالية-من وضع يدها على الإعلام والاتصال كعناصر تقليدية للسيطرة والتوجيه وذلك من أجل ضمان الوحدة الوطنية وتوفير كل ظروف تأسيس الدولة العراقية. إن فصل الإعلام عن الدولة ليس بالعملية الهيكلية فقط بل يجب أن تصاحب كل هذا التنظيم الجديد للإعلام العراقي ثقافة إعلامية سياسية لأصحاب القرار وثقافة سياسية لأصحاب المهنة.

9- خاتمة- إشكالية

على هدي ما تقدم هل يمكن التنبؤ بإعلام عراقي مختلف نوعيا ؟ يمكن الاستدلال متفائلين هنا بمجموعة من المعطيات التي قد يكون لها بالغ الأثر في إمكانية أن تصبح مخرجات الإعلام العراقي مختلفة نوعيا عن ما هو سائد عربيا كتوفر هيكلية متقدمة نظريا وسياسيا وعمليا مجسدة في "الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام" وإلغاء وزارة الإعلام. ويمكن أيضا ذكر الرجوع التدريجي لجيل كامل من الإعلاميين والمثقفين العراقيين ذوي الكفاءات العالية والمتمرسين بثقافة الإعلام الغربي صناعة ومضمونا وحرفة والتعدد الطائفي والعرقي للإعلام العراقي وهو علامة صحية إذ نجد إعلاما شيعيا وآخر كردي وتركماني وآشوري  وسني وحزبي وحكومي وهو علامة ديمقراطية إن لم تستغل كعامل تفرقة[64]. هذا بالإضافة إلى حرية الإعلام المكتوب من خلال إلغاء التشريعات الرقابية على المطبوعات وهو ما سيكون رافدا وأرضية خصبة لنمو الإعلام السمعي البصري.

أمام كل هذه الحوافز الإيجابية والتي تدفع إلى الكثير من التفاؤل تطفو على السطح جملة من الإشكاليات الفكرية والمهنية التي تدفع إلى التشاؤم بمستقبل الإعلام العراقي والتي بإمكانها أن تعطل بشكل مباشر أو غير مباشر مسيرة الإعلام العراقي المنتظرة. ويمكن تلخيص أهمها في الحضور الأجنبي وحالة الاستعمار المباشر التي يعيشها العراق والتي من المتوقع أن تستمر. هذا الحضور هو الذي يراقب ويشرف مثلا على شبكة الإعلام العراقي الرسمية ويدعمها ماليا. وصدور مجموعة من القرارات منها ورقم 14 تحت عنوان "الإعلام المحضور" من قبل قوات التحالف والذي يعتبر علامة عن رقابة فعلية ومسبقة وإعاقة لإمكانية تشكلد إعلام عراقي تحرري مختلف نوعيا عن الإعلام العربي السائد والذي بموجبه أغلقت صحفا وإذاعات محلية وأجنبية. [65] إن التوجه الطائفي والعرقي والديني لأغلب وسائل الإعلام العراقية يمكن أن يتحول إلى عامل سلبي إذ نجد أن لكل طائفة وهوية عرقية صحيفة وإذاعة وتلفزيون وموقع إنترنت وغيرها من وسائل الإعلام وهو ما قد يحول الإعلام العراقي إلى منابر دعائية وكونتونات فئوية أكثر من كونها وسائل إعلام مستقلة.

بالإضافة إلى كل ما ذكر يبقى الحضور المكثف للاستثمارات الأجنبية في الإعلام والاتصال العراقي الجديد بكل أنواعه (تلفزيون،إنترنت، هاتف خلوي صحف وإذاعة) من بين أهم التحديات إذ نجد جهات استثمارية عربية وأخرى أمريكية وإنجليزية وإيرانية وغيرها. هذا الحضور يتجلى في وجود شركات خاصة وحكومية أجنبية وشبه أجنبية خارجية دخلت الإعلام العراقي بخلفية المستثمر الاقتصادي لكنها تخفي توجها سياسيا في كيف سيكون عليه المجتمع العراقي غدا عبر الهيمنة على وسائل الإعلام وعدم ترك الفرصة لتأسيس إعلام عراقي ذو هوية وطنية. النتيجة هي تقدم الخلفية الاقتصادية والاستثمارية لعدد كبير من المؤسسات الإعلامية في العراق، فالغاية الأولى هي الربح في حين نعلم أن الإعلام هو في نفس الوقت صناعة وثقافة فكيف يمكن لوسائل الإعلام التوفيق في ظل الظرف الخاص الذي يعيشه العراق بين متطلبات المنافسة الاقتصادية والوظيفة الإعلامية والثقافية ؟ سيؤدى كل هذا التداخل في الفاعلين وفي الوظائف إلى تدويل الإعلام العراقي وتوجيه انطلاقا مما جاء من توصيات في مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير، لأن نجاح البرنامج الأمريكي في العراق هو شهادة صحة السياسة الخارجية الأمريكية وإمكانية تصدير النموذج إلى الدول المجاورة وفشلها في العراق هو فشل للإستراتيجية الأمريكية كاملة، وهي الإستراتيجية التي سبق التخطيط لها منذ زمن بعيد وبتكلفة باهظة.

ختاما قد يكون الظرف الخاص الذي يعيشه العراق هو الذي سيحدد لون الإعلام العراقي في المستقبل، فالبلد يعيش حالة من الفوضى وعدم الاستقرار والتنظم وهذا سيجعل من الإعلام العراقي إبن بيئته، أي إعلاما يتفاعل مع اللحظة ومع المتغيرات السياسية المتسارعة في العراق تحت مثير داخلي أو خارجي دون الإلتفات إلى المشاكل المركزية والأهداف الإستراتيجية للعراق. هكذا سيبقى الإعلام العراقي يعيش حالة من التشائل فهو بين فكي كماشة الاستقلال وتحقيق السيادة والحضور الأجنبي المنبوذ، بين التحديات الخارجية والمتطلبات المحلية، بين ثقافة وموروث حزب البعث وأمل الحرية الضبابي، بين السوق الإعلامية الواعدة والوظيفة الإعلامية النبيلة، بين الدخلاء من الصحفيين ونقابة أو جمعية للمهنيين تنظمهم وتؤسس لميثاق شرف كعنصر أساسي في بناء إعلام حر ومتطور ومستقل.

 

الهوامش والمراجع 

 



 [1] يمكن الرجوع إلى العدد 114 من مجلة شؤون عربية وهي من إصدار جامعة الدول العربية بالقاهرة، صيف  2003 والمخصص ل"ما بعد الغزو الأمريكي للعراق" أو العدد 9 لسنة 2003 من مجلة المستقبل العربي والذي أفرد ملفا خاصا عن "العراق والمنطقة بعد الحرب وقضايا إعادة الإعمار"، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، أو أيضا مجلة شؤون الأوسط العدد 111 لسنة 2003 حيث أفردت المجلة عددا خاصا عن "العراق تحت الإحتلال الأمريكي"، إصدار مركز الدراسات الإستراتيجية ببيروت.

[2] تم إلغاء وزارتي الإعلام والأوقاف، وإحداث وزارة لحقوق الإنسان، في التشكيلة الوزارية التي أعلنت في العراق بتاريخ الأول من سبتمبر 2003.

 [3] طبقا لنص القرار رقم 65 تسمي هذه المؤسسة ب"الوكالة العراقية للاتصالات والإعلام" في حين نجد في أدبيات أخرى إسم "الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام" لذلك سنحترم في هذه الدراسة التسمية الرسمية القانونية مشيرين إلى وجود تلك التسمية الموازية والمستعملة في العديد من المصادر حتى لا يحدث لدى الباحث والقارئ أي لبس مفاهيمي إذ لا فرق بين التسميتين.

[4] المصدر : الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام، موقع إلكتروني.

[5] ملاحظة : العديد من المعطيات والبيانات الإحصائية وأسماء الشخصيات في تغير مستمر. ففي أي محاولة لدراسة موضوع آني متحرك  مثل الإعلام العراقي  وجب وضع كل المعطيات في إطار سياقها الزمني التاريخي.

 [6]خدمة "واشنطن بوست"، خاص بـجريدة "الشرق الأوسط"2003-08-20.

[7] وفقًا للبيان الصادر عن اتحاد العاملين العراقيين يوم 11/6/2003.

  [8] راجع إحصائيات مجلة المستقبل العربي عن الحرب في العراق عدد فبراير 2005 مركز دراسات الوحدة العربية.

[9] راجع بيانات إتحاد الصحفيين العرب، القاهرة.

[10] راجع ملف بمجلة "لدراسات الإعلامية" عن أوضاع الصحافة العراقية، مصر العدد113 أكتوبر/ ديسمبر 2003 ويحتوى هذا الملف على : "صحافة عراق ما بعد الحرب : رؤية تقويمية"، من إعداد مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية، "ملاحظات حول الإعلام في العراق" بقلم حسين شعبان، ثم أخيرا "الإعلام العراقي الجديد واعد رغم حزبيته" من تأليف : سامي شورش.

[11] قيس جواد العزاوي : من "جورنال العراق" العام 1816 إ لى 200 صحيفة بعد الاحتلال، صحيفة "الجريدة"، بغداد 2005.

[12] أخذت مقر صحيفة الثورة لحزب البعث والتي كان يرأسها عدي صدام حسين.

[13] كانت تصدر من الكويت قبل دخول القوات الأمريكية إلى العراق في مارس 2003.

 [14] توزع مجانًا على العراقيين من قبل قوات التحالف.

[15] حسين شعبان : ملاحظات حول الإعلام في العراق، مجلة الدراسات الإعلامية، مصر العدد 113 أكتوبر/ ديسمبر 2003.

[16] صدرت صحيفة التآخي  للمرة الأولى بعد إتفاقية مارس 1970 بين الحكومة العراقية والزعيم الكردي مصطفي البرزاني، اغلقت السلطات العراقية الصحيفة سنة 1974 بعد سقوط إتفاقية سنة 1970.

[17] جريدة العرب اليوم الأردنية : مرجع سابق.

[18] أدى إغلاق مجلة الحوزة إنفجار المواجهات الدامية التي شهدتها العراق بين مليشيات الصدر والقوات الأمريكية والبريطانية.

[19] راجع : البيبلوغرافيا التي اعدها الباحث العراقي سعد الدين خضر ونشرتهاصحيفة "الجريدة" على حلقات.

[20] نفس المرجع.

[21] أغلقتها الإدارة الأميركية بعد أن نشرت مقالاً في 13 يوليو 2003 دعت فيه إلى قتل كل من يتعاون مع الأميركيين ولكنها عادت وسمح لها بالصدور مرة أخرى بعد أن أفرجت عن رئيس مجلس إدارتها عبد الستار الشعلان ورئيس تحريرها ضاري الدليمي.

 [22] يقوم بإعدادها مجموعة من الشباب البريطاني والأميركي كانوا يعملون في صحف بريطانية مثل صحيفة إيفننج ستاندرد و ديلي تلجراف التي يرأس تحريرها ديفيد إندرز وهو أميركي الجنسية ويبلغ من العمر 22 عامًا وكان أول إصدار لهذه الصحيفة في السادس من يونيو 2003.

[23] يومية قام بنشرها أحد خريجي كلية الهندسة ويقوم بكتابة مقالتها وأخبارها بخط يده على أوراق بيضاء.

 [24] خلفًا لأحمد الركابي الذي استقال في الخامس من أغسطس 2003 بعد أن إتهم سلطة الاحتلال بالفشل في استثمار المحطات العراقية أو الاحتفاظ بالعاملين المحليين، الأمر الذي أدى إلى هزيمتها في الحرب الدعائية لصالح دول مثل إيران والرئيس العراقي السابق صدام حسين والذي أسس بعدها راديو دجلة من خلال مؤسسة دجلة للأعلام العالمي المتحدة بدعم من منظمة سويدية غير حكومية هي  ( Stiftelsen fpr Utvecklingen och Globalisering )  والتي تهدف  تحقيق الديمقراطية في العالم الثالث بمبلغ قيمته 500.000 دولار جزءا منه كبداية رئيسية للمحطة والقسم الباقي لتغطية نفقات الرواتب والتكاليف الأخرى خلال السنة الأولى.

[25] ينشر الحزبان صحيفتين يوميتين، "خابات" للحزبالديموقراطي الكردستاني و"كردستاني نيوز" للاتحاد الوطني لكردستان، ويديران دور نشركبيرة وقنوات تليفزيونية أرضية وفضائية تصل إلى الأكراد في العراق وخارجه.

[26]"العرب اليوم" صحيفة أردنية : "كثرة الصحف ليست دليلا على حرية التعبير في العراق"، تحقيق بتاريخ 30/03/2004.

[27] راجع قائمة الإذاعات والمحطات التلفزيونية في الملحق الخاص بالمحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية التي قدمت طلبا للحصول على ترخيص للبث في العراق والتي بدأت أو تستعد للبث منها المحطات العراقية أو الأجنبية أو الأجنبية التي فتحت لها فروعا في العراق.( المصدر : الهيئة الوطنية العراقية للإتصالات والإعلام).

[28] صحافة عراق ما بعد الحرب : رؤية تقويمية : مجلة الدراسات الإعلامية، مصر العدد 113 أكتوبر/ديسمبر 2003 من إعداد مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية.

[29] أرسي عقد تطوير شبكة الإعلام العراقي في شهر يناير 2004 على شركة "هاريس كوربوريشن" الأمريكية لصناعة معدات الاتصال من وزارة الدفاع الأميركية لتطوير قطاع الإعلام العراقي بمساعدة المؤسسة اللبنانية للارسال "إل بي سي انترناشيونال" وشركة "الفوارس" الكويتية-العراقية  بقيمة 96 مليون دولار ويبدو أن نية المسؤولين الأميركيين من وراء مشروع بعث «شبكة الإعلام العراقية» هو النسج على نموذج الـ«بي بي سي» أو على شاكلة الوكالات الإعلامية العامة التي تحصل على التمويل من الحكومة مع المحافظة على الإستقلالية.

[30] استلمت الهيئة معدات بقيمة تفوق المليون دولار وتشمل معدات مراقبة إذاعية متنقلة ومعدات تقنية تعد الأحدث في الوقت الحاضر لتحديد النوعية وإدارة ذبذبات التردد الإذاعي. وهناك تجهيزات مماثلة وتشمل أجهزة كومبيوتر لاحتساب وإدارة معدات متابعة وبث وتسجيل وأرشفة وتحليل المعلومات الإعلامية الخاصة بكافة محطات البث في العراق بما فيها القادمة من الأقطار المجاورة، هذه المعدات ستكون متقدمة على كل مثيلاتها المتوفرة في المنطقة وهناك مختبر كامل التجهيز بالمعدات التقنية المتقدمة الخاصة بالاتصالات والإعلام لكي يساعد في ضمان أن تحصل الهيئة على أفضل مبتكرات ومنجزات صناعات التقنية والبني التحتية الإعلامية والاتصالية.

[31] بدأت الاستثمارات الإعلامية تهل على العراق حتى قبل الإستثمارات الخاصة بالبنية التحتية الضرورية وذلك عبر الترخيص في إنشاء قناة خاصة لشركة مصرية هذا بالإضافة إلى شركات خدمة الهاتف الجوال أرسكوم وغيرها من التراخيص .

 [32] الإتحاد الدولي للإتصالات هو هيئة دولية غير حكومية بها 119 هيئة إتصالات كعضو وهي تسهر على مراقبة وإنشاء إتفاقيات دولية لتنظيم قطاع الإتصالات.

[33]  المرجع : لائحة مبادئ الوكالة العراقية للاتصالات والإعلام.

[34] نفس المصدر.

 [35]راجع بيانات إتحاد الصحفيين العرب.

[36] راجع ملاحظات حول الإعلام في العراق بقلم الدكتور : حسين شعبان، ملف بمجلة الدراسات الإعلامية عن أوضاع الصحافة العراقية، مصر العدد113 أكتوبر/ ديسمبر 2003.

[37] راجع قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت الصادر في 14 مارس 2004.

  [38]"إن الشعب العراقي، إذ يقوم الآن بالعمل على استرداد سيادته التي اغتصبها النظام الاستبدادي طويلا"، هذا العمل الهادف إلى الحفاظ على وحدة وطنه بروح الأخوة، رافضا" العنف والإكراه بصفتهما من أساليب الحكم, وإذ صمّم على أن يظل بعد الآن شعبا" حرا" يسوسُهُ حكم القانون، فقد وُضع هذا القانون لإدارة شؤونه خلال المرحلة الانتقالية المؤدية إلى ديمقراطية كاملة حين تظهر إلى حيّـز الوجود حكومة مُنتخبة تعمل في ظل دستور دائم وشرعي, فينتهي بذلك مفعول هذا القانون". من ديـباجـة قانون الدولة العراقية المؤقت .

[39]  راجع القرار رقم 1483 و1511 (2003).

 [40] قرار الأمم المتحدة رقم 1483 لسنة 2003 .

 [41] راجع الأمر رقم 97 الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة والخاص بقانون الأحزاب والهيئات السياسية بتاريخ 7 حزيران يونيو 2004.

[42] وقع إقرار الدستور العراقي الجديد سنة 2005 والإنتخابات النشريعية بداية سنة 2006 وتم الحفاظ على روح نفس المبادئ المتعلقة بحرية التعبير والصحافة.

 [43] لمزيد الإطلاع يمكن مراجعة وثيقة الشرق الأوسط الكبير التي أنجزتها مجموعة الدول الغنية الثمانية سنة 2004.

[44] تردد ذكر العراق في وثيقة إصلاح الشرق الأوسط الكبير لمجموعة الدول الثمانية أربعة مرات وهي أكثر دولة عربية وقع الإستشهاد بها.

[45] لمزيد الإطلاع يمكن مراجعة تقرير التنمية العربية 2003 والذي سبقه تقرير 2002 وهو من إعداد صندوق الأمم المتحدة الإنمائي بإشراف مجموعة من الباحثين والمراقبين العرب وقد لاقى هذا التقرير ترحيبا من بعض النخب وإستياء من قطاع آخر.

[46]  طوّرت إدارة الرئيس جورج بوش برنامجاً ضمن مبادرة مشروع الشرق الأوسط الكبير لزيادة تمثيل النساء في الصحافة. وخصّصت المبادرة مبلغ 1.7 مليوندولار خلال العامين الماضيين من أجل تمويل برنامج يسمى: "مقابلات"، وإنشاء منظمة دولية غير حكومية، لتوفير تدريب إعلامي للنساء العربيات. وفي كانون الأول/ديسمبر2003، ساعد برنامج "مقابلات" 13 سيدة وفتاة مصرية على إكمال تدريبهن الجامعي في حقلالصحافة بجامعة وستيرن كنتاكي حيث تلقين الخبرة العملية في صحف أميركية. المصدر : موقع وزارة الخارجية الأمريكية .

[47] فقد أعتمدت فعاليات هذا المؤتمر الذي حضره عدد من الخبراء من العراق ومن عدد من دول العالم ، إطارا وثائقيا لإصلاح الإعلام العراقي وعرف لاحقا بـإسم " إطار أثينا"، ولقد تم الإعتراف بنتائج هذا الإطار من قبل أهم المنظمات العالمية للإعلام بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي ولقد شكلت تلك الوثيقة والتي أطلق عليها لائحة الوكالة العراقية للإتصالات والإعلام.

[48] بعد اكتمال تشكيل مجلس الأمناء عقدت الهيئة الوطنية للإتصالات والإعلام في مطلع شهر حزيران 2003 دورة تأهيلية في ولتن بارك في المملكة المتحدة نظمت وشارك في فعالياتها نخبة من خبراء الاتصالات وصناعة الإعلام في المملكة المتحدة ومن هيئة الاتصالات الفدرالية للولايات المتحدة (F CC) كما دعي أعضاء الهيئة لزيارة مؤسسة الأعلام والاتصالات البريطانية (OFCOM) وهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في لندن.

[49] خصصت الخارجية الأمريكية أثناء إنتخابات 2004 في شهر نوفمبر عديد الزيارات لأساتذة إعلام وذلك للمشاركة في الحضور للإنتخابات الأمريكية عساهم يتأثروا فينقلوا تلك التجربة الديمقراطية إلى بلدانهم.

[50] نظمت الخارجية الأمريكية التنسيق بين بعض الجامعات العربية والأمريكية سنة 2002 دورة لأساتذة الإعلام وعلم الإجتماع في تحليل ودراسة الرأي العام .

 [51] عقدت العديد من المؤتمرات والندوات والدورات التدريبية الخاصة بالإعلام والإعلاميين العراقيين في أغلب العواصم الأروبية طيلة سنة 2003 و 2004 وذلك في إطار منظمات أمريكية شبه حكومية دورها تطبيق بنود إصلاح الشرق الأوسط الكبير.

[52] جمال الزرن : الإصلاح ومجتمع المعرفة : في الرفض والقبول وإشكاليات التلقي : المجلة العربية للتوثيق والإعلام، مؤسسة التميمي للبحث العلمي، العدد، 17/18 تونس نوفمبر 2005.

 [53]محمد حمدان و الحبيب سليم : الهيئات الإذاعية والتلفزيونية ومفاوضات المنظمة العالمية للتجارة بشان الخدمات السمعية البصرية، إتحاد إذاعات الدول العربية، تونس 2002. ص 7.

[54] أو بلا وزارة لكن عبر إدارتين طبقا للنموذج التونسي واحدة هي الإدارة العامة للإعلام تابعة لمجلس الوزراء- الوزارة الأولى وأخرى يطلق عليها الوكالة التونسية للإتصال الخارجي.

[55] راجع قانون الإتصالات المغربي، البحريني أو الأردني .

[56] معز النقري : المعلوماتية والمجتمع : مجتمع ما بعد الصناعة ومجتمع المعلومات : المركز الثقافي العربي، 2001. 

 [57] في بعض الأحيان يقع تغيير في مهام ووظائف وزارات الإعلام في الوطن العربي عند كل تحوير وزاري.

[58] في ما يتعلق بالإستثمارات الإعلامية تسعى كل من مصر و الأردن ولبنان ودبي إلى توفير أفضل السبل والحوافز والإمتيازات المادية والقانونية للمستثمرين العرب والأجانب.

[59] راجع النموذج البحريني والمرسوم بقانون رقم 47 لسنة 2002 الخاص بالمطبوعات والمرسوم بقانون رقم 48 لسنة 2002 الخاص بالإتصالات .

[60] نفس المصدر : القرار رقم 65 بتاريخ 20 مارس 2004.

[61] كان موضوع مؤتمر"تحرير الإعلام العربي من تدخل الدولة" موضوع المؤتمر السنويالثالث للمنظمة العربية لحرية الصحافة بالرباط بالمغرب  من 3 إلى 6 مايو2004  الذي نظمته المنظمة العربية لحرية الصحافة بالتعاون مع النقابة الوطنية للصحافة المغربية.

[62] راجع تقارير المنظمة العربية لحرية الصحافة، إتحاد الصحفيين العرب, مراسلون بلا حدود، ومنظمات حقوق الإنسان والعفو الدولية التي تملك مواقع على شبكة الإنترنت ويمكن إعتماد تقاريرها كمرجع إخباري .

[63] حسن عماد مكاوي : أخلاقيات العمل الإعلامي : دراسة مقارنة، الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة 2002.

[64] سامي شورش : الإعلام العراقي الجديد واعد رغم حزبيته ملف عن أوضاع الصحافة العراقية: مجلة الدراسات الإعلامية، مصر العدد113 أكتوبر/ ديسمبر 2003.

[65] المواد الإعلامية المحظورة في القرار رقم 14 هي : التحريض على العنف، التحريض على الاخلال بالنظام، اساءة استخدام الإعلام لتقويض الأمن. ونلاحظ في باب العقوبات (الجزء الخامس) من هذا القرار "يجوز إلقاء القبض على مسئولي أية منظمة إعلامية يتبين انها تبث أو تنشر أو تحاول ان تبث أو تنشر مواد محظورة، ويجوز الحكم عليهم بالسجن عاماً واحداً وبدفع غرامة، ويجوز سحب ترخيص أية منظمة."

قائمة المصادر والمراجع

بالعربية

1.  أرمان وميشال متلار : تاريخ نظريات الاتصال، ترجمة نصر الدين لعياضي، صادق رابح، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005.

2.    صالح أبو أصبع : تحديات الإعلام العربي ، دار الشروق عمان الأردن ، 1999.

3.    عبد الإله بلقزيز : العولمة والممانعة دراسة في المسألة الثقافية، دار الحوار سوريا 2002.

4.    حسن عماد مكاوي: أخلاقيات العمل الإعلامي، دراسة مقارنة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2002.

5.  فرانك كيلش : ثورة الإنفوميديا : الوسائط المعلوماتية وكيف تغير عالمنا وحياتك : ترجمة حسام الدين زكريا ، سلسلة عالم المعرفة 253 ، الكويت 2000. 453 صفحة.

6.    جان بيار قارنيي : عولمة الثقافة : ترجمة عبد الجليل الأزدي : الدار المصرية اللبنانية، مصر 2003 ، 168 صفحة.

7.  الفضاء العربي : الفضائيات والإنترنت والإعلان والنشر، مجموعة مؤلفين، الناشر: قدمس للنشر والتوزيع – لبنان 2003.

8.  العدد 114 من مجلة شؤون عربية، وهي من إصدار جامعة الدول العربية بالقاهرة  صيف 2003 ، عدد خاص عن عراق ما بعد الغزو الأمريكي .

9.  مجلة المستقبل العربي العدد 9 لسنة  2003، ملف خاص عن العراق والمنطقة بعد الحرب وقضايا إعادة الإعمار، منشورات  مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت.

10.    مجلة شؤون الأوسط العدد 111 لسنة 2003 عدد خاص عن : العراق تحت الاحتلال الأمريكي، إصدار مركز الدراسات الإستراتيجية ببيروت.

11.    ماجد كيالي :  مشاريع الإصلاح في المنطقة : تنافسات خارجية وتجاذبات إقليمية  مجلة شؤون عربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، العدد 119 - خريف 2004.

12.    عبد الحسين شعبان : الإرهاب والإصلاح في الواقع العراقي المعاصر، مجلة شؤون عربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، العدد 119 - خريف 2004.

13.    جمال الزرن : الإصلاح ومجتمع المعرفة : في الرفض والقبول وإشكاليات التلقي : المجلة العربية للتوثيق والإعلام، مؤسسة التميمي للبحث العلمي، العدد، 17/18 تونس، نوفمبر 2005.

بالفرنسية

1.     BALLE Francis : Médias et sociétés : de Gutemberg a Internet, Montchestient, Paris, 1997.

2.     MATTELART Armant : La mondialisation de la communication, Puf, « Que sais-je ? », Paris, 1996.

3.     WOLTON Dominique : Penser la communication, Flammarion, Paris, 1997.

4.     Ramonet Ignocio : Tyranie de la communication, Paris, édition Galilée, 1999.

5.     La communication : Etat de saviors, collectif, Editions Sciences Humaines, Paris 1998, 462 p.

6.     Les médias irakiens trois mois après la guerre : Une liberté nouvelle mais fragile ; rapport de Reporters sans frontières : Irak 22.07.2003, voir site web.

 

 

 

 

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home