مقعد وراء التلفزيون : الإعلام والإتصال والمجتمع
مدونة إفتراضية تهتم بقضايا الإعلام العربي والدولي والصورة في زمن العولمة: "المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية" : ريجيس دوبريه-
"أنسنة" أو الثقافي في تكنولوجيات الاتصال والفضاء العام

د. جمال الزرن-جامعة منوبة-معهد الصحافة وعلوم الإخبار-تونس

 

إيديولوجيا الاتصال

تكون تقنيات الاتصال إنسانية من خلال معادلة تبدو سهلة ألا وهي : كلما كان فهم التقنية يعتمد على مرجعية ثقافية كلما كانت تكنولوجيات الاتصال الحديثة أكثر إنسانية في أدائها. السؤال هو كيف يمكن مسائلة الآلة الاتصالية وإبراز الثقافي فيها باعتبارها تقنية ؟

في البداية وجب التأكيد أن الإمكانيات المتاحة للتواصل الإنساني على الشبكة العالمية للإنترنت أو عبر الأقمار الاصطناعية قد وفرت فعلا فرصة الحوار والجدل بشكل يبدو حر لكل الناس وأتاحت أيضا وهنا تكمن الإضافة فرصة بناء إشكاليات إنسانية كبرى (الصحة، التعليم، السلم..) وفرصة وجود حلول جديدة لها. غير أن التمكن من التقنية الذكية كثيرا ما يقع خلطه مع قدرة الإنسان الذكية والعقلانية لرؤية العالم والمجتمعات من زاوية ليست فقط تقنية بل خاصة بإفراد مكانة للفضاء العام والشأن العام الأهمية التي يستحقها. لا يكفى أن تكون التقنية ممكنة تقنيا من قبل المهندسين والتكنوقراط لكي تكون بالضرورة مقبولة اجتماعيا وسياسيا فتتأصل في أنسجة المجتمع ويمكن هنا ذكر أمثلة بسيطة مثل الطاقة النووية، والجينات المعدلة وراثيا. إن السعي المنظم لدعاة الإيديولوجيا التقنية لتنظيم المجتمع انطلاقا من خلفية "رقمية"[1] لا يمكن أن يكون بمعزل عن كيف يتصور هؤلاء الدعاة مستقبل العالم بحكم أن صلة النمو الاجتماعي والإنساني لا يمكن أن تكون بمعزل عن التقنية التي يعتمدون عليها في إعادة تشكيل المجتمعات البشرية. لقد كانت إشكالية التنوع الثقافي وتعدده على شبكة الإنترنت وكيفية إدارة هذه الأداة الاتصالية وتنظيمها ثم من يحق له أن يحتكر براءة اختراع برامج الحواسيب من أعقد قضايا قمة مجتمع المعرفة سنة 2003 و 2005.

إذن منذ انعقاد الدورة الأولى للقمة العالمية لمجتمع المعرفة 2003 ترسخ ليتحول مصطلح الاتصال ومجتمع المعرفة إلى نظرية وإيديولوجيا، فهو نظرية في الاتصال تبدو كنوع من أنواع التفكير في المرحلة التاريخية الراهنة التي تعيشها الإنسانية وكيف يمكننا تجريدها فكريا ومعرفيا لتنعكس في الحياة العامة للناس. فهو أيضا نظرية في شكل مجموعة من الاتجاهات والمقاربات التنموية  في كيف ننهض بالمجتمعات من مداخل مستحدثة وهو الشق الإيديولوجي للاتصال والذي يهدف إلى تشريع مجموعة من قواعد العمل الجديدة لقوى ضغط سياسية واقتصادية كبرى. تهدف أيديولوجيا الاتصال إلى فرض نموذج تنموي اقتصادي واجتماعي يمكن وصفه بالمعولم أو ما فوق الليبرالي وهو ما دفع بمنظري الفلسفة السياسية الغربية إلى اعتبار أن الاتصال في شكله الجديد (الرقمي، الافتراضي ) من خلال مجتمع المعرفة يعتبر مرادفا لديمقراطية افتراضية كونية حسب تعبيرة بيار ليفي.[2]

تتجاهل أيديولوجيا الاتصال أهمية السياسي (الشأن العام) بل تفرغه من إمكانية إنتاجه لأي بديل مستقبلي فمشروع هذه الايدولوجيا التأسيسية هو تطبيق التكنولوجيا على المجتمع لتغييره وتطويعه. في مشروعها لعقلنة الوظيفة الاجتماعية لتكنولوجيات الاتصال يقع حصر الوظيفة في بوتقة مجموعة من الخيارات التقنوية أين تأتى أغلب القرارات وبشكل أحادى من التقنية وإليها فكرا ومادة. وهذا هو ما يحولها إلى أيديولوجيا تقنوية تسلب الآلة الاتصالية والتقنية من أبعادها وأنساقها الثقافية والاجتماعية. تجد أيديولوجيا الاتصال في التقنية الراجعة إلى تقنية المعلومات والإنترنت وتكنولوجيات الاتصال الحديثة مبرر وشرعية وجودها الفكري غير أن هذا المبرر هو أيضا أحد نواقص وعلة مشروع هذه النظرية.

إن المتاح اجتماعيا وثقافيا للتقنية هو الإعلام والاتصال اللذين يستمدان عمقهما من اللغة ودلالتها ثم من الثقافة وشموليتها وتنوعها وذلك من أجل أن تصب كل النتائج المنتظرة في تأصيل الاتصال والتواصل السياسي في الفضاء العام المشترك وردم الفجوة الرقمية التي هي أحد عوائق تبلور مجتمع معرفة عادل وديمقراطي. فلا يكفي إيصال الناس وتواصلهم عبر شبكة الإنترنت ودخولهم الحر إلى مواقع المكتبات والدردشة حتى يتحقق الحد الأدنى من المعرفة والفهم الصحيح للحقوق والواجبات فينتهي الجدل والحوار المباشر عبر وسائل الاتصال الجماهيري التقليدية البدائية في قضايا الشأن العام (المشافهة، المكتوب،...). إن وراء أيديولوجيا الاتصال خلفية لتحويل السياسي رديفا للاقتصادي وإزالة هامش التباعد بينهما والدفع بأولوية الاقتصادي على السياسي في مجتمع المعرفة لتمرير العمق التسويقي المعولم فيه. فعولمة الاتصال يراد لها أن يكون شبيهة بعولمة اقتصاد السلع فهي المدخل المعرفي من زاوية التقنية (الإنترنت)  -التي هي دوما إنسانية كونية ومقبولة اجتماعيا-لتوحيد الأذواق والثقافات والحضارات طبقا لنموذج غربي واحد[3]. يتحكم النموذج الغربي هذا في التقنية الساذجة والتقنية الذكية التي تهب من ورائها رياح الثقافة والمعرفة المعولمة. فالغرب يصنعها ويملك براءتها ويتحكم في سوقها ولم يبق عليه غير تسويق مضمونها باسم الديمقراطية الافتراضية وحقوق الإنسان وحرية المعرفة والتعبير وهي كلها مجموعة من القواعد الأخلاقية للعلم والمجتمع خادعة حينا وبريئة أحيانا.

من أن أجل أن يبقى الفضاء العام  الشمولي ظاهرا للعيان وحاضرا في دفع قضايا أي مجتمع من خلال تكنولوجيات الاتصال فإنه يجب الاعتراف بإمكانية هذه التقنية في نقل المعلومة وتبادلها وتخزينها داخل سياق سياسي وثقافي لماهية الاتصال الاجتماعي. لبلوغ هذا على الفضاء العام واقتصاد السوق بالاعتماد على مجتمع المعرفة بشقه الاقتصادي والسياسي أن يندمجا وأن لا يتنافرا ويمكن ذلك عندما  يستطيع الذكاء الجماعي لا الفردي في نسخته السياسية أو الاقتصادية أن يحقق وحدة الاتصال والإعلام بوصفهما ظاهرة تطبق عليها التقنية والمعلومة كصيرورة من التواصل الإنساني هدفه إنارة الفعل الجماعي.

تتناول هذه الدراسة جملة من الإشكاليات عن الاتصال وعلاقته بالتقنية في زمن العولمة. إنها مقاربة نقدية لربط السياسة بالإعلام والاتصال والمعرفة بالسلطة والتقنية بالمجتمع من زاوية جديدة اسمها علوم الإعلام والاتصال. وهو تخصص معرفي يشمل عديد الحقول المعرفية المتداخلة منها الإعلام الجديد ومجتمع المعلومات وتكنولوجيات الاتصال الحديثة[4]. هذا البحث يريد لنفسه أن يكون محاولة تأصيلية للاتصال وبحث حضور ومكانة المرجعية الفكرية والخلفية الثقافية والتاريخية في الجدل القائم حول الفضاء العام وعلاقته بالفضاء الاتصالي/الميدياتيكي. وهو موضوع يتصل أيضا بالوسائطية والسلطة والمجتمع، فوسيط اليوم يحدد ثقافة الغد. فمجتمع المعرفة الذي يؤسس له انطلاقا من خلفية اتصالية تقنوية سيحدد ثقافة وسياسة مجتمع المستقبل. في الواقع فإننا نستشعر ضمن طيات الخطاب الاتصالي والفضاء العام أنه مفهوم يتمحور في غالبه حول جملة من الوسائط التقنية/التقنوية الحديثة لا أكثر، في حين أن الاتصال هو من أكثر المصطلحات الفكرية الخلافية. يذهب البعض إلى اعتباره القراءة السوسيولوجية والثقافية لتكنولوجيات الاتصال الحديثة وعند شق آخر هو مشروع بلورة ديمقراطية افتراضية على شبكة الإنترنت. عربيا يلف خطاب الاتصال فقط قشرة ثقافية تريد أن تتحول إلى ثقافة، غير أنها تبقى ثقافة اللحظة التاريخية الراهنة وهي أقرب إلى ثقافة الاستهلاك وثقافة التقنية من الثقافة الجماهيرية. إن الجمع بين الوسيط والثقافة والسلطة يحيلنا أيضا إلى أهمية الميديولوجيا وفعل الزمن والإنسان في نحت الرموز الثقافية الجديدة للاتصال الذي يعتمد على تكنولوجيات الاتصال الحديثة وهي إحدى ركائز مجتمع المعرفة المنشود.

إشكالية هيكلة الفضاء الاتصالي

يظهر المنزع الاجتماعي والبعد الإنساني في التقنية الاتصالية انطلاقا من تنظيم وهيكلة الاتصال داخل المجتمع. إن الاتصالات (الفضائية، الخلوية،...) والتي تبرز البعد التكنولوجي في الاتصال كظاهرة اجتماعية يتمثل دورها في نقل واستقبال وبث الأفكار والآراء والمعلومات التي تشغل بال المواطن في علاقته بقضايا الشأن العام. فهي بذلك فضاء ميدياتيكي (Espace mediatique) جزء من الفضاء العام (Espace public ) الذي فيه يتفاعل المواطن بشكل حر ومستقل عن أطر الدولة التي تنظم حياة الأفراد كتلة ووحدة متماسكة انطلاقا من محددات عامة مثل الدستور والهوية والتاريخ والمصير المشترك. حجة استقلالية الفضاء الاتصالي تأتى من كون هذا الفضاء يجب أن يكون متعددا فلذلك لا تملك الدول في الديمقراطيات الغربية صحفا أو مؤسسات إعلامية وإن كان لها ذلك فهي مستقلة وتمول من الضرائب وهو ما يدفعنا إلى ملاحظة غياب وزارات إعلام في الأنظمة الديمقراطية لأن الإعلام يجب أن يعبر عن ما في المجتمع من تعدد وثراء فكري سياسي وديني وعرقي. إن الاتصالات من خلال التكنولوجيا الرقمية الحديثة تبدو منسجمة مع طبيعة الفرد التحررية وقاعدة المجتمع المتعدد عندما تقع هيكلتها وتنظيمها من خلال تقديم البعد الاتصالي الثقافي وليس الاتصالاتي التقني الذي قد يقع إخضاعه إلى قواعد التسويق أو الاحتكار. نقول كلما عزل الثقافي في الاتصالات همش الاتصال الإنساني وكلما كان التواصل والاتصال حاضرا كان توظيف تقنيات الاتصالات الحديثة خاضعا إلى مرجعية فكرية وثقافية إنسانية. على هدي ما تقدم وجب التفريق بين الاتصال أو التواصل الاجتماعي والثقافي والاتصالات التي نجد لها حضورا أكثر في قاموس علوم التقنية والهندسة أكثر من قاموس ومنجد العلوم الإنسانية والاجتماعية. هكذا يمكن مثاقفة الآلة الاتصالية انطلاقا من فهمنا القائم على اعتبارها وسيلة لنقل الأفكار وتبادلها عن قضايا الصالح العام تساهم في دعم التجربة الديمقراطية وتحمى حرية التعبير من التوظيف أو الاحتكار السياسي أو الاقتصادي أو الفئوي. كما تساهم الاتصالات من زاوية التواصل الثقافي في دعم مسيرة التنمية الإنسانية وخدمة التعليم والمرأة والصحة والمهمشين. من جهة أخرى كلما كان سياق تنظيم وهيكلة الاتصالات بعيدا عن التواصل الاجتماعي والثقافي كلما برزت الخلفية التقنية تتصدرها نجاعة فمردودية الوسيلة لتقع في أسر الاحتكار الاقتصادي لقوى الضغط الجديدة التي أفرزتها العولمة. يمكن أن يحول هذا التوجه الاتصال عبر القراءة الضيقة  التقنوية والفنية للاتصالات إلى مفهوم متوحش وناقص ثقافيا يهمش البعد الإنساني الكامن في التواصل بوصفه مفهوم ثقافي واجتماعي تحول إلى فضاء اتصالي عام جزء من كل العناصر المشكلة للفضاءات العامة (الجمعيات، المنظمات، الأحزاب والنقابات...).

يتبادر إلى أذهان عدد من المهتمين بقضايا الاتصال والإعلام على  أنها إشكالية تقف عند حدود دراسة ظاهرة الرسالة والوسيلة والجمهور لا أكثر، متجاهلين أن كل تلك الأطراف تحكمها هيكلة إدارية وسياسات إعلامية وتشريعية، وخيارات اقتصادية بالغة التأثير. فنظرا للتطور الهائل الذي تعيشه وسائل الاتصال والإعلام من خلال المنظومة الجديدة لتكنولوجيات الاتصال الحديثة وللتداخل بين الوظائف الاجتماعية والتنموية لكل من الإعلام والاتصال والذي يعود بالأساس إلى اندماج التقنية بوصفها وسيط قد حول مسألة الهيكلة إلى إشكالية بذات قيمة المضمون والمحتوي الاتصالي والإعلامي بل وتفوقه في بعض الأحيان وتحدده.

أما فيما يتعلق بالهيكلية فيقصد بها كيفية تسيير الاتصال والإعلام أي مجموعة المؤسسات الأهلية الخاصة والرسمية المسئولة عن إدارة ومراقبة وتوجيه وتطوير المشهد الاتصالي والإعلامي ككل. فالهيكلية ليست مجرد عملية فنية أو إدارية شكلية بل هي جزء من المفهوم الفكري والتصور السياسي العام لماهية الاتصال والإعلام في إدارة الشأن العام. إن كيفية تصور الاتصال والإعلام ومناهج إدارتهما تنعكس بسرعة على السياسات العامة وعلاقة الدولة بالمجتمع المدني وبالمواطن وتحددها. فهيكلية مستقلة ممثلة لكل مكونات المجتمع يمكن أن تؤسس لإعلام مستقل ومعبر عن كل الاتجاهات التي تشقه. من جهة أخرى فإن إعلاما تابعا هيكليا تبعية مطلقة أو شبه مطلقة لأجهزة السلطة فإنه سيكون نوعيا مختلفا عن الإعلام المستقل. فمهما كانت حسن نوايا الإعلام التابع فإن أدائه سيكون دعائيا فئويا ولن يحقق أهدافا إستراتيجية تعبر عن ما في المجتمع من تنوع وتعدد.

عندما نتحدث عن هيكلة الاتصال والإعلام فإننا بذلك نستهدف تنظيم النشاط الاتصالي وهو نشاط يتطور بشكل هائل كان ذلك على المستوى التقني أو الاجتماعي أو الاقتصادي. إن النشاط الاتصالي الفردي في بعده الظاهر والذي يمارس يوميا بشكل عفوي لا يطرح إشكالية الهيكلة بل إن الهيكلة هي تنظيم الإعلام (وسائل الاتصال) في بعده الجماعي (الثقافة الجماهيرية). إذن فالتنظيم الجماعي للإعلام هو عقلنة وأنسنة تقنيات الاتصال والإعلام في شكل مجموعة مترامية من الأنساق تتجاوز القراءة التقنوية لوسيلة الاتصال. فتنظيم الاتصال لا يقف عند حدود بث الرسالة واستقبالها وإنما يهدف من وراء العملية الاتصالية تلك تنظيم الاتصال والإعلام الجماعي بوصفه نشاطا فكريا واقتصاديا تحول عبر التاريخ إلى نشاط اجتماعي مؤثر في تطور أنسجة المجتمع. إدراك كون الاتصال والإعلام نشاط وحراك في سياق حقل سوسيولوجي داخل تركيبة أي مجتمع يحيلنا إلى الوقوف عند دور القائم بالاتصال (منظمات، نقابات، جمعيات، مؤسسات الدولة، القطاع الخاص...) كعنصر محوري في التفكير في هيكلة ظاهرة الإعلام والاتصال. فهو يبدو مغيبا وضعيف التأثير كلما ضاقت مساحة حرية التعبير داخل الفضاء الاتصالي، وتتسع فيه دائرة المبادرة والخلق والفعل الاتصالي كلما كان هامش الحرية أكثر حضورا. هكذا يبدو لنا أن الفضاء الميدياتيكي الذي توفره وسائل الإعلام والاتصال لا يمكن عزله عن الحقل السوسيولوجي الذي فيه تتفاعل كل تركيبات المجتمع.

لا يمكن فصل هيكلة الاتصال والإعلام عن إدارة الإعلام كمجال أوسع وأشمل في فهم تنظم المجتمع والدولة. إن وضع هيكلة مستقلة أو مندمجة للإعلام والاتصال من أجل تفعيل أدائه يدخل في باب إدارة المؤسسات الإعلامية، وهي إدارة لا تخضع لنفس معايير ومرجعيات أية إدارة من إدارات المجتمع والدولة. فمع تشعب عملية الاتصال واندماج وسائل الإعلام التقليدية مع تكنولوجيات الاتصال الحديثة (التلفزيون على الإنترنت، الصحيفة الإلكترونية...) دخل الفرد في مرحلة جديدة أصبح يمتلك فيها سلطة مرئية مؤثرة في المشهد الاتصالي. هذه الحصيلة لها انعكاساتها على كيف نفهم إدارة وهيكلة العملية الاتصالية وتدفع بجدية إلى أهمية رد الاعتبار للفرد كهوية مستقلة هي بصدد التأسيس لمؤسسة اتصالية تفوق الفهم الكلاسيكي القديم القائم على فرضية أزلية مفادها أن الفرد هو مجرد مستهلك/متلقي لا أكثر. فالفرد أصبح أكثر تحررا وذلك بفضل المرونة الفيزيائية والتقنية لوسائل الاتصال الحديثة والتقليدية وكيف أن تدوال وتبادل الأفكار بين البشر أصبح سريعا ومستوفيا شروط الصورة والصوت والكتابة معا. تجاوزت إذن التقنية مدعومة برغبة الإنسان في التحرر هياكل الدولة القديمة التي ترى في الفرد كائنا اتصاليا متقبل ويقف تأثره بما يتأثر به المجتمع. سلطة الفرد عبر الاتصال الإلكتروني تدعمها يوميا معارك تحرر الإنسان من القمع والهيمنة في كل دول العالم وخاصة في الدول النامية. إنها سلطة قائمة وفي تسارع مذهل وهي ستصطدم آجلا أو عاجلا مع كل محاولة لهيكلة وتنظيم الإعلام والاتصال قد لا تبالي بقيمة الفرد في الشبكة العامة لبنية العملية الاتصالية. إن الهيكلة الكلاسيكية القديمة ستجابهها تحررية فردية تريد أن تفرض حقها ليس فقط في ملكية الوسيلة، إرسال واستقبال المعلومة دونما إقصاء بل التأسيس لمؤسسة فردية في الاتصال (مواقع الواب الشخصية، الصحف الإلكترونية، الدردشة، الحوار، سبر الآراء...) وإدارة مختلفة للمشهد الإعلامي.

إن ظهور رموز ثقافية واجتماعية وتقنية جديدة فاعلة في العملية الاتصالية لعل الفرد وتكنولوجيات الاتصال أهمها تفرض إعادة قراءة مختلفة ومتجددة في طرق إدارة وتسيير الظاهرة الاتصالية بوصفها ظاهرة اجتماعية وفردية في نفس الوقت. هذه المسألة تحيلنا إلى كيفية التوفيق والمزج بين البعد الجماعي (التقليدي) والبعد الفردي (الصاعد) في الحقل الاتصالي في أبعاده الشمولية. ترجمة ذلك هي كيفية التوفيق بين مجالات الفضاء العام وحدود التدخل في الفضاء الخاص في تقاطعهما مع الظاهرة الاتصالية. في هذا الإطار يدعو بعض الليبراليون إلى ضرورة ترك المشهد الاتصالي الجديد ينظم نفسه بنفسه وعدم استباق الظاهرة وآثارها بهيكلة أو بتنظيم مسقط من أعلى وهو ما قد يعطل مستقبلا–حسب رأيهم-من الإمكانيات الهائلة التي قد يوفرها الاتصال للإنسانية. هذا التصور يرحب بها صناع القرار وأصحاب النظرة الاقتصادية الاحتكارية لقطاع الاتصال والإعلام. غير أن هذه القراءة الليبرالية الرأسمالية وهي السائدة تواجهها قراءة نقدية ترى أن هيكلة النشاط الإعلامي بوصفه نشاطا اجتماعيا لا ينظم التقنية والآلة الاتصالية فقط بل يهتم أيضا بتنظيم محتواها أي مضمونها وهو ما قد يتحول إلى أحد الحقول الفكرية القيمة للبحث عن مخرج في كيف نصل إلى إدارة ناجعة للنشاط الاتصالي من زاوية المضمون قبل التقنية. إذا كان التوجه الليبرالي يقف في حدود استثمار التكنولوجيا بعيدا عن محتواها فإن الشق الآخر يرى في المضمون أحد الركائز الأساسية للوصول إلى اتفاق ضمني حول الوظيفة الاجتماعية لوسائل الإعلام والاتصال. لذلك تبقى هوية الإعلام ضبابية عندما تقع محاصرتها في حدود نجاعة وكفاءة أداء التقنية الاتصالية وهو النهج السائد لدى الساهرين على تسيير الإعلام والاتصال. إن ما يعيشه المشهد الاتصالي من جري وراء التقنية الاتصالية لا يضاهيه سعي لتوفير مضمون متوازن أو رغبة في إعادة هيكلة وتنظيم انعكاسات الممارسة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية لظاهرة الاتصال في بعدها الإداري والتنظيمي. لذلك حري بنا أن نتساءل ولو بإيجاز عن غول الآلة الاتصالية وعلاقتها بالتقنية عند العرب.

عن الاتصال والإعلام 

كانت الاتصالات ومنذ نشأتها في أغلب الدول العربية مجالا مستقلا ومنفصلا كليا عن الإعلام تشريعا ومؤسسة فكأن بالاتصال هو فقط تقنية والإعلام ثقافة ومعرفة وسياسة أو أن الاتصال ليس حقا له علاقة ببقية الحقوق المدنية والسياسية وأن الإعلام يشكل لوحده التمثل السياسي لمبدأ حرية التعبير. لذلك نجد في أغلب الدول العربية وزارات للإعلام والثقافة أو للثقافة والإعلام أما الاتصالات فهي في أغلب الأحيان تنتمي إلى مجلس الوزراء أو هيئة الإذاعة والتلفزيون أو وزارة النقل والاتصالات أو البريد أو أيضا لوزارة الداخلية أو في شكل هيئة مستقلة عن الإعلام تعتني بالترددات (الذبذبات) لا أكثر. أمام كل هذا التداخل والتجاذب ماذا وراء هذا التحول في استعمال مصطلح الاتصال كبديل عن الإعلام ؟  سنتعرض إلى التعريف كمدخل قد يمكننا من فهم التحول من الإعلام إلى الاتصال وانعكاساته المحتملة عربيا. على المستوى الدولي أستعمل مصطلح الاتصالات لأول مرة سنة 1904 من قبل المهندس والكاتب E.Estaunie [5]. غير أن المصطلح أعتمد فقط سنة 1907 من قبل الاتحاد الدولي للتلغراف الذي أصبح يعرف اليوم بالاتحاد الدولي للاتصالات وتعريفه هو : كل بث أو إرسال أو استقبال لرموز  مكتوبة مسموعة أو مرئية أو أي معلومة مهما كانت طبيعتها عبر الهاتف الإذاعة الصور أو أي نظام إلكترومغناطيسي "[6]. إذن فالاتصالات هي نقل أو بث أو استقبال أو إرسال الرموز أو الإشارات أو الأصوات أو الصور أو البيانات، مهما كانت طبيعتها، بواسطة الوسائل السلكية أو الراديوية أو الضوئية أو بأي وسيلة أخرى من الأنظمة الإلكترونية. هكذا يبدو أن الاتصالات هي تقنيات البث وليس في الأمر خلاف أما الاتصال التقليدي مثل الاتصال الشخصي والجماعي الشفهي بدون تقنية فهو أيضا تواصل ونقل وتبادل للأفكار والمعلومات ولا يقل أهمية عن ما في التقنية الاتصالية من قيمة. إذن فلكي نستوعب الاتصالات واستدراج الثقافي في تقنيتها علينا أن نتعامل معها كظاهرة اجتماعية إنسانية هدفها التواصل بين الأفراد والجماعات.

نقول الاتصال بوصفه نشاطا اجتماعيا لا يقف عند حدود الاتصالات كتقنية مفرغة من أي مضمون وهو الخطاب السائد في عديد الدول العربية، أين يقصد بالاتصال تكنولوجيات الاتصالات الحديثة والاتصالات الفضائية[7]. فالاتصال كحقل ثقافي إنساني هو الاتصال الشخصي أو بين المجموعات والأفراد وهو أيضا الاتصال عبر وسيط تقني (الأقمار الاصطناعية‘ الهاتف الجوال، الإنترنت..). نشير هنا إلى أن التداخل بين الاتصال والإعلام يحدث انطلاقا من الدور الوظيفي فالوظيفة تحدد بنية الوسيلة. من خلال هذا التصور يمكن لوسيلة إعلام (التلفزيون الذي أصبح تفاعلي) أن يؤدى وظائف اتصالية كما يمكن لوسيلة اتصال أن تلعب دورا إعلاميا (الأخبار عبر الهاتف الجوال)[8]. لا توجد أسبقية معرفية للإعلام عن الاتصال أو الاتصال عن الإعلام وهو ما يحيلنا إلى أنه لا توجد مفاضلة فكرية بين  المصطلحين. يذهب البعض إلى تصور أن لا مكانة للاتصالCommunication  في غياب الاتصالات Telecommunication. وهو تصور حديث يتماهي أكثر مع تأثيرات التقنية ويتجاهل الفعل الاجتماعي التواصلي للأفراد والمجموعات وقدرتها على خلق نماذج ومفاهيم اتصالية انطلاقا من الاتصالات. هذا التوجه المتصاعد يوشك أن يفرغ كل من الاتصالات كتقنية والتواصل كثقافة من إمكانية خدمة المجتمع والتفاعل السليم لكل مكونات الفضاء العام. وبحكم أن دائرة الفضاء الاتصالي لصيقة بما هو متاح للفضاء العام من حريات التعبير فإنه بالضرورة سيتأثر المشهد الاتصالي كجزء من الفضاء من القيود التقنوية التي ستفرض عليه. في هذا السياق ومن أجل المساهمة في حل هذه الإشكالية يسعى النموذج الغربي الليبرالي من خلال فهمه لكيفية تسيير الاتصال والإعلام إلى إفراد مكانة هامة لدور الجمعيات والنقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني والجمهور كعناصر فاعلة في التشريع والهيكلة والرقابة. إن الخلاف الوهمي بين الاتصال والإعلام والذي يصل في بعض التصورات الرسمية العربية إلى حد التناقض ليس له أي تفسير علمي أو مهني خاصة عندما نصطدم بإشكالية الهيكلة. في النماذج العربية نجد قانون الاتصالات من جهة وقانون المطبوعات والصحافة من جهة أخرى وهي كلها قوانين عقابية وقائية زجرية.

كيف ستشرف وتنظم مثل هذه الهياكل الجيل الثالث من الهاتف الجوال الذي يحتوى على الإنترنت وأخبار التلفزيون والكاميرا وتبادل الرسائل والصحف وهي كلها مظاهر من تداول الأفكار والآراء حول قضايا الشأن العام. كيف يمكن تنظيم الصحيفة الإلكترونية، والإذاعة الرقمية على الواب وغيرها من مظاهر اندماج كل من الإعلام والاتصال اليوم. هل ستصطدم الهياكل ببعضها البعض أم أن كل طرف سيلقى بالمسؤولية على الطرف الآخر. فلا دخل مثلا للإدارة التي تشرف على تنظيم النشر المطبوع في محاسبة نشر صحيفة على الإنترنت لخبر ممنوع. هل أن التقنية هي التي ستفرض الصيغة المثلي لهيكلتها بعيدا عن احتياجات المجتمع أم هل أن سياق العولمة سينفرد بكيف سيكون عليه المشهد الاتصالي والإعلامي المحلي والدولي.

الاتصالات إذن هي إدارة وتنظيم البث الإذاعي والبث التلفزيوني الأرضي والفضائي والهاتف بكل أنواعه هذا بالإضافة إلى الإنترنت وذلك لاتصاله بالهاتف[9]. أما طبقا للتجارب العربية فيقصد بالاتصالات خاصة كل ما له صلة بالترددات والذبذبات وكل ما يتفرع عنهما. فقطاع الاتصالات كان ولا زال عند العرب يسير بعقلية تكنوقراطية تقنوية وبخلفية أمنية بحكم أن الترددات أي الذبذبات الصوتية والمرئية والمرئية الصوتية كانت منذ بدايتها ذات استعمالات أمنية وعسكرية تحولت مع فعل الزمن إلى جزء من سيادة الدول القطرية وجزء من المجال الحيوي والسياسي للحكم. بصيغة أخرى فإن الترددات جزء من شرعية جهاز الدولة. غير أنه علميا وإداريا يوجد فصل بين الترددات المدنية والعسكرية فكل واحدة لها فضائها ومهامها. في الغرب تعتبر الترددات الإذاعية المدنية رغم حيويتها جزء من الفضاء الإعلامي أي أحد العناصر المكونة لحرية التعبير وممارسة الديمقراطية والتعددية وهي تدار بحرفية وشفافية من قبل كل عناصر وفعاليات المجتمع المدني.[10]

كانت مراقبة الترددات الخاصة بالبث الإعلامي في دول العالم الثالث ولا زالت عبارة عن مراقبة خفر السواحل للمياه الإقليمية أو هيئة الطيران المدني للمجال الحيوي الجوي الذي هو ملك للدولة، فالتدخل في الترددات يعتبر اعتداء على السيادة فلا مجال لإذاعة محلية أو تلفزيون أجنبي يبث تردداته في بلد عربي وخاصة في زمن البث التناظري والأرضي إلا بترخيص أو بامتيازات أو برسوم مالية مقابل التفريط النسبي في أحقية تملك الترددات.  ومن أراد أن يخترق الذبذبات الوطنية فإن عمليات التشويش التكنولوجية المتقدمة كانت قادرة على الدفاع عن سيادة الدولة وفي هشاشتها هشاشة سيادة الدولة نفسها. لذلك شهدت سنوات السبعينات دعوات من دول العالم الثالث لوقف الاختراق الإعلامي وذلك بسبب عدم التكافؤ في إنتاج التكنولوجيا وتدفق الأخبار والمعلومات وهو ما لا يمكن الحديث عنه اليوم بحكم أن كل دولة هي دولة مخترقة ليس فقط إعلاميا كما كان الحال ماضيا بل اتصاليا كما هو الحال منذ زمن ليس بالبعيد، بفضل تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية وشبكة الإنترنت[11]. غير أن الإشكالية أخذت بعدا آخرا يتمثل في الفجوة الرقمية ونصيب كل طرف في إنتاج المعرفة نوعيا وليس تداولها تقنيا. هل يمكن اليوم رفض الاختراق الإعلامي الوافد عبر الاتصال الافتراضي؟ ما قيمة الذبذبات والترددات في عالم الإذاعة الرقمية والتلفزيون الرقمي على الإنترنت؟ هل استطاع العراق في حربه الأخيرة 2003 الصمود أمام الاختراق الإعلامي الأمريكي عبر الذبذبات والترددات الفضائية والأرضية والمشبكة. فقد كانت الحرب الإعلامية والاتصالية من خلال اختراق ترددات العدو مدخلا لحرب الطائرات والدبابات. هكذا يبدو الاتصال وعلاقته بالسيادة والترددات مجالا حيويا، هكذا نفهم لماذا بقي الاتصال في الوطن العربي مجالا أمنيا سريا ملكا للدولة لا غير.

مع التطور التكنولوجي وتحول البث من التناظري إلى الرقمي ومن الأرضي إلى الفضائي أصبحت فكرة علاقة الترددات بالفضاء الجغرافي الطوبغرافي غير ذات نجاعة تذكر، وأن سيادة أية دولة على مجالها الإعلامي أصبحت في عداد التراث وذلك بفضل اللاقط الهوائي والإنترنت. لقد أدت هذه المتغيرات التقنية إلى اهتزاز عديد القناعات التقليدية البائدة. أصبحت الدولة عاجزة عن الحماية الكلاسيكية لذبذباتها وتردداتها، فبدأت شبكة الإنترنت والفضائيات في زعزعة كل تلك القناعات القديمة القائمة على النزعة الأمنية الحمائية للترددات. جاء إذن التعامل العربي الجديد مع قضية البث والترددات الذي لا زال جنينيا في أغلب الدول عبر نوع من التأقلم أو اللامبالات أو الاعتراف الضمني والتغيير التدريجي في فهم العلاقة الجديدة مع الظاهرة الاتصالية. فالتقنية لا يمكن أن تخضع فقط لغاية نفعية عبر السعي القاهر لتطويعها لأغراض سياسية فالتقنية تحمل في داخلها تحدى ورغبة في أداء الوظيفة الاجتماعية الأساسية التي من أجلها صنعت آجلا أو عاجلا ولعل خير دليل على صحة ما نقول هو ما حدث للإعلام العراقي بعد سقوط بغداد من تحررية وانتعاشة هي بمثابة رد الفعل على سنوات القمع والقهر لإعلام الدولة وحزب البعث.

الإعلام والاتصال بوصفهما ثقافة 

يعود التجذر الفكري لعلاقة التقنية بالوسيلة الاتصالية إلى ما أصطلح البعض على تسميته بمدرسة تورنتو بكندا والتي كانت تجمع عددا من المهتمين والمؤسسين اللامعين لعلوم الإعلام والاتصال ومن بينهم مارشال ماكلوهان صاحب المقولة الشهيرة : الوسيلة هي الرسالة.[12]وهي مقولة تؤكد أن لكل وسيلة اتصال المقدرة على إحداث -وبشكل مستقل- بنى ونماذج معرفية وبشكل أوسع أشكال من التنظيم الاجتماعي[13]. وتعود أصول الثورة التقنية في تتبع تاريخ وسائل الإعلام إلى إشكالية المرور من المعرفة المنسوخة إلى المعرفة  المطبوعة والتي قلبت مقاييس الفكر الإنساني ظهرا على عقب وباتت أحد علامات ميلاد مجتمع الحداثة[14]. غير أن القراءات الحديثة لأثر التقنية في تاريخ وسائل الاتصال تؤكد أن التقنية ما هي إلا عاملا من بين بقية العوامل المنتجة للوسيلة وأن عوامل أخرى سياسية واقتصادية وفكرية ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر مثلا في ظهور الطباعة كتقنية. فالقراءة التقنوية للوسيلة تبقى دائما محدودة لأنها تقطعنا عن الإطار العام الذي فيه ظهرت ومورست تلك التقنية عبر التقاء أكثر من فكرة وتصور وأكثر من فاعل اجتماعي أو مرجع ديني أو صاحب قرار. فمع ظهور الطباعة ظهرت إلى الوجود جدلية جديدة اسمها أحادية تقنية بث الفكر الإنساني (الطباعة) وتعدديته (حرية التعبير).

يصعب اليوم دراسة الظاهرة الإعلامية دون بيان أين تبدأ التقنية وأين تنتهي الوظيفة الإعلامية لوسائل الاتصال أو أين تنتهي التقنية وأين تبدأ الوظيفة الإعلامية لوسائل الاتصال ؟ إن الحدود المعرفية في فهم الوسيلة الإعلامية في التاريخ العربي الحديث كتقنية أم كثقافة غير واضحة المعالم. إن الإشكالية لها أبعادا أعمق من مجرد الوقوف عند ظاهرة وسائل الإعلام كتقنية، فمن بين أكبر الإنزلاقات الفكرية والمعرفية للفكر العربي المعاصر هو عدم تعامله مع التقنية كثقافة وبما أن وسائل الاتصال والإعلام هي تقنية فإنها خضعت ولا زالت إلى تصور الدولة الشمولي التاريخي لماهية التقنية. علاقة العرب بالتقنية في العصر الحديث ودون العودة إلى النرجسية التاريخية[15] تعود إلى عهد الإصلاح في فترة الحكم العثماني وهي علاقة لا زالت أصدائها وآثارها تتردد إلى يومنا هذا وبأشكال مختلفة ولكن بذات الخلفية. أولى الفرضيات التي يمكن تقديمها في تتبعنا لعلاقة الدولة- كنسق معرفي/سياسي ومجموعة من الرموز الثقافية -بالتقنية هي كون تلك العلاقة تبدو نفعية من أجل غايات حمائية دفاعية عن كيان الدولة وبعيدة عن أية مرجعية ثقافية أو اجتماعية. ألم تكن أولى بدايات النهضة في مختلف الولايات العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر هي إصلاحات تقنية عسكرية. نقول هذا دون تجاهل أو التقليل من بقية الإصلاحات السياسية والفكرية والتعليمية التي صاحبت حركة النهضة. فرضت الإصلاحات نفسها عندما واجه العرب بعد حملة نابليون أثر الصدمة الحضارية والثقافية وكيف أصبح الغرب متطورا ومهددا لسيادة الإمبراطورية العثمانية.

لجأت تلك الدويلات إلى التقنية من أجل إصلاح المؤسسة العسكرية في المقام الأول وذلك عبر إتقان وتملك التقنية العسكرية كعنصر للتفوق العسكري على الغرب، فقامت بتأسيس المدارس العسكرية مثل مدرسة باردو في تونس أو الكلية الحربية في مصر في عهد محمد على باشا. كأن بتملك العرب لتلك التقنية سيبعدون شر الغرب وأن الحد من الفارق العسكري يمكن بسرعة تجاوزه. هكذا يمكن حماية حدود الدولة وشرعيتها ومعها حماية السلطان وسيادته. كانت نشأة علاقة التقنية في بعدها الحديث بالفكر العربي، نشأة مصلحية جافة حمائية ودفاعية وليست خلاقة أو إبداعية ذات جذور فكرية وثقافية كما كان الحال عند الغرب أين كانت التقنية في المقام الأول امتدادا طبيعيا لحرية التعبير وللفكر العقلاني النقدي. لم تكن التقنية الغربية وليدة القرن التاسع عشر وإنما أصولها تعود إلى بدايات عصور التنوير، أي مع بدايات خروج الغرب من ظلمات القرون الوسطي. كان ذلك من خلال اعتماد وإدخال البعد العقلي في تدبير شؤون العامة (علوم الإنسان، والاجتماع، والطبيعة...) كنقيض ورد على هيمنة علم الغيب والإلهيات. هكذا يعاد طرح أن الفكر العقلاني والحرية في التعبير والخلق والإبداع هي من بين المداخل الصلبة لكل محاولة هدفها إحداث ثورة ثقافية في فهم التقنية ومعها التأسيس لثورة معرفية موازية في إدراك الثقافي في وسائل الإعلام والاتصال. ألم يتعرض تقرير التنمية العربية 2003 مؤكدا على بديهية تجاهل العرب لتوطين التقنية ونحن في بداية القرن 21.  إن العزل الحاصل والمستمر للتقنية في علاقتها بالمعرفة أي بالثقافة والفكر وحصرها فيما تقدمه من استقرار وأمن لمؤسسات الدولة القائمة في بعدها العسكري أو السياسي أدى شيئا فشيئا إلى تحول تلك الولايات إلى مستعمرات. كان الغرب يطور التقنية من خلال توفر وشيوع حرية التفكير والنشر والإبداع أما العرب فكانوا يأخذون بالتقنية لحماية الملك من خطر الحرية والديمقراطية.

أصبحت الدول العربية مستعمرات ليس بفضل التقنية والتفوق العسكري الأوروبي كما يروج البعض لذلك بل بالثقافة والمعرفة أي بإدخال الطباعة إلى الديار العربية منذ نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر في المشرق العربي. علما بأن الطباعة كتقنية حوربت من قبل مناهضي الإصلاح باسم الدين وأن الطباعة قد تحرف النص المقدس، وأنها بدعة غربية لتحريف القرآن. النتيجة، لم تتأسس مطبعة في الوطن العربي إلا بفتوى من الأزهر أو من جامع الزيتونة وكان ذلك بعد ثلاث قرون من نشأتها في الغرب على يد جوتنبرغ. ألم يقم نابليون بونابرت حملته بفريق من المثقفين والباحثين ومطبعة ومسرحا؟ ألم تقدم حملات التبشير المسيحي خدماتها عبر نشر اللغة والثقافة المسيحية حتى قبل دخول الاستعمار الغربي لأفريقيا في هيئة جيوش؟ ألم يدخل الغرب العالم المتخلف كنموذج ثقافي وفكري وعلمي حداثي قبل أن يدخل كقوة عسكرية تقنية وهو قادر على ذلك وفي زمن قياسي إذا ما أراد. ألم يعلم الغرب ويوفر عديد البعثات لنخب الأرستقراطيات من كل الدول العربية حتى تنهل من اللغة الفرنسية أو الإنجليزية والآداب والفلسفة الغربية وغيرها من العلوم العقلية الحديثة في القرن 19 كبوابة للدخول والتحكم في البلاد والعباد في حين كان العرب غارقين في الفكر التقليدي.

إن مثل هذه النشأة تركت  أثرها بعد استقلال الدول العربية في كيف نؤسس لدولة حديثة من خلال توفير شروط  العلم والتقنية التي بها توصل الغرب إلى استعمار العرب وإحداث النهضة ومن بينها تقنيات الاتصال الجماهيري. إذن عوض أن تتحول التقنية الاتصالية (الطباعة، البث التلفزي والإذاعي، السينما...) إلى أداة للتنمية والبحث والمنافسة وخاصة تداول الأفكار بشكل حر تحولت إلى أداة لتثبيت أركان الدولة المستقلة حديثا. بما أن أصل وسائل الاتصال هو تقنية فائقة التأثير وفضاء ووعاء للفكر الإنساني فإنها إلى يومنا هذا لم تخرج بعد من حجر الدولة وذلك باسم الحفاظ على أمنها القومي. فلا يمكن وفي أغلب الدول العربية بيع صحيفة عربية كأصل تجاري وإنما فقط توارثها وبترخيص مسبق من السلطة المختصة. كما تتحكم الدول العربية في البنية التحتية للاتصالات الفضائية والأرضية الخاصة بالبث التلفزيوني والإذاعي والإنترنت والهاتف الثابت والجوال. يمكن أن تمتلك إذاعة خاصة لكن لا يمكنك أن تستقل وتؤسس محطة بث مستقلة بالكامل عن الدولة وأجهزتها الرقابية. إن من يملك البنية التحتية لوسائل الاتصال هو الذي يتحكم في الإعلام ومضمونه. لذلك يصعب الحديث عن ثورة كبرى في أداء الاتصال والإعلام العربي على مستوى المضمون والسبب يعود إلى أن تقنيات ومحطات البث والتي تتطلب استثمارات كبرى وتراخيص سياسية مازالت تحت هيمنة الدولة القطرية.

يمكن التأكيد أنه إلى يومنا هذا لم يحسم الخلاف حول الآلة الاتصالية وتلقيها عربيا حتى فيما يتعلق بتكنولوجيات الاتصال الحديثة مثل الإنترنت والبث الفضائي. ففي عديد الدول العربية شهد البث الفضائي تعثرا خاصة فيما يتصل بالمتلقي وصدرت قوانين تعاقب بالسجن أي مواطن يشترى لاقطا هوائيا ويعمد إلى التقاط بث فضائي لقناة أجنبية. كان هذا الحال في العراق وسوريا وعاشته أغلب الدول العربية لتنصاع وبعد عشرية من المنع والرفض والتقنين التافه لأحقية انتصار تقنية الاتصال كثقافة على أسلوب الرقابة. ألم يصاحب بروز كل تقنية اتصالية في العالم العربي صدور فتوى في البداية تحرم وبعد فترة تحلل. آخرها فتوى تحريم استعمال الهاتف الجوال بكاميرا. ألم يحرم استقبال ومشاهدة التلفزيون عند بداية ظهوره وأدى ليس فقط لظهور فتاوى بل لمظاهرات هنا وهناك. قد يحتج البعض قائلين بأن الدين براء. نقول لهم إننا لا نحمل لا الدين ولا من يمثله المسؤولية. فلا يمكن حصر نشأة الإعلام والاتصال في الوطن العربي في قضية الحلال أو الحرام أو في كونها مسألة تتعارض مع الدين. إن مثل هذه المقاربة تعزل تلقي التقنية الاتصالية أو الآلة الاتصالية لتركن في بوتقة تعارضها مع ما هو ديني. في الأصل فإن عديد العوامل الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كان لها أيضا دورا ما في رفض أو في تأجيل أو تعطيل دخول وسائل الإعلام الحديثة عند العرب وتلقيها السليم كوسيط اتصالي ثقافي في المستوى الأول.

إن تعامل العرب مع الآلة الاتصالية عطل مجالات تلقي الوسيلة والرسالة معا وعطل معها تبلور فكر اتصالي يبحث في التجليات الثقافية والسوسيولوجية للآلة والرسالة. فتقدم البحوث والاهتمام بالتأثيرات الاجتماعية والثقافية للآلة الاتصالية يتأكد أكثر عندما توجد مساهمة تقنية في بلورة الآلة وبما أن العرب مستهلكين للآلة وغير مساهمين لا في نشأتها ولا في تطوير نجاعتها التكنولوجية أو الإلكترونية فإن التعامل يبقى دائما مع الآلة الاتصالية في نسختها الأصلية وليس في نسختها المتجددة. خير مثال على ذلك هو خضوع تأسيس مطبعة والتي مر على اختراعها خمسة قرون -إلى يومنا هذا- إلى ترخيص مسبق من وزارات الإعلام في أكثر من دولة عربية في حين أننا نعلم أنه يمكننا تبادل المعلومات والأخبار والآراء دون طباعتها (الإنترنت)[16]. أما رفض البعض للتلفزيون لم يوازيه مثلا رفض  مستقل للإذاعة من جهة وللسينما من جهة أخرى رغم الجدل الذي أثارته أيضا هاتين الظاهرتين الاتصاليتين. ربما يعود الأمر إلى أن الإذاعة أدخلها الاستعمار أولا، إذ لا خيار لأحد في مسألة القبول أو الرفض وأن السينما أيضا كان وراء دخولها السلطات الاستعمارية. لكن ما نريد التأكيد عليه هو أنه يقع رفض التلفزيون دون معرفة أن التلفزيون ما هو إلا تطورا تقنيا للإذاعة والسينما، أي التقاء الصورة والصوت. فلماذا لا نرفض الصوت منفردا أو الصورة منفردة ونرفض الصوت والصورة مجتمعين. قد يكون السبب هو علاقة العرب بالصورة كحركة وتجسيم يكون للفرد وذاتيته أثر في صياغتها وتشكيلها ذهنيا.

يعود هذا التداخل إلى عدم المساهمة في التراث التقني الإنساني ويمكن الذهاب بعيدا للقول ماذا لو اخترع العرب آلة الطباعة هل سيتم رفضها وإصدار فتوى في شأنها كحلال أم كحرام. يصعب القول أن بإمكان العرب رفض تقنية كانت من إبداعهم وتلبية لحاجة محلية وامتدادا لبحوث وتجارب تقنية ساهموا في بلورتها. فلماذا ترفض وسائل الاتصال عندما تأتي من الغرب وعندما لا يساهم العرب في بلورتها العلمية والتقنية وتطوير كفاءة أدائها التكنولوجي؟ يصعب كيف يمكن شرح وتفسير لماذا يمنع فتح قاعات للسينما في بعض الدول العربية ويشرع التلفزيون؟ أليس التلفزيون والسينما في علاقة تكامل وتواصل كان ذلك على المستوى التقني أو الثقافي وأنهما أساس تعريف الاتصال الجماهيري. تعرض الأفلام السينمائية على شاشة التلفزيون في كل الدول ولا تأسس لها في بعض الدول قاعات سينما لعرضها. إنها مفارقة إبستيمولوجية. قد يذهب البعض إلى إطلاق بعض الأحكام المسبقة ليحملوا الدين أو من يمثله المسؤولية، وهذا حكم خاطئ إذ لا يمكن تفسير ظاهرة رفض السينما وقبول التلفزيون فقط بالعودة إلى العامل الديني. 
من الإعلام إلى الاتصال

كان الإعلام في الوطن العربي زمن دولة ما بعد الاستقلال ملحقا بوزارة الإرشاد أو وزارة الثقافة وكثيرا ما كان ولا يزال في بعض الدول التي لم تؤسس فيها وزارة للثقافة وزارة إعلام لحالها وبحالها تلحق بها إدارة لقطاع الثقافة.[1]أصبحت بعض الدول العربية منذ بداية الألفية تبتعد عن تسميات لها صلة بالإعلام لتتجه إلى استعمال مصطلح الاتصال كبديل عن الإعلام. جاء هذا بعد أن اهتزت المنظومة التشريعية والهيكلية التقليدية للإعلام وباتت لا تملك مصداقية لدى الرأي العام، خاصة مع ظهور الإنترنت والفضائيات وتكنولوجيات الاتصال الحديثة. أدت هذه الإضافة إلى ظهور قطيعة إبستمولوجية بين الإعلام والاتصال حاملة لإضافة نوعية جديدة في مفهوم الموضوعية والمصداقية وشكل تبادل الأفكار بحكم عدم خضوع الإعلام الجديد للرقابة المباشرة التي كانت تحياها وسائل الإعلام التقليدية.  فالخروج من تسمية الإعلام إلى الاتصال ليست قضية لغوية اصطلاحية يمكن اختزالها في تقديم الخبر وتأخير المبدأ. إنها قضية فكرية ثقافية في حاجة إلى المعالجة وذلك لما لهذا المصطلح-المفهوم- من انعكاسات لا على كيف نفهم الإعلام والاتصال بل كيف نفهم العلاقة بين الإعلام والاتصال كعنصرين متلازمين متأثرين ومؤثرين في بنية المجتمع هذا بالإضافة إلى ما يخفيه المفهوم من تصورات لماهية الحكم والدولة والمجتمع المدني.

إن إلحاق الثقافة بالإعلام أو إلحاق الإعلام بالثقافة كان  في الماضي في دولة ما بعد الاستقلال يندرج في إطار تصور أشمل للعملية السياسية ولمفهوم السلطة. ذلك أن من بين مميزات وخصائص دولة ما بعد الاستقلال هو رفع شعار التأسيس لدولة حديثة عبر السيطرة المطلقة على المؤسسات السياسية والاقتصادية مما جعل من الدولة تدخل في منظومة الكل-السياسي. نعنى بالكل-السياسي إضفاء الطابع الاجتماعي والثقافي على نموذج الحكم والسيادة والدولة من خلال التفرد السياسي في إدارة الشأن العام. وهو عبارة عن عملية شرعنة لهيمنة حزب أو أسرة أو جبهة جاءت بالاستقلال باسم تأسيس مجتمع حديث. كان الهدف من وراء كل هذا هو أن لا ترى "الجماهير" أو "الشعب" في خضوع مؤسسات الدولة إلى منطق الكل-السياسي الذي يفرضه الحزب أو ما شابهه نوعا من التعارض مع الاستقلال ومشروعية الحكم.  فقد اتجهت الأنظار إلى إعطاء ذلك الكل-السياسي بعدا ثقافيا، فالسياسي يمكن حصره في حين أن الثقافي ممتد الأطراف ومتشعبا.

انطلاقا من هذا التوجه تحولت إذن السياسة عبر الإعلام السلطوي إلى ممارسة ثقافية فحتى وإن مورست السياسة بوحشية فهي تدخل في الكل الثقافي الذي كان يمثل الغطاء للعملية السياسية في بعدها الشمولي. فهل يمكن أن نخون أو نشمت في الثقافة. طبعا لا. كان أن تحولت  الرياضة إلى ثقافة والسياحة إلى ثقافة، والاقتصاد إلى ثقافة، والفلاحة أيضا إلى ثقافة والتعليم ثقافة والإعلام طبعا عين الثقافة. تسبب هذا في ميلاد ما يمكن أن نطلق عليه بالكل-الثقافي كغطاء للكل السياسي المتفرد عبر الإعلام كمطية[2]. أفرز مثل هذا التوجه ميلاد تصورا عربيا هجينا عن الدولة تمثل في الدولة-الثقافية وتصورا أكثر هجانة عن الثقافة في شكل ثقافة الدولة وإلحاقها فقط بالتراث القديم الجامد وماضي الحضارة العربية الإسلامية والفلكلور والمتاحف وعزلها الثقافة عن المجتمع كعنصر متحرك. إن كان لمثل تلك المكونات الثقافية صلة ما بالمجتمع فهي ثقافة شعبوية تسطيحية تحزيبية في أغلب الحالات. أدى كل هذا إلى إفراغ الدولة من مؤسساتها  ومن مضمونها الثقافي وإفراغ الثقافة من مضمونها السياسي أي من إمكانية إشباع أنساقها وديناميكيتها بصفتها جناح للديمقراطية. كل هذا من أجل الاستمرار ثقافيا عبر الإعلام في ممارسة السلطة أي الإمساك بالسياسة والتحكم المنفرد في الشأن العام باسم بناء الدولة وتحقيق التنمية.

كان للمشروع التنموي للدولة وبشهادة الجميع أن فشل ولم يمر بعد على الاستقلال عشرية في تلك الدولة وعشريتين في أخرى وذلك من خلال استفحال البطالة التي دفعت بجموع الشباب والنخب والعقول إلى الهجرة إلى الغرب هذا بالإضافة إلى غياب البنية التحتية وتفشي الرشوة والمحسوبية وسوء التصرف في المال العام وغياب حرية التعبير. أعيد طرح سؤال لماذا فشلنا ونهضت أمم أخرى (اليابان، الهند، البرازيل...)؟ ظهرت علامات الفشل مع بداية السبعينات في بروز معارضات وأصوات مطالبة بإعادة النظر في كيفية ممارسة السلطة وإدارة الحكم والتداول عليها. جاءت أغلب المقاربات وقد أجمعت على أن التنمية لا مستقبل لها في غياب تحديث العملية السياسية أي الديمقراطية وذلك من خلال التداول على السلطة عبر المشاركة السياسية في شكل أحزاب تمارس حرية التعبير. غير أن هذه المشاركة السياسية لا يمكن أن تتوفر وتحصن في غياب فضائات للتعبير الديمقراطي الحر التي تسمي في الدول الديمقراطية بوسائل الاتصال الجماهيري. الإشكال يكمن في كون وسائل الاتصال والإعلام الجماهيري هذه غير مستقلة أو تعددية في العالم العربي وإن وجدت فهي تحت سلطة وزارات الإعلام. هكذا همشت السياسة الإعلام وهمش الإعلام السياسة وهمشت معهم الثقافة فكيف سيكون الحال مع الاتصال ؟ يبدو أن التوجه الجديد لا يريد أن يربط الاتصال بالثقافة بل يسعى إلى ربط الاتصال خاصة بالتقنية عبر جيش من التكنوقراط كبديل عن المثقف، مع المحافظة على ما أنتجه التصور القديم للإعلام من أعراف رقابية لا زالت حاضرة في الحقل الثقافي تنشط وتسيطر وتوجه المشهد الإعلامي عبر الاتصال. كان من آثار غياب الفهم الثقافي للتقنية عامة ولوسائل الاتصال الجماهيري خاصة أن انعكس في تقييم وأداء كل من الإعلام والاتصال في شكل مفاضلة أو تبجيل مفهوم على آخر دون معرفة أن لا فصل بين الإعلام والاتصال تقنيا وهو ما يستوجب بالضرورة عدم الفصل بينهما ثقافيا أيضا.

كيف تبدو لنا حالة الإعلام في تفاعله مع المتغيرات النوعية والتقنية والهيكلية للاتصال ؟ يمكن القول أن تنظيم قطاع الإعلام والاتصال في العالم الثالث والعالم العربي كان منذ بدايات الاستقلال يتمظهر في شكل هيكلة على نموذج واحد يختلف فقط في التلوينات وهذا النموذج يقوم أساسا على قاعدة تسيير وإدارة الإعلام انطلاقا من وزارة خاصة اسمها وزارة الإعلام، أو وزارة الثقافة والإعلام، أو وزارة الإعلام والثقافة. أفرز هذا التوجه خلاصة مفادها أن العقود الماضية تميزت بإعلام الدولة لا أكثر. لكن منذ فترة قصيرة وخاصة منذ نهاية التسعينات بدأت تبرز إلى الوجود مسميات جديدة ما زالت لم تفصح بعد عن لونها السياسي وخلفيتها الفكرية تتمثل حينا في إلغاء وزارة الإعلام كما هو الشأن في النموذج الأردني والتونسي أو تأسيس وزارة للاتصال كما هو الحال في المغرب[3]. كانت مؤسسات الإعلام في شكل وزارة تدير خاصة قطاع الإعلام المكتوب عبر ترسانة من القوانين يطلق عليها قانون المطبوعات أو مجلة الصحافة أو قانون الإعلام والصحافة، أما الاتصال فلم يكن من مشمولات ومهام وزارات الإعلام بل كانت له هيكلة مستقلة تختلف طبيعتها وتبعيتها من دولة إلى أخرى ولا تخضع للوائح إعلامية بل لقانون اسمه قانون الاتصالات أو الترددات أو ما شابه أما الإعلام السمعي البصري وبحكم ملكيته التاريخية المطلقة للدولة فلم يحظ في عديد الدول العربية وحتى مع دخول القطاع الخاص إلى مجموعة من القواعد التشريعية المنظمة[4]. لذلك نتساءل لماذا أدخلت تشريعات خاصة بالإنترنت والترددات وتوجد منذ زمان قوانين للمطبوعات ولم تصدر تشريعات خاصة بالبث الإذاعي والتلفزيوني وهو ما يطلق عليه بقوانين الإعلام السمعي البصري. لماذا أحدثت هيئات مستقلة للاتصال ولم يؤسس لهيئات مستقلة أيضا للإعلام ؟[5]

مع نهاية التسعينات ظهر إذن تداخلا جليا في الاستعمالات الوظيفية والدلالية لمصطلحي الإعلام والاتصال إذ يلاحظ التأخر والإحجام في استعمال مصطلح الإعلام والتقدم وحتى التفاخر باستعمال مصطلح الاتصال. يمكن هنا الوقوف عند تسمية الوكالة التونسية للاتصال الخارجي، أو وزارة الاتصال بالمغرب. أصبح كل شيء اتصال من الاتصال الثقافي إلى الاتصال السياسي إلى الاتصال التكنولوجي والافتراضي إلى التعلم عن بعد والجامعة الافتراضية والحكومة الإلكترونية ومن ثورة الاتصالات وتكنولوجيات الاتصال وغيرها من المصطلحات التي تستهلك يوميا بل تفرض عبر وسائل الإعلام الرسمية في أغلب الدول العربية كمفاهيم جديدة وبوتيرة متوحشة في بعض الأحيان. في ذات السياق وعندما نتابع الإنتاج الفكري الغربي الحديث لا نجد صدى تأليهيا لمصطلح الاتصال هذا المصطلح الذي تحول في الوطن العربي إلى منقذ للدولة والمجتمع ومفتاح التقدم والرقي واللحاق بالدول المتقدمة وذلك حتى لا تفوت الفرصة التاريخية. فكأن بالدول العربية أصبحت منشغلة بالاتصال كاهتمامها بالبطالة والتخلف والفقر والديمقراطية والتعليم. يبدو أن الإعلام أمام عولمة الاتصالات الفضائية والرقمية والخلوية قد أستهلك ولم يعد يؤدى الوظائف الكلاسيكية لدولة ما بعد الاستقلال (الهيمنة) كما كان الحال في السبعينات والثمانينات والمتمثلة في الرقابة المطلقة والملكية شبه الكلية لوسائل الإعلام[6]. قد يكون أيضا لسقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة ولبروز الديمقراطيات الحديثة الفتية في مختلف دول العالم الثالث في آسيا أو إفريقيا أو أوروبا الشرقية دورا محرجا لعديد الأنظمة العربية، إذ ساهمت تلك التحولات العميقة في دفع عديد الدول إلى مراجعة رؤيتها للإعلام والاتصال كمقدمة للإصلاح السياسي. ربما تكون فرضية أن ضرورة المرور من الإعلام إلى الاتصال هي قضية تقنية بث الرسالة الإعلامية (ترددات، إنترنت، هاتف جوال...) من أجل تطوير نظم الحياة الحديثة والتعامل مع كل مكونات التقنية الجديدة وتوطينها لا أكثر. نعم قد يكون كل هذا التغير ضرورة ورؤية تقنية/تقنوية في المقام الأول، لا تعكس نهجا معرفيا في كون الاتصال حق وجزء من الحقوق المدنية والسياسية التي نادى بها المجتمع المدني وليس فقط تكنولوجيا يمكن أن نختصرها في البث الفضائي والترددات أو عبارة عن تحول في تقنيات بث الرسالة الإعلامية من التناظري Analogique  إلى الرقمي Numérique.

حولت التراكمات التاريخية في عدم إفراد ملف الإعلام والاتصال الأهمية التي يستحقها إلى إشكالية معقدة وعفريت فكري وسياسي صعب المراس وعسير الهضم والفهم الثقافي والمعرفي. كما أن التحرك والتحويرات المستمرة وفي فترات زمنية متقاربة لهيكلة الإعلام والاتصال في الدول العربية تعرقل إمكانية الباحث الوصول إلى فهم سليم لبنية وفلسفة الإعلام العربي. فسيفساء من الهيكلة والمؤسسات والبني التي يحفل بها المشهد الإعلامي العربي لا وجود لرابط منهجي بينها يصل عمر المؤسسة في بعض الأحيان إلى بعض الأسابيع ليدخل عليها تغيير جديد. فمع كل تحوير وزاري يكون الإعلام والاتصال قد تحرك من هيكلة إلى أخرى لا نعرف لها خلفية أو منطقا. فمن وزارة إعلام إلى وزارة إعلام وثقافة فوزارة ثقافة وإعلام أو وزارة إعلام وخارجية أو وزارة إعلام وحقوق الإنسان أو وزارة اتصال وثقافة أو وزارة الإعلام والعلاقات مع المواطن أو وزارة الإعلام والعلاقات مع البرلمان أو وزارة الاتصال أو وزارة الاتصالات. كيف يمكن بحثيا الوصول إلى مقاربة منهجية عن كيف يفهم العرب الإعلام والاتصال داخل مجتمعاتهم مقارنة بما يستجد عالميا[7].

البيئة الحديثة للاتصال والإعلام

منذ بداية التسعينات انشطر المشهد الإعلامي والاتصالي إلى عالمين متجاذبين. لم تعد سيادة الإعلام حبيسة الإذاعة والتلفزيون والصحيفة بل إن وسائل جديدة لنقل المعلومة والخبر والآراء أصبحت تشق طريقها بسرعة جنونية نحو التألق إنها تكنولوجيات الاتصال الحديثة من إنترنت وهاتف خلوي وبث فضائي رقمي ونشر إلكتروني. أصبح شيوع هذه الوسائط واستهلاكها علامة غير قابلة للشك في ميلاد عصر جديد أطلق عليه البعض عصر تكنولوجيا المعلومات، الإعلام الجديد، الاتصال الرقمي، العالم الافتراضي، الاتصال الإلكتروني أو مجتمع المعرفة وهي كلها تعبيرات عن ظاهرة إنسانية تقنية اتصالية واحدة. تكنولوجيا الاتصال الحديث تتميز عن ما سبقها في الموروث الاتصالي القديم بميلاد شبكة يمكن من خلالها إرسال من نقطة ما إلى نقطة أخرى مجموعة من الرموز يمكن أن تكون في نفس الوقت مكتوبة ومسموعة ومرئية. تزامن ميلاد هذه الثورة الاتصالية مع متغيرات إستراتيجية سياسية واقتصادية بالغة الأهمية يمكن تلخيصها في ظاهرة العولمة ونهاية الحرب الباردة وانفراد القطب الغربي بقيادة العالم سياسيا وثقافيا كنموذج معرفي وفكري متماسك. وجدت وسائل الاتصال الحديثة هذه في العولمة عربة لسرعة انتشارها ووجدت العولمة في تكنولوجيات الاتصال سلاحا به تتسلل إلى أصقاع الأرض متسترة وراء قيمة إنسانية كبرى اسمها الاتصال أو التواصل بين الشعوب والبشر والحضارات والثقافات[8]. إلى هنا يبدو المشهد -ظاهريا ونسبيا- متوافقا مع الإرث التاريخي لوسائل الاتصال التقليدية (تلفزيون، إذاعة، صحافة) غير أن الاتصال الحديث قد استوعب فأدمج فأوعى ذلك الوسيط القديم في التقنية الشبكية الحديثة لنحصل على شيء جديد اسمه تعدد الوسائط أو الملتميديا. أدى هذا التداخل إلى ميلاد شركات متعددة الجنسيات تأخذ من الاتصال الإلكتروني والفضائي والرقمي حقلا اقتصاديا خصبا للهيمنة. وبات اندماج الوسيلة مقدمة لاندماج شركات الكابل مع التلفزيون والتلفزيون مع البث الفضائي والبث الفضائي مع الهاتف الخلوي والهاتف الخلوي مع تعدد الوسائط والنشر الإلكتروني. مع بداية هذه الأفية زالت العديد من الحواجز بين التقنية والوسيلة غير أن الحواجز والعوائق المعرفية والإبستمولوجية قد احتدمت أكثر فأكثر حاملة لثقافة جديدة وهيكلة جديدة وصناع قرار جدد يمكن وصفها بعالم الاتصال أو الاتصال المعولم أو عولمة الاتصال. في هذا المشهد الاتصالي الافتراضي الجديد الذي أصبح أحد العوامل الأساسية في نهضة أي اقتصاد وبلوغ أية تنمية ظهرت بالتوازي علامات عدم تكافئ بين الأمم والشعوب. ظهر مصطلح الفجوة الرقمية بين الدول كصيحة فزع من حدة الفوارق في البني التحتية في قطاع الاتصالات وتدفق المعلومة بشكل متوازن بين الشعوب والثقافات.

في حدود كونها تقنية لا تفرض وسائل الاتصال خياراتها على البشر بل إن تأثيراتها تظهر للعيان وبشكل مباشر وسريع من خلال ما يطبق عليها من خيارات سياسية واجتماعية وثقافية. انعكس كل هذا على المستوى السياسي والفكري في شكل جدل واسع ومعقد لا زال قائما حول كيفية مسائلة ظاهرة تكنولوجيات الاتصال الحديثة. أهم الأسئلة جاءت في صيغة ماذا يمكن أن تقدم لنا تكنولوجيات الاتصال الحديثة هذه وبأي الوسائل يمكن بلوغ ذلك. إن هذا السؤال يستدعى السياسي في الفكر الاتصالي من زاوية توظيف تكنولوجيات الاتصال الحديثة وكيفية هيكلتها وتسييرها دون المساس من حق الفرد في حرية التعبير وحق الشعوب في التواصل. يطفو السياسي إلى السطح لأن القضية كما أشرنا ذات صلة بكيف يمكن أن نحافظ على مبدأ حرية التعبير كحق طبيعي في سياق سوق معولم مع المحافظة على وحدة المجتمع كمجموعة من القيم المشتركة[9]. إذن فالإشكالية تتجاوز التقني في الوسيلة لنتساءل عن قيمة ومكانة الثقافي والسياسي في الاتصال وخاصة مقاربة كيف يمكن أن نستبق معرفيا تطور التقنية الاتصالية وظيفيا بشكل يمكننا من تطوير كل من القديم والجديد في الاتصال والإعلام بوصفهما زوجين لا ينفصلين كلما أثرنا إشكالية حرية التعبير.

أدى بروز تكنولوجيات الاتصال الحديثة إذن إلى زعزعة بعض القناعات الراسخة حول نظريات الاتصال والإعلام، فقد كان الإعلام منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الحقل المفضل للخطاب السياسي المعاصر إلى درجة تداخل فيها الإعلام بالدعاية. كان رد النحب والمهتمين هو الدعوة الصريحة إلى اعتبار أن الإعلام هو جناح الديمقراطية وأن لا ديمقراطية ولا مكانة لحرية التعبير إن لم يكن للمواطن الحق في الحصول على المعلومة الموضوعية بشكل عادل وهي دعوة صريحة جاء بها تقرير ماكبرايد "عالم واحد وأصوات متعددة"[10]وسبق وأثارتها نظرية المسؤولية الاجتماعية في الإعلام في أمريكا منذ ظهورها سنة 1947. هكذا تحول الإعلام إلى رديف للديمقراطية. هل يمكن إسقاط نفس المقولة على تكنولوجيات الاتصال الحديثة واعتبارها رديفا والجناح الثاني للديمقراطية أم أن احتكار الغرب لها اقتصاديا في سياق عولمة شرسة قد حول الاتصال إلى موضوع للترف الفكري وأننا إن أردنا أن نسائله علينا البحث عليه في أروقة البورصات العالمية الكبرى ولويبات شركات الاتصالات متعددة الجنسيات.[11]

رغم كل هذه الشبكية والسهولة في التواصل لا بد لنا من الاعتراف إذن بأنه يوجد عدم توازن خطير في تطور قطاع الاتصالات في العالم وأن الفجوة بين البلدان المتقدمة والنامية في شبكات الاتصال قد أصبح معوقاً رئيسياً لتطور التنمية المحلية ونهضة الاقتصاد العالمي[12]. ويمكن الإشارة إلى أن ما يناهز 50% من مجموع سكان العالم لم يستمتعوا حتى الآن بإجراء محادثتهم الهاتفية الأولى[13]‍‍. يعود هذا إلى أسباب مختلفة فعـدد كبير من الدول النامية- يعادل ثلثي سكان العالم- ما زالت غير قادرة على توفير خدمات كما وكيفا في قيمة خدمات الهاتف المتوفرة عالميا. يجب أن نعترف أن تخلف الاتصالات لا يعيق فقط النمو الاقتصادي لتلك البلدان ويضعف التبادل والتعاون الاقتصادي مع البلدان الأخرى بل يقلل أيضا من حجم وفرص التواصل الإنساني بين الحضارات والثقافات وكيف أنه بإمكان وسائل الاتصالات أن توفر فرص نادرة للتقارب بين الشعوب[14]. كما أن تخلف البنية التحتية في الاتصالات يفسر اليوم بكونه أحد العناصر المكبلة لمشاريع التنمية في دول العالم الثالث. إن هاتين الفكرتين هما الحجز الأساس لأي مشروع لإصلاح أو لهيكلة الإعلام والاتصال دوليا وخاصة في دول الجنوب.

عربيا يعيش المشهد الاتصالي في العالم العربي بشقيه التقني التقليدي (الصحافة، البث الإذاعي، التلفزيون، الهاتف...) والجديد المجسد في الإعلام الإلكتروني (إنترنت، رقمنة، ملتميديا...) تداخلا، منه ما هو ظاهر بالقوة ومنه ما هو ظاهر بالفعل.  ليس العالم العربي بمعزل عن جملة المتغيرات التقنية الدولية في قطاعي الاتصال والإعلام بل هو أحد كبار مستهلكيها وهي حالة بصدد إفراز سلوكيات اجتماعية استهلاكية جديدة تقطع مع القيم الاتصال التقليدية لزمن إعلام الدولة الكلاسيكي. لا يمكن مع الاتصال في هيئته الشبكية تجاهل الفرد أو الأقلية أو بعض الفئات المهمشة في المجتمع العربي.  ذكرنا أنه توجد رغبة لدى السياسي لحصر كل تقنية وبشكل أحادي من أجل الحد من تأثيراتها في تشكيل وعي جماعي/جمعي قد يساهم في تأسيس لمفهوم جديد للرأي العام، هذا المعطى الذي كثيرا ما حوصر من خلال التوجيه المقنع لوسائل الإعلام والاتصال. في المنظومة الاتصالية الجديدة يبيح السياسي مكانة للفرد المستهلك بعيدا عن أية مرجعية اجتماعية أو سياسية أو ثقافية لماهية الوسيط. يوجه الاتصال بشقه التقني (الاتصالات) والثقافي (الهوية، القيم) لتوفير الاتصال للفرد قبل المجتمع  وهو توجه يخفي عزل ذات الفرد عن المجتمع. فالفرد لا يحوى الصراع الاجتماعي  بل إن عمق الصراع الاجتماعي الذي به تتطور الأمم كامن في ما في المجتمع من اختلافات في فضاءاته المدنية (جمعيات منظمات..) دينية (علمانية، صوفية، لائيكية..) سياسية (أحزاب، نقابات..) أو عرقية ( الأسرة، القبيلة...).

إن مناعة المجتمع وتفاعله السليم مع قضايا الشأن العام باعتباره ساحة للصراع الاجتماعي تتوقف-كما كان عليه الحال مع الإعلام التقليدي-على مدى توفر الحق في حرية التعبير عن الرأي الكامن في الاتصال/الاتصالات بوصفها تقنية اجتماعية لتبادل الآراء والأفكار والقيم حول قضايا الفرد والمجتمع والكون. فإشكالية حرية التعبير لا يجب أن تستبعد في أي مشروع لهيكلة وتنظيم قطاع الاتصال حتى وإن كان النشاط الاقتصادي والتجاري فيه محددا في تنمية الاقتصاد الوطني. إن قطاع الاتصالات جزء من سيادة الدولة واستقلالها لأنه يتعلق بأوعية بث الثقافة والفكر والمعرفة الوطنية انطلاقا من جملة من المحددات مثل التراث والحضارة.

أصبحت صناعة الاتصالات في السنوات الأخيرة من الصناعات الأسرع تطوراً في العالم، فقد أحرزت تقدماً هائلاً كميا و كيفيا. فقد طورت الدول المتقدمة في فترات مختلفة عدة خدمات جديدة، وذلك عبر التبنى المتواصل للتقنية والتكنولوجيا المتقدمة التي أدت بدورها إلى تغييرات كبيرة في بناء شـبكات رقمية، تكاملية، ذكية وشخصية. كما أن أغلب الشركات العالمية الكبرى لا تدخر جهدا في البحث عن نجاعة أفضل وعن بناء شبكات اتصالات حديثة ذات أداء عالي وكفاءة لتوفير خدمات اجتماعية وفي قطاعات الاقتصاد اللامادي والتي دون شك ستشكل مستقبلا علامة بارزة للتقدم الحضاري للإنسانية. هكذا فإنه بقدر ما للإتصالات من أهمية وحيوية، فإن تصور تأسيس وبناء بنية معلوماتية عالمية جديدة ستظل حلما وطوباوية في ظل بيئة التكنولوجيا الكلاسيكية القديمة والتغطية الضعيفة لشـبكات الاتصالات في البلدان النامية والفقيرة. إن ضرورة توفير الإطار السليم للدول النامية لتطوير بنيتها الإتصالية ليس فقط موضوعاً مطروحاً لدوائر الاتصالات في العالم الغربي ولوبياته التي تبحث عن انتهاز مثل هذه الفرص الاستثمارية بل كيف يمكن أن نوظف محليا عولمة الاتصالات بما يخدم قضايا التنمية في مثل تلك الدول وهو التحدي المطروح.

نستخلص إذن أنه توجد منذ بداية هذه الألفية عدة عوامل جديدة (تقنية، سياسية، اقتصادية، اجتماعية) ساهمت وسارعت في إحداث تغيرات ثورية وجذرية في بنية وأداء الاتصالات خلال العقود الأخيرة. إن الاتجاه نحو العولمة في التجارة ذو صلة مباشرة بسرعة تقدم خدمات النقل والاتصالات والحضور المستقل للفرد. كما أن سرعة ونجاعة المنظومة الاتصالية الجديدة قد سارعت في ميلاد العولمة وتشكلها كونيا. لم تكن وزارات أو إدارات الاتصالات في هيكلتها التقليدية وباحتكارها لكل الخدمات قادرة على الاستجابة الكافية لمتابعة نسق السوق المعولم الجديد وحاجات الشركات المتعددة الجنسيات وثقافة الفرد الإتصالي الجديدة لذا فهي غير قادرة تحت أشكال تنظيماتها الحالية على لعب دور في سوق الاتصالات الحديث المعولم والمفتت.

بالنظر إلى التجارب في البلدان التي طبقت الخصخصة والتحرير فإن بعضها قد نجح نسبيا في تعزيز نمو الاتصالات. من ناحية ثانية، برزت مشاكل في بعض الدول نتج عنها أتساع الفجوات بين اتصالات الريف والمدينة. بسـبب هشاشة اقتصاد الدول النامية، فإن نسبة كبيرة من الأرباح قد خرجت من تلك الدول لفائدة المستثمرين الأجانب، تاركين للحكومات صعوبة تنمية بنية للإتصالات في المناطق الريفية بحكم قلة الكثافة السكانية وصعوبة الأشغال وتكلفتها. إن بعض المؤسسات والشركات والحكومات  الغربية والتي اعتادت معارضة احتكار الاتصالات في دولها تمارس الاحتكار كمستثمر فور السماح لها بدخول بعض أسولق الدول النامية.

إن الهيكلة التنظيمية لشركات ومشغلي الاتصالات الوطنية/العمومية تأخذ وبسرعة أشكالاً جديدة من التسيير والإدارة وذلك من أجل التأقلم مع سوق وثقافة استهلاكية في تغير مستمر. فشركة الاتصالات البريطانية العامة مثلاً كانت رائدة في المجموعة الأوروبية لكنها رغم ذلك تحولت إلى شركة خاصة عملاقة. هناك دول أخرى مثل هولندا، فرنسا وألمانيا حذت حذوها، وكذلك يوجد ذات التوجه خارج أوروبا وحتى داخل الدول النامية. في أمريكا اللاتينية تمت خصخصة عدة شركات مملوكة للحكومات، أي أن دول مثل الأرجنتين والمكسيك وفنزويلا قد سـبقت أوروبا في مجهوداتها لإعادة هيكلة وإصلاح قطاع الاتصالات وذلك ربما تأثرا بالنموذج الرأسمالي السائد في شمال القارة الأمريكية.

تسعى مؤسسات الاتصال في البلدان الصناعية وبشكل شرس إلى ملاحقة فرص الاستثمار وخاصة خارج حدودها. ويعود ذلك إلى الرغبة في توفير المجال الإستراتيجي الحيوي لاقتصاد دولها وأيضا لتوفير البنية التحتية لصناعة لا تنضب. انطلاقا من مبدأ المنافسة-الذي أصبح من الأولويات التي فرضتها عولمة السوق-تستهدف شركات الاتصال إعداد وتوفير خدمات عالمية لحرفائها من رجـال الأعمال والشركات المتعددة الجنسيات. وراء كل هذا التوسع توجد أيضا رغبة جامحة لتعويض خسارة أسهم السـوق في البلد الأصلي وذلك بسبب منافسة بين أكثر من شريك في سوق غربية ترفض الاحتكار. كما توجد أيضا سبلا أخرى لتعويض هذه الدول خسائرها في السوق المحلى وهي الحصول على حقوق امتياز واستثمار في الخارج أو شراء حصص مشغلي الاتصالات في بلدان أخرى وخاصة البلدان النامية. كل هذا سيمكن اقتصاد الدول الغنية من فرص التطور المالي والاستثماري ثم تطوير التقنية عبر البحث العلمي ثم اعتبار تلك الأسواق امتدادا إستراتيجيا لسلطة الدولة.  يمكن الإشارة  إلى شركة فودافون وفرنس تلكوم وشركة Telefonica الأسبانية كنموذج لهذا التوجه، فقد سعت هذه الشركة إلى شراء الشركة المشغلة في شيلي و 50% من سوق الاتصالات في الأرجنتين، أما شركة Bell الأمريكية فقد اتجهت إلى الاستثمار في قطاع الاتصالات في جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا. أما فرنس تلكوم فمجالها الحيوي هو الدول الفرنكفونية فتستثمر في مستعمراتها الإفريقية القديمة مثل السنغال، المغرب وتونس. أصبحت اتصالات أغلب الدول النامية عرضة لهذا التوجه وخاصة منذ بداية الألفية إذ لم يكن سوق الاتصالات في الوطن العربي بعيدا عن رهانات البيع والشراء والتدخل[15]. إن التحسن في بيئة العمل وفي سوق الاتصالات أفرز تلقائياً بروز تصورات وفاعلون جدد كما ستتمكن هذه الشركات الجديدة من توفير منتجات وخدمات في دول العالم الثالث لاستدراج قطـاع من بين أكثر القطاعات المربحة.

أثر العولمة على الاتصال والإعلام

على هدي ما تقدم يمكن القول أنه توجد مجموعة من المفاهيم في تنظيم الاتصالات يمكن تلخيصها في توجهين يتفرعان بعد ذلك فنيا إلى أكثر من أسلوب في الهيكلة. الأول يسمح للسوق وبشكل مستقل تحديد ماذا ومتى وأين وكيف يتم توفير خدمات الاتصالات وعلى هدي أية صيغة تكون هيكلة القطاع. هنا تتوقف مهمة الحكومة على توفير الإطار المؤسساتي الذي يعمل فيه السوق فهي عبارة عن شرطي. القراءة الثانية تعتبر أن الاتصالات عنصرا أساسيا في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للدولة، وعليه فأن وجود سياسـات محكمة ومدروسة ضروري لتوجيهه من أجل توفير الاحتياجات التي قد لا يستطيع القطاع الخاص منفردا استيعابها وتوفيرها بحكم الخلفية الرأسمالية الربحية التي تقوده. إن اقتصاد بعض الدول النامية في آسيا مثلا يفضل الخيار الثاني وهو خيار قد تبنت خطوطه ومبادئه العامة عديد الدول في العالم. في الواقع يصعب الحديث عن وجود توجها ونمطا عاماً لتطوير الاتصـالات صالحاً لكل التشريعات ولكل الثقافات ولكل الشعوب. إن دلالة ذلك هي أن المنافسة وحدها والخصخصة في صيغة تفريط بلا شروط لا يمكن أن تكون الفاعل الرئيسي في بناء اقتصاد اتصالي متوازن وأن مثل هذا التوجه لا يمكن أن يكون الوصفة الوحيدة الجاهزة التي على كل الدول إتباعها مغمضة العينين بعيدا عن أية اعتبارات أو خصوصيات تاريخية وثقافية.

إن سرعة دخول عناصر جديدة فاعلة في سوق الاتصالات يعتمد خاصة على مبادرة صناع السياسات الإستراتيجية ولوبى الاتصالات في الدول الغربية. هدف هذا المسعى هو توفير أرضية لوجستيكية تتمثل في ضرورة استعداد الشركات العالمية الكبرى على المنافسة الخارجية أي كسب أسواق حديثة. تثير هذه الإشكالية أن كل بلد له حق السيادة على فضائه الإتصالي والالتزام بتطوير مخرجاته بما يمكن أن تكون عليه ظروف السوق ومعطياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. يثار إذن السؤال التالي : كيف يمكن إدراك المنافسة كقاعدة لا مفر منها في قطاع الاتصالات محليا ودوليا مع تحقيق الحد الأدنى من الانسجام بين نواميس السوق وأنسجة المجتمع المحلي والاقتصاد النامي. إن الإجابة على سؤال ما الذي يجب توفيره للاتصالات حتى تقدم أفضل الخدمات لدول هدفها تنمية مواردها واقتصادها مع المحافظة على سيادتها وخصوصيتها تعتبر إحدى مهام أهل السياسة من التكنقراط.

كل هذه العوامل كانت وراء سرعة تحرير قطاع الاتصالات في البلدان النامية من أجل إعادة هيكلته بما يتناسب والمنافسة وضغط متطلبات العولمة وصفقات الخصخصة المربحة لدعم الميزانية العامة لدول غارقة في المديونية. إن التوجه نحو العولمة تم التعبير عنه بعدة طرق مختلفة : عبر الانتشار العالمي لشبكة الاتصالات،  عبر النسيج المتنامي للتحالفات وعمليات الاندماج الخيالية التي تجاوزت الحدود الوطنية، وعبر أتساع التجارة العالمية في صناعة تجهيزات وخدمات الاتصالات. لقد أصبح مفهوم القدرة على المنافسة في صناعة الاتصالات تعادل المقدرة على تقديم خدمة عالمية (الشبكة الكونية/الأقمار الاصطناعية) انطلاقا من مصادر محلية (شبكة داخلية /بنية تحتية وطنية).

دفعت العولمة بالحكومات إلى أن تبحث مكرهة عن كيف تتحكم أكثر في البعد التسويقي والاقتصادي/التجاري في الاتصالات على حساب فكرة الاتصالات كرافد للاقتصاد الوطني وهو ما يتطلب من السلطة التدخل لتنظيم القطاع أكثر من امتلاكها له. في هذا الإطار فإن تفكير الحكومة والمجتمع المدني في جوهر العلاقة بين تنظيم الاتصال والإعلام وحرية التفكير والتعبير وما ينتج عن ذلك قد أثر كثيرا في العمل الإعلامي الجديد من زاوية الاتصال. إن التحرير والخصخصة والتي تفهم على أنها في صالح العمل التجاري قد يكون لها أثار سـلبية أيضا لتفرز فقط المنافسة وهو ما سيضعف فعل ودور لاعبون جدد وأطراف أخرى (المجتمع المدني، النقابات، المنظمات..) لها دور حيوي في تطوير المنظومة الإتصالية. لذلك فعلى البعد الاقتصادي-رغم قوة حضوره-أن يتفاعل مع المتغيرات الأساسية في السياسات التنظيمية لكل من الإعلام والاتصال فالكثير من هذه المتغيرات (الاتصال، الإلكتروني، الخصخصة، العالم الافتراضي،...) لا يمكن عزلها أو اعتبارها تقطع مع تجليات المشهد الإتصالي والإعلامي التقليدي(الموضوعية/الاستقلالية، حرية التعبير،..). بما أن التحولات في التكنولوجيا تكون جديدة ويصعب فهمها، فإنه ليس من السهل على صناع الهندسة والتكنوقراط استيعابها، إن التكنولوجيا تتطور اليوم بسرعة لا يكاد أهل الاقتصاد وأهل السياسة والنخب استيعاب الجديد فيها حتى يظهر جديد آخر. لذلك سعت المؤسسات التجارية في قطاع الاتصالات إلى المراهنة على المهندس والفني والتكنوقراط أكثر من السياسي لإن المتغيرات في التكنولوجية في علاقتها بقضية الاتصال والمجتمع قضية شائكة ومتسارعة التغير.

في الأصل لا توجد فوارق ملحوظة وظاهرة في كيفية التغيير ولا توجد طريقة جاهزة ولا وصفة محددة يمكن إتباعها وصولا إلى نموذج في إعادة هيكلة قطاع الاتصالات. الواقع هو أن أغلب دول الشمال والجنوب قد بدأت في تنفيذ إصلاحات عميقة وجوهرية لسوق الاتصالات. الحقيقة هي أن المتغيرات السياسة والإستراتيجية أصبح لها نفس التأثير والفاعلية القيادية التي كانت حكرا على التكنولوجيا التي كثيرا ما يرجع إليها في الماضي لتحديد مستـقبل قطاع الاتصالات. يصعب أخذ نموذج دولة ما كقدوة يمكن الاهتداء برؤيتها لكيفية هيكلة قطاع الاتصالات والإعلام. هكذا فإن عناصر فرز نجاح نموذج دون غيره تبدو ظاهرة للعيان وسهلة التمييز حينا وصعبة الإفصاح أحيانا. فهي تتمظهر خاصة في مشاركة القطاع الخاص والمنافسة والتشريعات المنظّمة والانسجام مع الأولويات القومية أخذا بعين الاعتبار ظاهرة العولمة. وقد تختلف قيمة هذه المقومات وأولويتها من دولة إلى أخرى غير أن هذه العناصر تبقى من بين المحددات الأساسية في سياسات إعادة هيكلة قطاع الاتصال. [16]  

إن خطى الإصلاح في أغلب الدول في تسارع لإعادة الهيكلة الاتصال فبعض البلدان فصلت البريد عن الاتصالات والاتصالات عن الترددات والترددات عن الإنترنت ومنذ بداية هذا القرن لجأ عدد كبير من دول العالم الثالث إلى خصخصة متعهدي الاتصالات وفتح المجال أمام المنافسة وأن حمى الخصخصة لم يعد يوصدها أي باب من أبواب الاقتصاد الوطني والاستقلال الاقتصادي وغيرها من شعارات دولة ما بعد الاستقلال. إن خطي المنافسة في تواتر وازدياد من خلال منح رخص لفتح أسواق جديدة لخدمات الاتصال المتنقلة أو لتوفير البنية التحتية. من جهة أخرى فإن التقدم في بلورة السياسـات والقوانين المنظمة والمهيكلة للقطاع بشكل مناسب يسير ببطء. إن هذا المعطى على قدر كبير من الأهمية خاصة في البلدان النامية لأن سن قوانين واضحة والتأسيس لهيكلة سليمة سيحدد مستقبلا طبيعة العلاقة بين المستثمر الخارجي والأولويات الوطنية وبين مكانة القطاع العام في إطار المنافسة بين القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي من أجل تطوير المشهد الإتصالي والإعلامي في بعده الشمولي بعيدا عن الخلفية التسويقية الاحتكارية.

في هذا السياق تواجـه حكومات البلدان النامية ومنها الدول العربية مأزقاً في هيكلة قطاع الاتصالات، إذ تلاحظ الدولة ما في الخصخصة من مميزات حسـنة، ولكنها تعرف أنها إذا ما نفذت الخصخصة بشكل متوحش فإنها قد تفقد التحكم في هذا القطاع الحيوي والإستراتيجي. فهي بين مطرقة العولمة الاقتصادية للقطاع ومتطلباته التقنية والاستثمارية العالية وسندان حيويته وأهمية دعم ركائز الاقتصاد الوطني والهوية والثقافة المحلية. إنها حالة من التردد والحيرة خاصة عندما تكون الجهات المنظمة ضعيفة والبنية التحتية هشة، وعندما لا يقع أيضا تشريك المجتمع المدني في التفاعل مع هذا الملف الشائك. إن أغلب الشركات العالمية الكبرى في قطاع الاتصالات ترى أن الوسـائل والهيكلة المنظمة الضعيفة في الدول النامية تصب في أغلب الأحيان في مصلحتها. فعوامل ضعف الآخر نقاط قوة يفاوض بها المستثمر الأجنبي الدولة لتتنازل له بأقل الأثمان وبأفضل الامتيازات وينعكس ذلك لاحقا في عجز الحكومة على الحصول على ضمانات لتلبية الاحتياجات القومية للنمو الاجتماعي والاقتصادي بما ينسجم وثقافتها. وترى بعض الحكومات أن وضع سياسات واضحة وإدارة صلبة في قطاع الاتصالات هدفها تغيير هيكلة القطاع بما يتناسب واحتياجات الدولة يتطلب منها من الإمكانيات والوقت الشيء الكثير. في هذا الأطار فهي ترى أن للقطاع الخاص مسئولية متنامية في مساعدة القطـاع العام في إيجاد وسائل لتنفيذ سياسات الاتصالات ودعم استقلالية هذا القطاع الحيوي من مخالب الشركات العالمية المتربصة. إذا شارك القطاع الخاص في رسم السياسات، فإن على كل الجهات المشاركة في إعادة هيكلة المشهد الإتصالي والإعلامي أن تضع ضمن أولوياتها التقدم الاجتماعي للمجتمع، فهل يمكن للقطاع الخاص الضعيف وغير المنافس أن يعول عليه في ما هو إستراتيجي وحيوي كالاتصالات؟

خاتمة في سوسيولوجيا المجتمع الرقمي
      لم يرفع الفكر العربي المعاصر معرفيا من شأن فكرة الاتصال أو ما يطلق عليه هبرماس بالتواصل لتتحول إلى حقل اشتغال سياسي وفكري أصيل ليهجم علينا الاتصال الرقمي مع بداية الألفية دون سلاح معرفي نحتمي به ونغربل على هديه ما يقذف به الفكر الإنساني والآلة الاتصالية من نظريات وممارسات. فكرة الاتصال ما هي إلا نشر للآراء والتصورات والأفكار وخاصة تبادلها وتداولها بين الناس. إن قيمة الاتصال لا تكمن في ما في الفكرة من قيمة علمية أو دينية أو سياسية أي ما في الإنتاج الفكري من صحة أو خطأ بل في التسويق لها –حسب المفهوم الحديث للمعرفة- لتداول مضامينها ليترك الحكم للمجتمع وحده وهل به المناعة الثقافية الكافية لغربلة مضامين الأوعية الإتصالية قبل الحكم على الوعاء. ففي الغرب توجد أفكار وتصورات وتيارات رديئة لكنها محدثة لتوازن داخل المجتمع. إن صناعة الأفلام الجيدة في فرنسا مثلا تنتجها وبنسبة كبيرة عائدات الضرائب التي تفرض على الأفلام التجارية "الهابطة" التي تحقق أرباحا خيالية. فلو لا الأفلام التجارية لما وجدت أفلاما جيدة تعرف باسم سينما المؤلف طريقها إلى الجمهور. ضربنا هذا المثل للقول أن الحكم القيمي على الأفكار هو حكم قيمي على التقنية أيضا التي لا يجب أن نحد من انتشارها وإلا ستنمو سوقا سوداء لأفكار خليعة وأخرى متطرفة، وأخرى إرهابية. وتاريخيا لا يمكن أن نتجاهل أن الحكم القيمي ذو الخلفية الدينية أو السياسية أو الثقافية هو الذي كان وراء إقصاء أكثر من فكرة داخل المجتمعات العربية باسم الدين أو الهوية أو معاداة الاستعمار أو الإمبريالية.

عربيا يعود سبب تعطل آلة التسويق لتبادل الأفكار إلى عنصرين متلازمين يمكن تلخيصهما في إشكالية وعي الحرية وإدراك التقنية وهي معضلة فكرية إجرائية في كيف يمكن أن نفهم أن لا قيمة للفكرة مهما كانت طبيعتها إلا إذا شاعت بين الناس من خلال التداول. وحتى يمكن بلوغ ذلك فلا بد أن تكون حركة الوسائط الحاملة للأفكار(التقنية) شائعة الملكية وتحررية من حيث المضمون. إن تخلف الديمقراطية وممارستها في الوطن العربي لا يعود فقط إلى حصرها في بوتقة الشعار السياسي بل إن التخلف الديمقراطي يعود أيضا إلى تخلف في فهم أوعية الديمقراطية ووسائطها في الفكر العربي منذ بداية حركة الإصلاح. إن رفض الوسيط هو رفض لوعاء المعرفة والذي يطلق عليه في المجتمعات الحديثة بتقنيات الإعلام والاتصال. يؤدى هذا الرفض إلى نبذ انتشار الفكر وشيوعه وتداوله لأن التداول على السلطة وهو العمود الفقري للديمقراطية بالمفهوم الحديث ما هو إلا تداول على أفكار وتصورات ومناهج في كيف ندير الشأن العام بعد أن يقول الشعب كلمته في من ينوبه عبر الاقتراع. ولا قيمة للاقتراع الذي يضفي إلى تداول السلطات والرؤساء والبرلمانات والحكومات إذا لم تتوفر معركة فكرية عادلة على واجهة وسائل الإعلام التي هي الفيصل في تقريب صورة كل طرف سياسي إلى المواطن مهما كانت خلفيته الثقافية عن مشكلات الشأن العام. غير أن السؤال الذي يثير نفسه بقوة في المنطقة العربية هي كيف يمكن معايشة أو العودة إلى النموذج الكلاسيكي للديمقراطية الغربية والذي لازال يؤدى وظائفه بامتياز قبل أن تواجهنا وبشكل رجعي إشكالية تحول الاتصال والإعلام محليا ودوليا إلى صناعة وأقطاب عربية وأجنبية فائقة النفوذ.

فمن إعلام الدولة الإقصائي الموجه من طرف القبيلة أو الحزب أو الأسرة انقلب المشهد الإتصالي بفعل العولمة وتأقلم الأنظمة الإقليمية العربية مع المتغيرات الدولية (قطبية الغرب/محاربة الإرهاب/العولمة...) إلى امتداد جديد لهيمنة الدولة غير المباشر وتهميش للآخر في قضايا الشأن العام. هل يمكن الحديث في ضل صناعة الإعلام التي تشكلت بفعل القوة المادية والتقنية وشبكة لوبيات الاتصال والإعلام عن إمكانية مساهمتها الفعالة في إنجاح التداول السياسي في المنطقة العربية. إذا لم يكن كل من الإعلام والاتصال خاضعان لإدارة مشتركة بين كل فعاليات المجتمع فإنه يصعب التنبؤ بأي تغيير ديمقراطي لأن أوعية بث الأفكار وتداولها لم تخرج من رقابة الدولة. أقصيت المعارضة والجمعيات وهيئات المجتمع المدني وباتت للدولة فقط إمكانية مراقبة تحولات احتكار أباطرة الإعلام للمشهد الإتصالي الجديد. إن إعلاما واتصالا لا يساهم في تحديد أوليات المجتمع السياسية والثقافية والاقتصادية لا يمكنه أن يكون فاعلا في أي مشروع يسعى لتداول سلمي على السلطة كنتيجة حتمية لتداول أهم التصورات حول كيف ندير الشأن العام بالاعتماد على الرأي العام الذي تساهم وسائل الإعلام الحرة في بلورته بشكل محايد وموضوعي بعيدا عن أي توظيف اقتصادي أو سياسي.

هكذا تبدو لنا أن القراءة التاريخية للإعلام والاتصال تمكننا من التفكير في أن عصر الاتصال الإلكتروني ليس حصيلة ثورة تقنية فحسب بل أكثر من ذلك هو امتداد لثقافة فهمنا لتطور وسائل الإعلام التقليدي من خلال دفع للصناعات الثقافية وسلعنة البرامج الثقافية عبر تعدد شبكات تبادل الآراء والمعلومات. أصبح كل هذا ممكن في هذا العصر عبر فعل القائمين على سوق الكابل، تكنولوجيات الاتصالات وموفري خدمة الإنترنت في ضل فترة تتميز بتحرير تبادل السلع وانفتاح الأسواق. إن نشأة أية وسيلة اتصال أو إعلام تعتبر فكريا وتاريخيا نتيجة مسيرة وصيرورة طويلة الأمد ملبدة بالإنكسارات ومرصعة بالانتصارات، لذلك علينا مقارنة الوسيلة بما يقابلها اجتماعيا وثقافيا وخاصة وظيفيا فهي تخضع من خلال تأثرها وتأثيرها إلى نماذج من التطور تجمع بين الإنتاج والتوزيع وحضور المستهلك. فالقرص المضغوط يكمن تأطيره تاريخيا في مسيرة إنتاج الكتاب والأسطوانة في سياق منظومة أشمل هي ما نطلق عليها بعملية النشر. فتبلور الوسيلة الإعلامية ما هي إلا عصارة إلتقاء جملة من العوامل (ثقافية، تقنية، سياسية..) تأخذ من التقليدي لتضيف إليه ولا تقطع معه وأفضل دليل على ذلك محاكاة التلفزيون للإذاعة. إن هذا ما نطلق عليه بصلة القرابة بين وسائل الإعلام وهو ما لا نجد له صدى بارزا في الموروث الثقافي الإتصالي العربي الجديد منه والقديم. أكبر تحدى فكري وسياسي هو إيجاد جوهر العلاقة الثقافية والسياسية بين مختلف الأوعية لتحديد كيف يصاغ الوعي الجماعي من خلال وسيط فردي أو مشترك أحادي أو متعدد مندمج.

في هذا السياق يرى برنار مياج أنه من الضروري اعتبار أن اندماج الوسائط أو التعدد في الفضاء الميدياتيكي والإعلام (باعتبار أن الإعلام التقليدي هو العربة الخلفية أما المجتمع افتراضي فهو مصطلح في حاجة إلى التثبت) ما هو إلا تطور لتكنولوجيات الاتصال الحديثة التي تعتمد على تخصصات صناعية قائمة انطلاقا من مؤسسات وقواعد تسيير وثقافة مهنية متجذرة تاريخيا في قطاعات مثل الاتصالات والسمعي البصري وأجهزة الكومبيوتر[17]. إن هذه القطاعات الثلاث لها خصوصية واضحة تحد من الاندماج الطبيعي حول ظاهرة الملتميديا الذائعة السيط.

في النهاية فإن المجتمعات-سوسيولوجيا-تعتبر ظاهرة وحقل على قدر كبير من التعقيد حتى نجزم أنه من السهل أن تأتى نماذج سياسية أو اقتصادية أو فكرية قادرة بكل بساطة وبالاعتماد على التقنية الذكية للاتصالات على إحداث تغيير وبشكل جذري في بنية المجتمعات انطلاقا فقط من كونها تقنية فعالة حتى وإن كانت هذه التقنية في مجال الإعلام أو الاتصال. لذلك علينا أن لا نعزل عنصر فعل الإنسان ككائن ثقافي وفعل الزمن والتاريخ في تلقى الوسيلة الاتصالية والإعلامية الجديدة فتوجد التقنية وهي تتشكل في بعدها الظاهر والحيني وتوجد التقنية الاتصالية وهي تراث وحصيلة تفاعل تاريخي. إن بين الظاهر تقنيا في الاتصال اليوم والنتيجة الاجتماعية غدا تظهر اختلافات قد تصل في بعض الأحيان إلى التناقض. إن حركة المنظمات المهنية والجمعيات الأهلية والمجتمع المدني والفرد وهي ما يمكن أن نطلق عليها بالفعل السوسيولوجي عنصر فعال ومحدد أساسي في مسيرة التقنية الاتصالية في علاقتها بالموروث الإعلامي. في الأخير فإن الاتصال ومعه الإعلام في مفترق طرق بين الديمقراطية والرأسمالية، بين السوق الثقافية الاستهلاكية والخصوصية الثقافية المحلية، بين الرأي العام العفوي والرأي العام المعلب والمصطنع بين قضايا الشأن العام واشتداد عود الفردية الليبرالية، كل هذا بفعل الاتصال الرقمي الافتراضي الذي بدوره في حاجة إلى معايير علمية وقيم أخلاقية قد تأتى بها سوسيولوجيا المجتمع الرقمي.

المراجع

بالعربية

·                    يورغن هابرماس : العلم والتقنية ك"إ يديولوجيا"، ترجمة حسن صقر : منشورات الجمل، بدون تاريخ.

·                                                                                                                                                                                                  نعوم تشمسكي : الهيمنة أم البقاء : السعي الأمريكي للسيطرة على العالم : ترجمة سامي الكعكي، بيروت ، دار الكتاب العربي، 2004.

·                    يحي اليحياوي : في العولمة والتكنولوجيا والثقافة : مدخل إلى تكنولوجيا المعرفة، دار الطليعة، بيروت 2002.

·                    بيل جيتس : المعلوماتية بعد الإنترنت (طريق المستقبل ), ترجمة : عبد السلام رضوان, سلسلة عالم المعرفة 231, الكويت مارس 1998, 447 صفحة.

·                    نبيل على : العرب وعصر المعلومات : عالم المعرفة 184، الكويت ابريل 1993، 464 صفحة.

·                    فرانك كيلش : ثورة الإنفوميديا : الوسائط المعلوماتية وكيف تغير عالمنا وحياتك : ترجمة حسام الدين زكريا، سلسلة عالم المعرفة 253 ، الكويت 2000. 453 صفحة.

·                    جان بيار قارنيي : عولمة الثقافة : ترجمة عبد الجليل الأزدي : الدار المصرية اللبنانية، مصر 2003 .

·                    معز النقري : المعلوماتية والمجتمع : مجتمع ما بعد الصناعة ومجتمع المعلومات : المركز الثقافي العربي، 2001.

·                    مايكل هيل : أثر المعلومات في المجتمع: دراسة لطبيعتها وقيمتها واستعمالها، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2004.

·                    عمر مهيبل : إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة : الدار العربية للعلوم، المركز الثقافي العربي، منشورات الاختلاف، بيروت، 2005.

·                    عبد الرحمان عزي : دارسات في نظرية الاتصال : نحو فكر إعلامي متميز، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2004.

·                    أرمان ماتلار : اكتشاف المواصلات، دار الفرابي، بيروت 2004.

·                    بريستون غرالا : تقنيات البث والاتصالات اللاسلكية، ترجمة : مركز التعريب والترجمة، الدار العربية للعلوم، بيروت 2002.

·                    راسم محمد الجمال : تطور نظم الاتصال في المجتمعات المعاصرة، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2001.

·                                                                                                                                                                                                        مي عبدالله السنو : الاتصال في عصر العولمة، دار النهضة العربية، بيروت 2001.

·                    محمد عارف :  تأثير تكنولوجيا الفضاء والكمبيوتر على أجهزة الإعلام العربية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 1997.

·                    جمال الزرن : تساؤلات عن الإعلام الجديد والإنترنت : العرب وثورة المعلومات (كتاب جماعي) منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2005. ص : 109-125.

بالفرنسية :

·                                                                                                                                                                                                                                       MIEGE Bernard : La société conquise par la communication, T2, La communication et entre l`industrie et l`espace public, Grenoble, PUG, 1997.

·                                                                                                                                                                                                                                       Philippe BRETON et Serge PROULX, L'Explosion de la communication à l'aube du XXIe siècle, Paris : La Découverte ; Montréal : Boréal, 2002, 400 p.

·                                                                                                                                                                                                                                       BOUGNOUX Daniel :La communication contre l'information, Hachette, Paris, 1995.

·                                                                                                                                                                                                                                       WOLTON Dominique : Penser la communication, Flammarion, Paris, 1997.

·                                                                                                                                                                                                                                       L`Information au Maghreb : (collectif), Ceres Productions, Tunis, 1992.

·                                                                                                                                                                                                                                       HUBERMARS Jurgen : Théorie de l`agir communicationnel, Fayard, Paris, 1987.

·                                                                                                                                                                                                                                       BALLE Francis : Médias et sociétés : de Gutemberg à Internet, Montchestient, Paris, 1997. MATTELART Armand, Histoire de la société de l'information, Paris : La Découverte, 2001Repères, 124 p.

·                                                                                                                                                                                                                                        LEVY Pierre : l`intelligence collective, pour une anthropologie du cyperespace, Paris, La Découverte, 1994.

·                                                                                                                                                                                                                                       FLECHY Patrice : La question de la technique dans les recherches sur la communication, Reseaux, numero, 50, 1991.



[1] أنظر النموذج الخليجي وخاصة البحريني  أين توجد وزارة للإعلام ألحقت بها إدارة للثقافة وقد شهدت أغلب الدول العربية مثل هذا النموذج أو وزارة الثقافة والإعلام بالإمارات العربية المتحدة.

[2]Marc FUMAROLI : L'Etat culturel : essai sur une religion moderne, Paris, Editions de Fallois, 1992, 410 p.

 

[3] أو بلا وزارة لكن عبر إدارتين طبقا للنموذج التونسي واحدة هي الإدارة العامة للإعلام تابعة لمجلس الوزراء- الوزارة الأولى وأخرى يطلق عليها الوكالة التونسية للإتصال الخارجي.

[4] راجع قانون الإتصالات المغربي، البحريني أو الأردني .

[5] منذ بداية القرن أسست في أغلب الدول العربية هيئات للإتصال مثل الأردن والبحرين وغيرها من الدول.

 [6] معز النقري : المعلوماتية والمجتمع : مجتمع ما بعد الصناعة ومجتمع المعلومات : المركز الثقافي العربي، 2001.

 [7]في بعض الأحيان يقع تغيير في مهام ووظائف وزارات الإعلام في الوطن العربي عند كل تحوير وزاري.

[8]Ignocio Ramonet : Tyranie de la communication, Paris, édition Galilée, 1999.

[9] Bernard Miège: La Société conquise par la communication  : La communication entre l`indutrie et l`espace public, ,PUG, 1997.

[10] ماكبرايد : عالم واحد وأصوات متعددة، تقرير لجنة الإعلام باليونسكو، 1982.

[11]Ignacio Ramonet : Le cinquième pouvoir, Le Monde diplomatique, Octobre 2003.

[12]Ignacio Ramonet : op.cit.

[13] إحصائيات الإتحاد الدولي للإتصالات.

[14] يمكن الرجوع إلى كتاب المفكر الفرنسي دومنيك فالتون بالفرنسية وعنوانه "يجب إنقاذ الإتصال" أين يرى أنه بقدر ما يكون الإتصال حاضرا تتقلص الحروب وكلما غاب الإتصال بين الشعوب إحتدم الإقتتال.

[15] يمكن ذكر دخول شركة فرانس تلكوم إلى كل من سوق الإتصالات في المغرب وتونس والأردن، وبعض الشركات الأمريكية في الخليج والعراق وشركة فودافون في الكويت والبحرين ...

[16] راجع تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات "تطور الاتصالات في العالم" لعام 1994  World Telecommunication Development Report  الذي يرى هذا التقرير والذي كان ملهما لعديد الدول في وضع خيارات لإعادة هندسة خدمات الاتصالات العمومية أنه توجد طرق مختلفة لإعادة هندسة قطاع الاتصالات عامة. إن العوامل الخارجية كالسياسة والوضع الجغرافي والثقافي والتطور التاريخي تحدد كيفية إعادة الهيكلة، غير أن الهدف الأساسي الإستراتيجي هو استقلال قطاع الاتصالات عن الحكومة فيما يتعلق بالعنصر الإداري والمالي.

[17] MIEGE Bernard : La société conquise par la communication, T2, La communication entre l`industrie et l`espace public, Grenoble, PUG, 1997.

 
الهوامش

[1]  Numérique

[2]Pierre LEVY : World Philosophie. Le marché, le cyberespace, la conscience, Paris : Odile Jacob, (2000), Le champ médiologique.  

[3] تحكم الولايات المتحدة الأمريكية في شبكة الإنترنت بنسبة 100 %.

[4] كان الإعلام الجديد موضوع الملتقي العلمي الدولي الذي عقد في دبي في أكتوبر 2003 تحت رعاية جامعة زايد بدبي والجمعية العربية الأمريكية لبحوث الإعلام والاتصال .

[5]أرمان ماتلار : اكتشاف المواصلات، دار الفرابي، بيروت 2004.

 [6] الإتحاد الدولي للاتصالات (موقع واب).

النموذج التونسي.[7]

[8]  Philippe BRETON et Serge PROULX, L'Explosion de la communication à l'aube du XXIe siècle, Paris : La Découverte ; Montréal : Boréal, 2002, 400 p.

[9] أشرف صلاح الدين : الإنترنت... عالم متغير، الطبعة الأولى 2003، مركز الحضارة العربية، القاهرة.

[10]بريستون غرالا : تقنيات البث والاتصالات اللاسلكية، ترجمة : مركز التعريب والترجمة، الدار العربية للعلوم، بيروت 2002.

[11] مصطفي المصمودي : النظام  الإعلامي الجديد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1985.

[12] MAC LUHAN Marchal : La galxie de Gutemberg, 

[13]FLECHY Patrice:  FLECHY Patrice : La question de la technique dans les recherches sur la communication, Reseaux, numero, 50, 1991.

[14]EISENSTEIN (Elisabeth) : La révolution de l`imprimerie dans l`Europe des premiers temps modernes-Paris, La Découverte, 1991.

[15] نقصد به الخطاب المكرر عن ما حققه العرب من إكتشافات علمية وهو خطاب لا يوظف في أغلب الأحيان في محله وهو عبارة عن نرجسية عربية قديمة وميتة في حاجة إلى تأطير صحيح.

[16] قانون المطبوعات القطري، الكويتي، الأردني...

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home