مقعد وراء التلفزيون : الإعلام والإتصال والمجتمع
مدونة إفتراضية تهتم بقضايا الإعلام العربي والدولي والصورة في زمن العولمة: "المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية" : ريجيس دوبريه-
الإتصال : من التاريخ الاجتماعي إلى مجتمع ما بعد الحداثة

موجز عن "تاريخ نظريات الاتصال" : لأرمان وميشال ماتلار

 

الدكتور جمال الزرن-جامعة منوبة

 

 

"لم يعد هناك تاريخ، ولا واقع، ولا حقيقة، إن عالم الاتصال ينفجر تحت ضغط تعددية العقلانية المحلية، والعرقية والدينية.

وإن تحرر هذا التنوع يمكن أن يكون"فرصة الوسيلة الجديدة في أن نكون "أخيرا" بشرا". ص : 200.

 

 

 

1- عن هذه الترجمة :

الهدف من هذا العمل في المقام الأول هو تقديم الكتاب المعنون ب"تاريخ نظريات الاتصال" وهو كتاب من تأليف كل من أرمان وميشال ماتلار الأستاذان بجامعة باريس الثامنة، وقام بنقله إلى اللغة العربية كل من نصر الدين لعياضي والصادق رابح ونشرته سنة 2006 "المنظمة العربية للترجمة".[1] غير أن تقديمنا سيخرج عن التقليد السائد في عرض الكتب، ذلك إننا نطمح من وراء هذه المناسبة وبشكل موجز بيان دوافع الترجمة وإنعكاساتها على مستقبل وواقع الدراسات الإعلامية والاتصالية في الوطن العربي والتي تعيش حالة من غياب الهوية، تؤرق الباحثين الشباب. وفي هذا السياق فإن ما قامت به المنظمة العربية للترجمة والتي يشرف عليها أكاديمي وعالم إجتماع محدث في حقله وهو الباحث  التونسي الطاهر لبيب، يدفعنا إلى مدى تنبه القائمون على هذه الدار من أن الترجمات العربية في  مجال علوم الإعلام تعانى من ندرة، تساهم في ضعف حضور هذا التخصص في الأكاديميا العربية وفي الشأن الثقافي.

قرأنا كتاب ميشال وأرمان ماتلار في نسخته الفرنسية[2]، فالكتاب يوفر مادة علمية ثرية وعرضا موجزا للمناهج والمقاربات الفكرية التي إعترضت علوم الإعلام والإتصال منذ بداية النهضة الأوروبية وصولا إلى عصر ما بعد الحداثة. وجدنا النص الأصلي-الفرنسي-للكتاب منغلقا على التاريخ الأوروبي، وزادت اللغة في الشعور باليائس بأن علوم والإعلام والإتصال هي علوم غربية وليدة فلسفات ومناهج في المعرفة تعود إلى عقدة المركزية الأوروبية، وتضائل عندنا أمل العثور على كتاب غربي في هذه القيمة يشير أو يلمح من قريب أو من بعيد إلى وجود شعوب أخرى تتواصل وتجتهد بما أتيح لها من جهد وتراث في البحث والكتابة في نظريات الاتصال. جاءت النسخة العربية من نفس هذا الكتاب لتغير فتضيف الجديد لقراءتنا الفرنسية للأثر ولنسق الكتابة التاريخية الخطية للمؤلفين. قرأنا الكتاب المنقول وقد خرج من أسر اللغة الفرنسية فبدت لنا كل تلك النظريات والأفكار وهي معربة قريبة منا كباحث عربي يهتم بعلوم الإعلام والإتصال.

فما كان تاريخا غربيا لنظريات الاتصال تحول عبر الترجمة وحضور اللغة العربية إلى نص ينطق لغتنا وهو ما يمكننا من فرضية تبيئته هذه العلوم، إذا ما أراد أي باحث أن يستفيد من كل ذلك الكم الهائل من المعلومات والنظريات التي يطفح بها كتاب أرمون وميشال ماتلار. ولعل هذا هو دور الترجمة وهو إخراج النص المنغلق على لغته وتحويله إلى لغة أخرى لتحيا به من جديد وهو ما يعنى نقله إلى ثقافة أخرى وخاصة عندما يتعلق الأمر بتخصص متعدد الإشغالات الفكرية، متجدد التقنيات فقير الإرث في الدرس الأكاديمي العربي كعلوم الإعلام والاتصال. يوجد فرق بين أن يقرأ أي باحث كتبا باللغة الإنجليزية أو الفرنسية ويستشهد ببعض أفكارها أو فقراتها، في دراسة أو كتاب من إعداده، وأن نجد ترجمة لأثر متكامل البنية والمرجعية الفكرية. وهو ما يحيلنا إلى ضرورة التفريق بين الترجمات الذاتية ذات المنفعة الحينية (كتاب مقرر) والترجمات المؤسسة على خلفية وحاجة بحثية إستراتيجية وهو توجه قليل الحضور في أغلب ما له صلة بالفكر العربي المعاصر. وهنا علينا أن نرد لأصحاب الترجمة حقهم العلمي والأكاديمي، وهو أن ترجمة هذا الكتاب إن كان لها أن ترى النور فالأولى بها هما الأستاذان نصر الدين لعياضي[3]والصادق رابح[4]أستاذا الاتصال بكل من جامعتي الجزائر والإمارات العربية المتحدة.

ففي كل ما تقذف به المكتبة العربية من أدبيات لها صلة بعلوم الإعلام والاتصال-على قلتها-تتربع إنتاجات الأكاديميين الجزائرين على سلم الإسهامات النوعية ذات الخلفية المعرفية. وتتميز جهودهم برغبة جامحة وأصيلة في تبيئة علوم الإعلام والإتصال قل نظيرها في المنطقة العربية رغم الحضور الكمي التواضع لها. ويستهدف هؤلاء الجامعيين من أهل الجزائر ضربين من الفعل الأكاديمي : الأول يتمثل في الترجمة ونقل أهم إتجاهات البحوث والدراسات الإعلامية في الغرب بشقيه الإنجلوسكسوني والأوروبي، والثاني يظهر لنا في محاولات لقراءة تراثية لعلوم الإعلام والإتصال في الثقافة العربية الإسلامية. فقد كان نصر الدين لعياضي من بين المبشرين بترجمة عدد من الدراسات الفرنسية الناشئة في علوم الإعلام والإتصال مثل أرمان ماتلار ودانيال بونيو وبيار بورديو، في كتابه "وسائل الاتصال الجماهيري والمجتمع"[5]. من جهة أخرى كان لعبد الرحمان عزي وهو خريج الجامعات الأمريكية الفضل في إستهداف الموروث الإتصالي العربي الإسلامي من خلال قراءات سوسولوجية لعبد الرحمان ابن خلدون ومالك بن النبي[6]، هذا بالإضافة إلى كتاب عمر مهيبيل "إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة".[7]وإذا ما أردنا فسح مجال أكثر لفرضيتنا لقلنا أنه منذ بداية التسعينات من القرن الماضي إمتدت تيارات التأصيل الفكري والتاريخي النظري في أدبيات الإتصال والإعلام في المنطقة العربية، ويمكن –والمجال لا يسمح-التوقف عند كل من تجربة صالح أبو أصبع[8]وعصام سليمان موسي[9]وكلاهما من الأردن : الأول كتب عن إبن خلدون أيضا والثاني خصنا بكتاب عن "العرب وثورة الاتصال" الأولى أي الكتابة، واجتهادات راسم الجمال من مصر عن الإعلام والاتصال في العالم العربي.[10]

نعود إلى الجزائر وبشكل مقتضب وبالتحديد إلى جامعة الجزائز التي إشتغل بها هذا الجيل  والتي تكاد تكون الجامعة الوحيدة في الوطن العربي التي لا يوجد بها قسم أو كلية للإعلام والإتصال بشكل منفرد. في جامعة الجزائر تعتبر علوم الإعلام والإتصال ملحقة بكلية العلوم السياسية ولازال قسم الإعلام يترعرع في ظل تخصصات وعلوم ضاربة في القدم وفي الصرامة الأكاديمية، كما أن الفضاء البحثي الذي تنمو فيه بحوث الإعلام والاتصال في جامعة الجزائر هو "المجلة الجزائرية للبحوث السياسية والإعلامية". في بقية الدول العربية ومنذ بداية التسعينات إتجهت كل أقسام الإعلام والاتصال إلى الاستقلالية الأكاديمية وهو إعلان على ميلاد قطيعة إبستمولوجية بين نظريات الإتصال والنظريات السياسية والإجتماعية وغدت تلك الكليات والأقسام عبارة عن مجموعة معلقة من المختبرات في فنون الملتميديا والإخراج والتصوير، فهي توشك أن تتحول إلى مراكز لتكوين الفنيين، فركنت الخلفية الأكاديمية بعيدا لصالح مرجعية تسييرية براغماتية تتستر وراء ثورة المعلومات والإتصال والعولمة وإحتياجات السوق وغيرها من الشعارات التي لا يستقيم لها حال عندما نغوص في ماهية العملية الإتصالية وصلاتها بالمجتمع والسياسة والاقتصاد وخاصة في الحالة العربية. 

من هذا المنشأ ظهر نصر الدين لعياضي خريج الجامعة الفرنسية وعبد الرحمان عزي وقبلهم إبراهيم الإبراهيمي ومعهم جيل كامل من الباحثين الشباب، وهو ما لم يقطع صلة هؤلاء بالتقاطعات الكبرى لعلوم الإعلام والإتصال من علوم إجتماعية وسياسية ونفسية وإقتصادية[11]. في بقية الأقطار العربية تنبأ القطيعة بين حقول المعرفة الكبرى وعلوم الإعلام والإتصال إلى قطيعة معرفية ونسف لمجمل المرجعيات التي على أساسها ظهرت ولازالت علوم الإعلام والإتصال والتي تعتبر وبشهادة الجميع أنها تخصص متعدد ومتداخل لا يمكن عزله عن محيطه السوسيولوجي والسياسي. أردنا في هذه المقدمة وقبل العودة إلى محاور وفصول الكتاب بيان أن هذا المؤلف المترجم وفي هذه الفترة أي 2006 له أكثر من دلالة فهو مؤشر على وجود حراك داخلي في علوم الإعلام والاتصال في المنطقة العربية، ينزع إلى التأصيل ويبحث عن اعتراف أكاديمي ومعرفي.

2- العمق التأليفي :

نأتي إلى الكتاب والذي يمكن وصفه بالكتاب التأليفي synthese فهو خلاصة لأهم الاتجاهات الفكرية والمعرفية التي على هديها أخذت علوم الإعلام والإتصال في الغرب صورتها الحالية وهي إحدى ركائز قوة الكتاب. ونتفهم  في مجال البحث العلمي الأكاديمي قيمة وعناء المغامرة التأليفية ومزاياها. ميزة الكتاب الثانية هو أنه جاء عبارة عن ذهاب وإياب بين المدرسة الإنجلوسكسونية ذات الأصول الأوروبية والمدرسة الأوروبية الصرفة. فنحن نعرف أن الحرب العالمية الثانية دفعت بخيرة النخب والباحثين الألمان والمجاورين لألمانيا وخاصة منهم اليهود إلى الهجرة لأمريكا والتفاعل مع إتجاهات جديدة هناك ليتركوا بصمات النزعة الأوروبية التجريدية والذهنية في مواجهة نزعة براغماتية إجرائية أمريكية في معالجة البحوث الإجتماعية. وهو ما يدفعنا إلى ضرورة التأكيد على وجود حالة من التداخل والغليان الفكري بين أغلب الاتجاهات البحثية في هذا التخصص وأن حدود التبان تبدو ضئيلة في أكثر من موضوع.

يحتوى الكتاب المترجم على سبعة فصول ومقدمة للمترجمين ومقدمة للمؤلفين وثبت للمصطلحات وترجمتها من اللغة العربية إلى الفرنسية هذا بالإضافة إلى قائمة ببليوغرافية غنية لكل باحث معنى بتاريخ وإمبستيمولوجيا نظريات الاتصال. في مقدمة الترجمة وضعا المترجمان وبإيجاز أكاديمي الإطار الذي تتنزل فيه هذه الترجمة والمكانة الأكاديمية والعلمية التي يتمتع بها أرمان متلار طيلة مسيرته البحثية والتي لا يمكن عزل نتائجها عن تحولات المشهد الإعلامي والاتصالي في دول الجنوب وبصفة خاصة في منطقة المغرب العربي. فقد عرفت كتابات أرمان متلار العديدة ذيوعا كبيرا وترجمت إلى لغات عدة مع بعض الإستثناءات العربية. فبالإضافة إلى عوامل عدة دفعت بالمترجمين إلى إختيار هذا المؤلف للترجمة، فهما يقدمان عاملا آخر يتمثل في ابتعاد كتابات ماتلار عن التجميع والتقرير، وتميزها بالشمولية، والتحليل النقدي "فمتلار لا يقف منددا بهذا التيار أو ذاك"[12]. ويبدو أن السبب المباشر من وراء هذه المغامرة في الترجمة يعود بالأساس إلى "إمكانية أن تشكل نظريات الإتصال المدخل الصحيح لمناقشة الثقافة العربية، لأنها تسلح كل دارس بأدوات لإعادة النظر في ما يعتبر مسلمات، وتوجيه نظره إلى المسكوت عنه، وغير المفكر فيه، في زمن المطلق العربي الذي يأسر كل مسائلة"[13]. لعل هذا هو أحد أسباب انشغالنا بعرض وتقديم مفردات هذا الكتاب كمساهمة في التعريف به، لأنه كتاب يتجاوز الاتصالي لنقد المعرفي الكامن فيه.

أما مقدمة المؤلفان فجاءت أكثر إيجازا وتمحورت حول الإشكالية القديمة المتجددة شرقا وغربا والتي أشرنا إليها، ألا وهي مفهوم الإتصال وعلميته. يقر المؤلفان بأن مفهوم الاتصال هو إحالة على دلالات عدة، وأن تعدد التقنية جعل من الإتصال قيمة محورية لمجتمعاتنا ونحن في بداية الأفية الثالثة. كما يقران أيضا بقاعدة ثانية تتمثل في أن علوم الإتصال هي من العلوم القليلة التي تتكثف وتتقاطع فيها مجموعة من العلوم، إذ يعتبر علما/ملتقى للكثير من التخصصات العلمية Interdisciplinary))[14]. ويقدم المؤلفان الهدف من مشروع هذا الكتاب "فهو يسعى إلى تعريف القارئ بالتعددية والإنشطارات/التوزع التي يعرفها هذا الحقل المعرفي، الذي يتموقع، تاريخيا، بين الشبكات المادية وغير المادية، بين البيولوجي والإجتماعي، بين الطبيعة والثقافة، بين الدراسات الشاملة والمحدودة، بين القرية والكرة الأرضية، بين الفاعل الإجتماعي والنسق الإجتماعي، بين الفرد والمجتمع، بين حرية الإختيار والحتميات الاجتماعية." [15]

3- النظام الاجتماعي :

جاء عنوان الفصل الأول من كتاب أرمان وميشال متلار "تاريخ نظريات الاتصال" يحمل عنوان "النظام الاجتماعي" وهو عنوان به أكثر من دلالة فكرية، فقد دأبت المقاربات المهتمة بالتأريخ لنظريات الإتصال إلى إعتماد الخلفية التقنية في تتبع تبلور هذا الضرب من المعرفة وخاصة في الأدبيات الإنجلوسكسونية[16]. فقد شهد القرن التاسع عشر ظهور الأنظمة التقنية الأساسية للاتصال، وتكريس مبدأ التبادل الحر، إذ يعتبر القرن الذي احتضن ميلاد رؤى وأفكارا تأسيسية ترى في الاتصال عامل اندماج وتواصل للمجتمعات الإنسانية. فقد تضمن مفهوم الاتصال، في نهاية القرن، فكرة إدارة التنوع الإنساني، بعد أن تمركز، في البداية، في مسألة الشبكات الفيزيائية (المادية)، وغدا أساسا لأيديولوجيا التقدم. وقد تم إستيحاء التصورات الأولى لـ"علم الاتصال" من الفكر الذي يرى في المجتمع كيانا عضويا، أو مجموعة أعضاء تؤدي وظائف متكاملة محددة بدقة. ويعتبر المؤلفان في هذا الفصل أن اكتشاف التبادلات والتمدد الاقتصادي القائم على قاعدتي "تقسيم العمل" وفكرة "الشبكة" والتكامل العضوي وتحديدا فكرة "المخيال الشبكي" (الهاتف، الإتصالات الإذاعية، الكابل التحتمائي...)، هذا بالإضافة إلى مفهوم التطور الذي أعتبر من المفاهيم المحورية المؤسسة لتحليل أنظمة الإتصالات. وفي سياق آخر تبدو إدارة التعدد القائمة على خلفية الإحصاء الأخلاقي والإنسان المتوسط من المحاور المستجدة في النظام الاجتماعي الجديد كما بشرت به الفلسفة الغربية في القرن التاسع عشر. ومن بين مميزات هذا النظام تبلور فكرة "سيكلوجيا الحشود" أو بالتعبير التجاري الحديث "الجمهور" والتي تزامن ظهورها مع النقاشات الواسعة حول الطبيعة السياسية للرأي العام الذي تم تحريره من الإكراهات التي كانت مفروضة على حرياته، ولا سيما حرية التجمع. فقد نجحت هذه العبارة|المفهوم وأسند لها مضمونها المعرفي كل من السوسيولوجي الإيطالي سيبيو سيغل والطبيب الفرنسي المختص بالأمراض النفسية غوستاف لوبان وقد تبنى كل منهما الرؤية القائلة بإمكانية التحكم التوجيهي التضليلي في المجتمع.   

4- التصورات الإمبيريقية للعالم الجديد

ارتبط الاتصال في الولايات المتحدة منذ العقد الأول من القرن العشرين بمشروع بناء علوم اجتماعية مؤسسة على قواعد إمبيريقية، حيث مثلت "مدرسة شيكاغو" نقطة الانطلاق الأولى لهذا المشروع والذي تعتمد في قراءتها على المدينة بوصفها "صورة طيفية للمجتمع". فمقاربتها الميكروسويولوجية لدور أساليب الاتصال في تنظيم الجماعات البشرية تتناغم مع فكرها حول دور الأدوات العلمية المعرفية في الوصول إلى حلول للإختلالات الاجتماعية الكبرى[17]. وقد سادت أطروحات هذه المدرسة إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. أما سنوات الأربعينات، فقد عرفت ظهور تيار جديد، اشتهر باسم "بحوث وسائل الاتصال"، وهو ينزع في قراءته للظواهر التي يدرسها إلى التحليل الوظيفي، معتمدا في مقاربته البحثية على الدراسات الكيفية التي رأى أنها أفضل الأدوات المنهجية في الاستجابة لما يطرحه القائمون على وسائل الإعلام. ويعالج الفصل الثاني "التصورات الإمبيريقية للعالم الجديد" المنهجية الإثنوغرافية (الدراسات الشاملة للأحياء، الملاحظة بالمشاركة...) التي تهتم بدراسة التفاعلات الاجتماعية التي أسست لظهور سوسيولوجيا فرعية مهتمة بالتجليات الذاتية للفاعل الاجتماعي. وقد تأثرت، في طرح هذا التوجه بالفلسفة البراغماتية/الذرائعية الأمريكية. ويمكن في هذا السياق التوقف عند أعمال عالم الرياضيات والمنطق تشرلز بيرس مؤسس البراغماتية والسيميائية كمنهجية استجلاء مفاهيمي في وضع أسس نظرية العلامات أو السيميائية.

في مقاربة تاريخية يذهب الباحثان إلى أن ظهور المفاهيم الأولى لتيار بحوث وسائل الاتصال الجماهيري يعود إلى سنة 1927، ويعتبر كتاب هارولد لاسوال (1902-1978) "تقنيات الدعاية خلال الحرب العالمية" من المؤلفات الأولى التي قدمت قراءة لحرب 1914-1918 الموصوفة بالحرب الشاملة. فقد أظهرت الحرب أن وسائل الاتصال قد غدت أدوات ضرورية في إدارة الرأي العام من طرف الحكومات، سواء تعلق الأمر بالرأي الموجود في الدول الحليفة أو في الدول المناوئة. وقد عرفت تقنيات الاتصال في هذه الفترة مثل التلفون والسينما والإذاعة قفزات كبرى لم تعرفها من قبل. واعتبر لاسوال أن الدعاية تتناغم مع الديمقراطية، فهي تمثل الوسيلة الوحيدة في خلق الانتماء والولاء لدى الجماهير إضافة على كونها تمثل أكثر اقتصادية من العنف، والفساد والتقنيات الأخرى من هذا النوع، وقد أصبح يطلق على هذا الأسلوب في الاتصال في بعض أدبيات السياسة الأمريكية اليوم ب"القوة الناعمة" (Soft power).

من ؟ ماذا يقول ؟ من خلال أية قناة ؟ لمن ؟ وبأي أثر ؟ إنها كما يقول المؤلفان الصياغة التي خلقت شهرة لاسوال، التي تبدو لأول وهلة خالية من الغموض. فلقد توصل لاسوال سنة 1948 إلى تزويد السوسيولوجيا الوظيفية لوسائل الإعلام بإطار مفاهيمي، بعد أن ظلت لسنوات عديدة لا تتجاوز مجموعة من دراسات الحالة. وعند ترجمتها إلى أقسام بحثية يمكن استخراج الفروع التالية : "تحليل التحكم والرقابة"، "تحليل المحتوى"، "تحليل وسائل الإعلام أو الحوامل"، دراسة الجمهور" ، و"دراسة التأثيرات"

5- نظرية المعلومات        

ضمن سياقات ديناميكية تميزت بالحرص على نقل النماذج العلمية الخاصة بالعلوم الدقيقة إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية، لعبت نظرية المعلومات، منذ نهاية الأربعينات، دورا مركزيا في هذا التوجه[18]. فقد حصلت فكرة "المعلومات" اعتمادا على الآلات الاتصالية التي أفرزتها الحرب، على شرعيتها النهائية باعتبارها رمزا يمكن إخضاعه للتكميم (من كمية)، وقد مكنها هذا التموضع الجديد من أن تصبح أداة ربط أساسية تضمن تبادلا مفاهيميا حرا بين التخصصات.

وفي سياق عرض دلالة المعلومات والنسق في محاولة لأرخنة نظريات الاتصال وتحديدا عند الحديث عن "النموذج الشكلي" نشر الأمريكي كلود إيلوود شانون سنة 1948 دراسة تفصيلية بعنوان "النظرية الرياضية للاتصال"، وذلك في إطار منشورات بحوث مختبرات "بال سيستم Ball System"  أحد فروع مؤسسة الإتصالات الأمريكية المعروفة باسم "أ-ت-تTelephone   ATT: Americain telegraph". في السنة اللاحقة تحولت هذه الدراسة إلى كتاب طبعته جامعة إيلنوا، متضمنا تعليقات وشروحات وارن ويفر منسق البحوث حول الحاسبات الآلية الكبيرة خلال الحرب العالمية الثانية.

واقترح شانون بنية "نظام عام للاتصال"، إذ كتب مشيرا إلى أن مشكلة الاتصال، بالنسبة له تكمن في إعادة إنتاج رسالة ما بطريقة دقيقة أو تقريبية من نقطة ما مختارة إلى نقطة أخرى. ففي هذه البنية الخطية، حيث تحدد الأقطاب مصدرا ونهاية، يرتكز الاتصال على المكونات الآتية : المصدر (Source) أي المعلومة الذي يقوم ببث الرسالة (الحديث الهاتفي)، المشفر (Encoder) أو المرسل الذي يقم بتحويل الرسالة (Message) إلى إشارات قابلة للإرسال (يقوم الهاتف بتحويل الصوت إلى ذبذبات كهربائية)، والقناة (Channel)، وهي الوسيلة المستخدمة في نقل الإشارات (الكابل الهاتفي)، ومفسر الشيفرة (Decoder) أو المتلقي، الذي يقوم بإعادة بناء الرسالة بالاعتماد على الإشارات، وأخيرا الوجهة (destination)، وهي الشخص أو الشيء الذي تنقل إليه الرسالة. إن هدف شانون من هذا النموذج هو رسم الإطار الرياضي الذي يمكننا من حساب تكلفة رسالة ما، أو اتصال ما بين وحدات هذا النظام في سياق اضطرابات عشوائية غير مرغوب فيها أطلق عليها تسمية " التشويش" ويحيل التشويش كما يرى شانون على كل ما يمكن أن يمنع التوافق أو التناغم بين القطبين. فإذا ما أردنا تخفيف التكلفة إلى حدودها الدنيا، وجب علينا نقل الإشارات المناسبة بأقل التكاليف.

أما فيما يتعلق بالمرجعية السيبرنيطيقية فقد نشر نوربرت وينر أستاذ شانون كتابه "السيبرنيطيقا أو التحكم والاتصال عند الحيوان والآلة" وقد ضمنه رؤية لمسألة التنظيم داخل المجتمع المستقبلي القائمة على مادة أولية جديدة ستظهر قريبا وتتمثل حسب رأيه، في "المعلومة". وبالرغم من أنه دعا بكل قوة إلى تخليق هذا النموذج الأعلى لـ"مجتمع المعلومات"، هذه "الطوباوية الجديدة"، إلا أنه حذر في نفس الوقت من مخاطر الانحرافات التي قد يحملها. فالتدهور، كالنزوع للطبيعة على تدمير ما هو منظم وتسريع ظاهرة التخريب البيولوجي والفوضى الاجتماعية، يمثل الخطر الأعظم الذي يجب تحاشيه وقد كتب وينر بهذا الخصوص "إن مجموع المعلومات في نظام ما هو مقياس درجة تنظيمه، والتدهور هو مقياس درجة فوضويته، حيث أن كل منهما يمثل الوجه السلبي للآخر".

ظهرت خلال الأربعينات من القرن الماضي جماعة من الباحثين الأمريكيين من مشارب أكاديمية مختلفة بينهم أنثروبولوجيين (علماء أناسة) وعلماء ألسنية، ورياضيات وسوسيولوجيا وعلم النفس، وقد اتخذت نهجا معاكسا للنظرية الرياضية لشانون التي بدأت في الطريق إلى فرض نفسها كمرجعية مركزية. بدأ تاريخ هذه المجموعة والتي عرفت باسم "المجمع الخفي" أو مدرسة "بالو ألتو" نسبة إلى مدينة صغيرة في إحدى الضواحي الجنوبية لسان فرنسيسكو في سنة 1942 بمشاركة غوفمان Goffman وواتزلويك Watzlawick. لقد تركت الجماعة النموذج الخطي للاتصال لشانون، وتبنت النموذج الدائري الارتدادي الذي اقترحه وينر، إذ اعتبرت أنها أولى بالنظرية الرياضية، وأن الاتصال يجب أن يكون حقل دراسات العلوم الاجتماعية بناء على نموذج خاص بها.

6- الصناعة الثقافية، الأيديولوجيا والسلطة

درست السوسيولوجيا الوظيفية وسائل الإعلام بوصفها أدوات جديدة للديمقراطية الجديدة، وآلية مركزية في تنظيم المجتمع. وصاغت في هذا السياق نظرية تعطى الأولوية لمسألة إعادة إنتاج القيم المجتمعية للنظام، أي الأوضاع الاجتماعية القائمة. في المقابل فإن المدارس الفكرية النقدية سعت إلى مساءلة نتائج تطور وسائل الإنتاج والبث الثقافي هذه، رافضة أن تأخذ بمسلمة أن التجديدات التقنية ستؤدى، حتما إلى تدعيم الديمقراطية. إن الرؤية التي روج لها التحليل الوظيفي والتي ترى في وسائل الاتصال ميكانيزمات تنظيمية ضبطية تعرضت بدورها لقراءات نقدية باعتبار أن وسائل الاتصال أصبحت تشكل مصدرا للعنف الرمزي والقهر والتضليل والتسلط والسيطرة. منذ الأربعينات أبدى فلاسفة مدرسة فرنكفورت الذين يستوحون رؤيتهم من فلسفة متجددة وفي قطيعة مع الفلسفة الماركسية التقليدية، قلقهم على مستقبل الثقافة وهم في منفاهم بالولايات المتحدة. وبعد عشرين سنة ولدت الحركة البنيوية في فرنسا، معارضة المنهج الإمبريقي بإعادة اكتشاف الأيديولوجيا. أما في بريطانيا فقد استحدثت جماعة برمنغام (Birmingaham) خلال الستينات محور الدراسات الثقافية (Cultural Studies).[19]

استحدث أدورنو وهوركهايم، في منتصف الأربعينات مصطلح "الصناعات الثقافية" إذ قدما دراسة نقدية للإنتاج الصناعي للمواد الثقافية باعتبارها ظاهرة شاملة تهدف إلى تحويل الإنتاج الثقافي إلى سلع. فالمنتجات الثقافية من مجلات وأفلام وبرامج إذاعية تحيل على نفس العقلانية التقنية، ونفس الصيغ التنظيمية والتخطيط الإداري المتبع في الإنتاج الصناعي للسيارات أو المشاريع الحضرية : "لقد تم الإعداد لكل شيء مسبقا، ليجد كل  فرد ما يناسبه، بحيث لا يستطيع أحد الفكاك". فكل قطاع إنتاجي يماثل القطاعات الأخرى، وهي بدورها متطابقة بالنظر إلى بعضها البعض. ذلك أن الحضارة المعاصرة تضفي على كل شيء مسحة تماثلية تطابقية. فالصناعة الثقافية توصل بضائعها المتماثلة إلى أي مكان، ملبية حاجات كبيرة ومتنوعة، ومعتمدة على معايير إنتاجية موحدة في إشباع هذه الطلبات. ومن خلال نمط صناعي في الإنتاج نحصل على ثقافة جماهيرية مكونة من سلسلة من الأشياء التي تحمل، بكل تأكيد بصمة الصناعة الثقافية : إنتاج غزير-تماثل معياري-تقسيم عمل. هذه الوضعية ليست نتيجة قانون يخضع له التطور التكنولوجي، بل مردها إلى وظيفة التكنولوجيا في الاقتصاد الحالي ،"إن العقلانية التقنية، حاليا، هي عقلنية السيطرة ذاتها. فالميدان الذي تتمتع فيه التقنية بسلطة كبيرة على المجتمع، هو ميدان أولائك الذين يسيطرون عليها اقتصاديا". إن العقلانية التقنية هي "الخاصية القسرية" للمجتمع المغترب عن ذاته. إن الصناعة الثقافية هي علامة واضحة على إفلاس الثقافة أي سقوطها في السلعنة (التسليع). ذلك أن تحويل الفعل الثقافي إلى قيمة تبادلية يقضي على قوته النقدية ويحرمه من أن يكون أثرا لتجربة أصيلة. فالصناعة الثقافية هي العلامة الفاصلة على تراجع الدور الفلسفي/الوجودي للثقافة. 

إن العمل الذي بدأته "مدرسة فرنكفورت" على المستوى الفلسفي ثم السوسيولوجي، وإن كان أقل شأنا من المستوى الأول (نظرية الثقافة الجماهيرية والدراسات حول الشخصية التسلطية)، فقد أكمله هابرماس في مؤلفه "الفضاء العمومي"، وذلك بالتركز على استعادة وبناء الإطار التاريخي الذي شهد تراجع هذا الفضاء، بعد أن عرف توهجه مع تشكل "الرأي العام" في إنجلترا في نهاية القرن السابع عشر، ثم في فرنسا في القرن الذي تلاه. إن الفضاء العمومي أو كما يحبذه البعض "بالمجال العمومي"[20]والذي يتسم بكونه فضاء للتوسط بين الدولة والمجتمع، يسمح بالمناقشات العامة المؤسسة على الاعتراف الجماعي بفضائل العقل وقوته وخصوبة التبادل القائم على الحجة بين الأفراد، وتصارع الأفكار والآراء المستنيرة. فمبدأ الإعلان يقوم عل أساس أنه أتاح الفرصة للرأي العام للإطلاع على المعلومات التي تخص المصلحة العامة. لكن تطور قوانين السوق، وتسربها إلى فضاء الإنتاج الثقافي جعلاها تستبدل التَفكُر، هذا المبدأ القائم على الإعلان والتواصل الجماعي بنموذج تجاري"لتصنيع الرأي". وقد رأي هابرماس في هذه النزعة ما سماه "رؤية إقطاعية جديدة للمجتمع". وهو بهذا الطرح يتبنى أطروحات أدورنو وهوركهايمر حول تضليل الرأي العام، والتماثل، والتحشيد وتجزئة الجمهور، فالفرد ينزع إلى أن يكون مستهلكا ذا سلوكيات عاطفية وهتافية احتفالية، أما الاتصال العمومي فإنه ينحلُ في مواقف تلقي محكومة بعزلة الفرد، موصوفة دائما بكونها مقبولة.

7- الاقتصاد السياسي

بدأ الاقتصاد السياسي في التطور في الستينات من القرن الماضي، وقد اتخذ في البداية شكل التساؤل عن الخلل في تدفق الإعلام والإنتاج الثقافي بين الدول الواقعة على جهتي الخط الفاصل "للتنمية". وشقت دراسات الاقتصاد السياسي للاتصال طريقها في سنة 1975 من خلا دراسة حول "الصناعات الثقافية" ولا "الصناعة الثقافية". ويكشف هذا الانتقال من المفرد إلى الجمع (بمعنى صناعات بدل "صناعة") عن التخلي عن رؤية مفتتة بأنظمة الاتصال، في الوقت الذي اصطدمت فيه السياسات الحكومية الرامية لإحداث ديمقراطية الثقافة بالمنطق التجاري في سوق تسير نحو التدويل. إن الأمر يدل على أننا نواجه تعقد الصناعات المتنوعة في محاولة لفهم السيرورة التصاعدية "لإصلاح" النشاطات الثقافية بواسطة رأس المال.[21]

إن الاقتصاد السياسي للاتصال، الذي يمثل قطيعة مع أطروحة تاريخ الرأسمالية المعاصرة التي طرحها رواد الماركسية الكلاسيكيون، يبتعد عن مخطط الشرق/الغرب الذي طبع سوسيولوجيا وسائل الإعلام الأمريكي. إن القطبية التي أفرزتها الحرب الباردة طبعت الانقسام في العلوم الاجتماعية للاتصال. لقد اعترف الباحث بول لازرزفيلد أمام زملائه في الجمعية الأمريكية لبحوث الرأي العام، بالمجال الجديد للبحث المسمي "الاتصال الدولي" ودعاهم إلى تعزيز العلاقات مع "المجموعات والهيئات الفاعلة في هذه الساحة الاجتماعية". إن انقسام الفضاء الدولي بما هو أرضية للمواجهة بين المعسكرين وإيديولوجيتين قد نشط البحث والتطور الصناعي والعسكري لتكنولوجيات الاتصال والإعلام الحديثة (من الكومبيوتر حتى الأقمار الاصطناعية)، واستثمر أيضا القسم الأكبر من البحث الوظيفي حول الاتصال الدولي كما تؤكده بوضوح البحوث الإدارية حول الإذاعات المحلية، كما أن مقاربات مشكلات الاتصال المرتبطة بإستراتيجية هذا الانقسام الثنائي الذي فرضه متطلب "الأمن الوطني" الأمريكي. هذا ما يفسر سر ارتباط التحليل الوظيفي بمذهب كتابة الدولة الأمريكية الخاص بالتدفق الحر للمعلومات، ومشروع "الطرق السيارة للمعلومات" الذي ظهر في عهد رونالد ريغن(الجمهوريين) والمستلهم من المبدأ الراسخ الخاص بالتبادل الحر للسلع، الذي يشبه حرية التعبير التجاري التي يمارسها كل من الخواص والسوق بحرية التعبير بشكلها المختصر.

أما فيما يتعلق بمسألة التبعية الثقافية في الولايات المتحدة التي كانت منشغلة بالنزاعات في جنوب شرق آسيا والثورات المضادة في عديد دول العالم الثالث فقد غذت أفكار باحث مثل هربرت شيلر وخاصة كتابه "وسائل الاتصال والإمبراطورية الأمريكية" الذي نشر سنة 1969 ويحلل فيه صاحبه التداخل بين المركبات الصناعية-العسكرية وصناعة الاتصال، وانتهت بالتنديد الواسع بالخصخصة المتزايدة للفضاء العمومي في الولايات المتحدة الأمريكية[22]. في ذات السياق الأيديولوجي والفكري وكرد على عولمة الإعلام والاتصال وبدعم من حركة عدم الانحياز طغى النقاش حول التدفق غير المتكافئ للمواد الثقافية والإعلامية على المجتمع الدولي في السبعينات من القرن الماضي وهو عقد "النظام العالمي الجديد للاتصال والإعلام". ولقد مثلت اليونسكو المنبر الأساسي للتعبير عن هذه الإشكالية وتمخض هذا الجدل بتأسيس "اللجنة الدولية لدراسة مشاكل الاتصال" وذلك سنة 1977. وبعد ثلاث سنوات نشرت الصيغة النهائية لتقرير هذه اللجنة التي ترأسها الأيرلندي الحائز على جائزة نوبل للسلام شين ماكبرايد. ويعتبر هذا التقرير أول وثيقة رسمية صادرة عن مؤسسة تمثل المجتمع الدولي، تعترف وتطرح بوضوح مسألة الخلل في تدفق الأخبار والمواد الثقافية، وتتساءل عن الإستراتيجية التي يجب اتخاذها لمعالجة خلل التدفق والتكافؤ الحر في تبادل المعلومات. ويذهب البعض إلى اعتبار تنظيم المجتمع الدولي (هيئة الأمم المتحدة) لقمة في دورتين خاصة "بمجتمع المعلومات" في جينيف 2003 وتونس 2005 إعادة صياغة لنفس إشكالية التدفق الإعلامي بين الشمال والجنوب لكن بمضمون شبكي ذو صلة بالإنترنت.

ظهرت الخلفية الثانية للاقتصاد السياسي للاتصال في المنتصف الثاني من سبعينات القرن الماضي في أوروبا، واحتلت فيه مسألة الصناعات الثقافية مرتبة لا تضاهى واضطلع باحثون فرنسيون بالسبق وكانت جل مقارباتهم ذات طابع نقدي. عالج فريق البحث برئاسة الأكاديمي برنار مياج في الكتاب المعنون "الرأسمالية والصناعات الثقافية" طبيعة السلعة الثقافية وحاول الإجابة عن السؤال التالي : ما هي المشاكل التي تواجهها الرأسمالية لإنتاج القيم انطلاقا من الفن والثقافة؟[23]

أما باتريس فليشي (من فرنسا) فقد تضمن كتابه "صناعة المخيال" حصرا "للثقافة المتدفقة" : هذا المد المتواصل من البرامج الذي تكون القيمة الذاتية لأي عنصر من عناصرها أقل من قيمته في مجمل البرمجة المعروضة التي تميز اقتصاديات السمعي-البصري[24]. وباهتمامه بالبرمجيات وبالحوامل التكنولوجية التي تنقلها تناول فليشي تشكيلة الاستخدام الاجتماعي لآلات الاتصال والتحولات التي حدثت في المبتكرات التكنولوجية وفي السلع، فجدد بهذا أصول تاريخ التقنيات. ولقد قامت الأبحاث في السابق بتحليل تقاطع المخططات التقنية-الاقتصادية والسياسية-الثقافية لكشف الرهانات السياسية للحدث الصناعي وللقواعد الصناعية التي تتحكم بالنظام الجديد للمراقبة الاجتماعية. ومن جهة أخرى، عبرت هذه البحوث عن حدود مفهوم "الإمبريالية الثقافية" الذي كان بمثابة موضة في ذلك الوقت، من خلال التأكيد على التمفصل بين المستوى الوطني والمستوى المتعدد الجنسيات.

8- عودة اليومي :

ظهرت شيئا فشيئا عديد المقاربات التي اهتمت بمفردات التحليل مثل الفرد والمجموعة والعلاقات الذاتية في التجارب اليومية، وترسخت بوصفها ردة فعل على النظريات البنيوية-الوظيفية التي هيمنت ولفترة طويلة على السوسيولوجيا. وقد أحيت هذه المقاربات والتي وصفها أرمان وميشال ماتلار ب"عودة اليومي" الجدل الذي كان حاضرا منذ تبلور إبستيمواوجيا العلوم الإنسانية والاجتماعية في التشكل والذي تمحور حول مخاطر تشيؤ الأحداث الاجتماعية، ودور الفاعل الاجتماعي والقائم بالاتصال بالنسبة للنظام، ودرجة استقلالية الجمهور عن آليات الاتصال. واهتمت عديد الدراسات في هذا السياق بمعالجته هذه الإشكالية في البداية بالتركيز على عنصر الحركة ما بين الذاتية وتخصيصا ظهور مقاربات الإثنومتودولوجيا.[25]

وعمقت التيارات التي انضوت تحت مسمى السوسيولوجيا التأويلية والتفاعلية الرمزية، والظاهراتية، والإثنومتودولوجيا، الانقسام بين السوسيولوجيين المهتمين بالإجراءات الجزئية، والسوسيولوجيات التي يطلق عليها تسمية سوسيولوجيا الثقافة المهتمة بالعوائق الاجتماعية الخارجة عن الفرد، الذي يكرس أسبقية "المجتمع" على الفرد، وأولوية البنية على الممارسة. وعلى سبيل المثال فإن "تحليل المحادثة" أعتبر أحد أهم مكونات الإثنومتودولوجيا، والمحادثة هي المكان المفضل للتبادل الرمزي، وقد تم تناولها باعتبارها نشاطا، وممارسة لسانية لا لدراسة لغتها من أجل فهم كيف يبنى المتحدثون عمليات هذا الشكل المهيمن من التفاعل الاجتماعي والاتصالي ويميطون اللثام عن الآليات والطموحات التي من أجلها أنتج هذا التفاعل وتم فهمه.

أهملت اللسانيات البنيوية المتحدث والمتلقي بينما تدرس اللسانيات الاتصالية أو "البرغماتية التلفظية" العلاقات التي تربطها مستفيدة من تطور فلسفة اللغة العادية (مدرسة أكسفورد) الآخذة بالنظرية الإنجلوسكسونية وبأفعال اللغة، وبنظرية البلاغة البلجيكية، والبراغماتية الألمانية. ولقد تأثرت الإثنومتودولوجيا بنظرية أفعال اللغة التي تعيد الاعتبار للفاعل بما هو منتج للخطاب والمقصي من الرؤية البنيوية للعلامات. وإذا كان التحول اللساني الجذري قد أثر في السوسيولوجيا التأويلية في الستينات من القرن الماضي فقد أثر أيضا في منظري سوسيولوجيا الفعل. لقد ألهم فلاسفة اللغة الجدد وأثروا على جورغن هابرماس الذي صاغ "سوسيولوجيا الفعل الاتصالي" سنة1981[26]. إن الفعل و"التفاعل" لم يدرسا باعتبارهما نتاجا للتأثير فحسب بل تم تحليلهما بوصفهما شريكين في لحمة التبادل الرمزي وفي السياقات اللسانية. ولا تستطيع المواقف والآراء التي تصاحب الفعل أن تعبر بمفردها عن الواقع. ويرفض هبرماس نظرة أدرنو (Adorno) الكارثية التي تؤول تحويل العقل إلى عقل أداتي، وتعتبره انحرافا للعقل وإفسادا له بشكل جذري.

ويرى هابرمس أن على السوسيولوجيا النقدية أن تدرس شبكات التفاعل في مجتمع مشكل من علاقات اتصالية ومن"إتحاد الأشخاص المتعارضين في الاتصال". ويعارض هابرماس "الفعل الإستراتيجي" أي العقل والفعل ذوي الأهداف النفعية والأداتية (الذي تشكل وسائل الاتصال الجماهيرية عدته المفضلة) التي توشك أن تستعمر "العالم الاجتماعي المعيش"، ويقترح بدلا منه جملة من أنماط الفعل  الأخرى أو العلاقات مع العالم التي تملك معيارها الخاص لاعتماد هذا العالم : الفعل الموضوعي، والفعل الإدراكي الذي يفرض عليك قول الحقيقة، والفعل ما بين الذاتيات الذي يستهدف العمل الأخلاقي والفعل التعبيري الذي يفترض النزاهة. ويشخص هبرماس أزمة الديمقراطية في الآليات الاجتماعية التي كان من المفروض أن تسهل التبادل وانتشار العقلانية الاتصالية، لكنها استقلت ذاتيا، وسيرت ذاتها "تجريدا حقيقيا". وتقوم هذه الآليات، فعلا، بتدوير المعلومات غير أنها تعرقل العلاقات الاتصالية، أي تعرقل نشاطات تأويل الأفراد، والمجموعات الاجتماعية. ويرى هبرماس أن العقلانية ليست لها أية صلة "بامتلاك المعرفة، لكنها ذات علاقة بالطريقة التي يقوم بها الأشخاص الموهوبون بالكلام والفعل، وباكتساب المعرفة وباستخدامها".[27]

بالإضافة إلى ما ذكر تعرض المؤلفان في فصل "عودة اليومي" إلى إثنوغرافيا الجمهور وخاصة مسألة القارئ إذ تكفلت الدراسات الأدبية في الستينات بإعادة صياغة إشكالية القارئ والمتلقي التي شهدت تطورا في الدول الناطقة باللغة الألمانية وخاصة مدرسة كونستونس (Constance).[28] لقد أشار الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر، في كتابه "ما الأدب" إلى "هذا الجهد المشترك بين الكاتب والقارئ الذي يبرز هذا الهدف الملموس المخيالي ممثلا في العمل الأدبي". ويذكر الباحثون المهتمون بقضية الاتصال الأدبي، ومنهم الفرنسي روبر إسكربي أفكار سارتر الذي يرى أن العمل الأدبي هو نتيجة نشاط الكاتب والقارئ.

كما كان للدارسات الثقافية والدراسات النسوية حضور في سياق تطور وتطوير نظريات الاتصال فقد كتب الباحث ستيوارت هيل في مقدمة الكتاب الذي أعده دافيد مورلي وعنوانه "التلفزيون العائلي : السلطة الثقافية والترفيه المنزلي" الذي صدر سنة 1986 قائلا : إن "التصورات الفردية للمشاهد وللجمهور، وحتى للتلفزيون ذاته قد إرتحل-نهائيا، على الأقل، حسب ما نتمناه-بفضل التشديد على الاختلافات والمتغيرات. وإن خريطة التغيرات ناتجة عن العوامل التي تعتمل في السياقات الاجتماعية للتلقي التي شرع مورلي في إنجازها. وإن ما تكشفه هذه الخريطة، بصفة عامة، هو التفاعلات الرقيقة بين المعنى والمتعة والاستخدام والاختيار". لقد انتقل التفكير في تفاعلات النص/السياق/جمهور النساء بسرعة إلى دراسة أنواع المواد التي يبثها التلفزيون لهذه الفئة من الجمهور بصفة خاصة. كما انفتحت السوسيولوجيا الوظيفية أيضا على الدراسات الإثنوغرافية للتلقي والمشاهدة من خلال التيار الذي يسمي "الاستخدامات والإشباعات"، في السبعينات من القرن الماضي، وذلك بطرح السؤال المعارض التالي : "ماذا يفعل الناس بوسائل الإعلام؟"، والذي يبدو بديل أو نقيض لمقولة : ماذا تفعل وسائل الإعلام بالناس ؟.

9- هيمنة الاتصال :

اهتم الباحثان في الفصل السابع والأخير بمسائلة إشكالية "هيمنة الاتصال" فهو بمثابة عودة على بدء، ذلك أنه توجد مراجعة لنظرية الرابط الاجتماعي (الفصل الأول) المؤسس على قاعدة الاتصال العادي في وقت مارست فيه الأنظمة التكنولوجية للاتصال والإعلام المعقد دورا بنائيا في تنظيم المجتمع، وفي النظام الجديد للعالم[29]. لقد تم تعريف المجتمع بمفاهيم الاتصال، وعرف هذا الأخير بمفاهيم الشبكة، وقد رحلت السيبرنيطيقا النظرية الرياضية للإعلام (الفصل الثاني). ويعالج هذا الفصل موضوع شكل الشبكة وذلك من خلال نقد النظرية التوزيعية، فقد حصر الباحث إيفرت روجرز، خلال الستينات من القرن الماضي، تعريف التجديد والابتكار في "المعلن عنه، عبر بعض القنوات، خلال مدة معينة، ضمن نظام اجتماعي ما". وعاد روجرز سنة 1982 ليعلن أن الشروط أصبحت متوفرة للتقارب والتأليف بين "البحث النقدي" وما سماه "البحث الإمبريقي" مثيرا بذلك الجدل في أوساط البحث النقدي في مجال الاتصال بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد برر روجرز هذا التقارب الذي لم يكن مطروحا قبل بضع سنوات من هذا التاريخ، بأن المدرسة الإمبيريقية قد أدركت ضرورة إدماج سياق الاتصال، والجوانب الأخلاقية والأدبية، في صيرورة الاتصال والمناهج المتعددة، في تحليلها ولم يؤوَل ما تقدم به روجرز باعتباره إمكانية للحوار، بل تم تفسيره بأنه إرادة بينة لنكران الخلافات ذات الطبيعة الإبستيمولوجية، من أجل إخفاء نقطة أساسية ترتبط بتعريف ما هو سياسي : شروط ممارسة السلطة، والعلاقة بين السلطة والمعرفة، والأخذ بعين الاعتبار البنى التنظيمية والمؤسساتية.

إن الرغبة في التوفيق بين البحث الإمبيريقي والنقدي، التي كانت رغبة الباحث كارتز أيضا، تشير إلى حالة ذهنية جديدة. ويكمن دور الشبكة في نسيان المجتمع الذي يعيش التباين والتمايز، واقتراح رؤية منسجمة له. ففي الوقت الذي برزت فيه الإقصاءات الاجتماعية بقوة، "تقوم إيديولوجيا الاتصال، والنزعة المساواتية الجديدة بواسطة الاتصال، بدور مضيف للشرعية." وفي هذا السياق فقد استحدث في الثمانينات من القرن الماضي الباحثان الفرنسيان برونو لاتور (Bruno Latour ) وميشال كالون (Michel Callon) وصاغا أنثروبولوجيا العلوم التقنية ودرسا إشكالية الشبكة التي تتناول نموذج التأويل أو نموذج البناء الاجتماعي/التقني كنقيض للنموذج التوزيعي وفي معارضتهما للفكرة التي مفادها أن التقنية والعلوم هي معطيات، ويقترح الباحثان فهمهما لها في حالة الفعل والحركة، ودراسة كيفية بناء التقنية والعلوم. وترفض مقاربتهم اعتبار "الاجتماعي الخالص مقتصرا على العلاقات بين البشر، وتسلم بتداخل العلاقات بين البشر والطبيعة والأشياء التقنية. إن الرابط الاجتماعي يتغلغل في الآلة."

يختم أرمان ومشال ماتلار هذا الفصل بالتساؤل عن خصوصيات "الكوكب الهجين" في إحالة إلى كيف حولت صيرورة الاتصال الكون إلى عالم ومجتمعات. فإذا كان التوتر بين الجزئي والكلي يطبع السوسيولوجيات التأويلية، فإن الاقتصاد السياسي النقدي للاتصال يخضع للتوتر ذاته. هذا الاقتصاد الذي يتساءل عن تعقد الترابط الذي يجمع الأقاليم الخاصة بالفضاء العالم في عصر الشبكات المخترقة للحدود الجغرافية. ولفهم أسلم لهذا الموضوع يمكن الإشارة بأن التشكلات المعرفية متعددة التخصصات بدأت تترابط، حيث يشارك فيها علم التاريخ، وعلم الجغرافيا، والعلوم السياسية، والاقتصاد والإنثروبولوجيا. كل تخصص من هذه التخصصات يشارك في هذا الترابط، بدرجات متفاوتة جدا، لأن كل منها لا يظهر الحاجة ذاتها للتحالف لحصر الأهمية الجديدة التي تكتسيها الشبكات الاتصالية. وإن كان التدويل الحالي يعيش وضعا مختلفا عما كان عليه في العقد الذي سيطرت فيه مفاهيم التبعية، والإمبريالية الثقافية، التي سمحت بفهم الخلل في التدفق العالمي للإعلام والاتصال، فالسبب في ذلك هم الفاعلون الجدد الذين ظهروا على مسرح يتسم بكونه عابرا للقوميات. لم تعد الدول، والعلاقات فيما بينها، المحور المنظم للعالم، حيث تتشكل شبكات الإعلام والاتصال الكبرى بتدفقها "غير المرئي" وغير العادي، أقاليم مجردة منفلتة من الحدود الجغرافية.

في سنة 1979 كتب الفيلسوف الفرنسي فرنسوا ليوتار (Francois Lyotard) في كتابه : "شرط ما بعد الحداثة" ما يلي "تدخل مجتمعاتنا عصر ما بعد الصناعة، وتدخل الثقافات عصر يقال أنه ما بعد حداثي". ويعتبر هذا الفيلسوف أن الأسس الاجتماعية لمبدأ التقسيم، وصراع الطبقات، قد فقدت جذريتها. وقد استنتج في هذا نهاية مصداقية النظريات الكبرى وتفككها. ولقد عمت فكرة ما بعد الحداثة العلوم، والجماليات، والسوسيولوجيا ومهدت لميلاد الأطروحات المتحزبة مثل أطروحة "نهاية التاريخ"[30] و"صراع الحضارات"[31] و"المجتمع ما بعد الصناعي" لتكون نظريات الاتصال بدورها في خضم هذا المتغير. لقد رافقت فكرة الاتصال والشفافية اعتقاد فلسفة الأنوار بالتقدم وبتحرر الأفراد. وأصبحت هذه الفكرة اليوم مشبوهة : أصبح الاتصال كما يقول بودريار (Baudrillard) ضحية الاتصال الزائد أو الفائض". ويرى بودريار في النمو التكنولوجي وتزايد تعقده على المستوى الكوني كما على المستوى الحميمي العائلي، هيمنة نظام الرقابة الذي يمجد ذاته في "إستيهامات الاتصال" : أي الرغبة العامة في التواجد على كل الشاشات، وفي قلب كل البرامج : "هل أنا إنسان، هل أنا آلة؟ ألم يعد هناك جواب على هذا السؤال الإنثروبولوجي".

10- خاتمة :

جاءت خاتمة الكتاب مقتضبة لكنها غزيرة المعاني سميكة التأليف والإيجاز فقد اعتبر المؤلفان أنه وأمام إفلاس الأيديولوجيا العقلانية للتقدم الخطي المتواصل، تولى الاتصال الدور نيابة عنها، حيث ظهر، بامتياز، بوصفه مؤشرا على تطور الإنسانية في لحظة تاريخية تبحث فيها بكثير من اليأس، عن معنى مستقبلها. وتكاد التصورات الفكرية والفلسفية المتباينة لإشكالية الاتصال وللقائمين عليها أن تختفي من الأفق النظري. إن العنصر الهام في مضاعفة البحوث التي تتناول ما هو يومي يتمثل في حركة الفكر. إنها الحركة التي أعادت إظهار الفاعل أمام البنى والأنساق، والنوعية أمام الكمية والمعيش أمام المؤسس. لقد اقتربت علوم الإنسان والمجتمع بهذا الشكل من "الموضوع العادي" أو اليومي. غير أنه وفي خضم هذه المسيرة بقيت بعض الأسئلة المتصلة بعلاقة المثقف بالمجتمع معلقة. لقد طاولت أزمة الطوباوية والبدائل فكرة العمل النقدي، حيث أصبح كل قائم بالاتصال أو وسيط يعاني من النزعة الوضعية التسييرية. هذه النزعة النفعية الجديدة، التي تحفز البحث عن الأدوات الإبستمولوجية (المعرفية)، تسمح بتحييد التوتر عبر الحلول التقنية. إن المعارف المتعلقة بالاتصال لا تنفلت من هذا الاتجاه. إن الصعود القوي لمقولات الخبراء الذي جاءت به الممارسة يضاعف من نشاطات الاتصال، التي تكمن وظيفته الضمنية في إضفاء شرعية على الإستراتيجيات ونماذج تسيير الإدارة والمؤسسة.

إن البراغماتية التي تميز الدراسات العملياتية طبعت أكثر فأكثر الصيغ التي نتحدث بها عن الاتصال، وقد ترتب عن هذا الوضع أن أصبح هذا الحقل يعاني من صعوبة التخلص من الصورة الأداتية، وإكسابه شرعية حقيقية كموضوع بحث مستقل بذاته واضح المعالم، ويتم التعامل معه على هذا الأساس مع الالتزام بالهامش المطلوب الذي لا ينفصل عن كل مقاربة نقدية. تثير هذه الإنزلاقات الأيديولوجية فكرة مفادها أننا دخلنا عصر مجتمعات المراقبة كما شبهها الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، إنها المجتمعات التي تتضاعف فيها الآليات الاجتماعية/التقنية للمراقبة المرنة المستعلمة من نموذج التسيير الإداري للشركة الوصية، أي المراقبة ذات المدى القصير، وذات الدورة السريعة، والمتواصلة غير المحدودة. ويختم المؤلفان بأن ما يطلق عليه ب"مجتمع المعلومات" هو أيضا عصر إنتاج الحالات الذهنية، لذا وجب التفكير وبشكل مختلف في مسألة الحريات والديمقراطية. ذلك أن الحرية السياسية لا يمكن أن تختصر في الحق في ممارسة الإرادة الشخصية، إنها تكمن أيضا في الحق في السيطرة على سيرورة تشكيل هذه الإرادة. ويبقى التساؤل حاملا لفرضيات مستقبلية عن دور الاتصال في تشكيل أو إعادة تشكيل تلك الإرادة الإنسانية المنقوصة أبدا.



[1]أرمان وميشال ماتلار : تاريخ نظريات الاتصال : ترجمة نصر الدين لعياضي والصادق رابح، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2006، الطبعة الثالثة، 254 صفحة.

[2]MATTELART, Armant et Michele : Histoire des théories de la communication, Editions La Découverte, Paris, 2004.

 [3]نصر الدين لعياضي من الجزائر درس بقسم الإعلام بكلية العلوم السياسية والإعلامية بجامعة الجزائر وبجامعة الإمارات وهو يشتغل بمركز التدريب بوزارة الخارجية بالإمارات مهتم بسوسيولوجيا الاتصال والإعلام.

[4] أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة الإمارات-عجمان- وبجامعة الجزائر سابقا مهتم بقضايا استعمالات التكنولوجيا في الاتصال.

[5] نصر الدين لعياضي : وسائل الإتصال الجماهيري والمجتمع، آراء ورؤى، دار القصبة للنشر، الجزائر 1999 ، 187 صفحة، وكتابه: التعامل مع وسائل الإعلام، كتاب الرافد عدد 28، حكومة الشارقة، دائرة الثقافة والإعلام، 2006.وأيضا : مساءلة الإعلام، المؤسسة الجزائرية للطباعة، الجزائر 1991.

[6] عبد الرحمان عزي : دراسات في نظرية الاتصال : نحو فكر إعلامي متميز، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2004.

[7]أنظر عمر مهيبل : إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة : الدار العربية للعلوم، منشورات الاختلاف، بيروت، 2005.

[8] صالح  خليل أبو أصبع : نصوص تراثية في ضوء علم الإتصال المعاصر، دار آرام للطباعة والنشر، عمان الأردن، 2000، 272 صفحة.

[9] عصام سليمان الموسي : العرب وثورة الإتصال الأولى، وزارة الثقافة، عمان الأردن، 1999، 279 صفحة

[10]راسم محمد الجمال : الإعلام والاتصال في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991.

[11] تصدر كلية العلوم السياسية والإعلام : المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والإعلامية وهي مجلة فصلية علمية متخصصة في الدراسات السياسية والإعلامية.

[12] مقدمة الترجمة: ص 13.

[13] مقدمة الترجمة ص 15.

[14] المقدمة ص 19.

[15] نفس المرجع.

[16] الفصل الأول : "النظام الاجتماعي" : ص :19- 38 

[17] أنظر الفصل الثاني :"التصورات الإمبيريقية للعالم الجديد" : ص : 39-68.

[18] راجع الفصل الثالث : "نظرية المعلومات" : ص: 69.                                                                                  

 [19] أنظر : الفصل الرابع : "الصناعة الثقافية، الأيديولوجيا والسلطة" : ص : 85.

[20] راجع : نصر الدين لعياضي : الفضاء العمومي في القنوات التلفزيونية، مجلة الرافد، الشارقة، فيفري 2007.

[21]الفصل الخامس : "الاقتصاد السياسي" ص : 127.

[22]حول الكتابات الأخرى لهربرت شيلر راجع : المتلاعبون بالعقول، ترجمة عبد السلام رضوان، سلسلة عالم المعرفة الإصدار الثاني، عدد 243، الكويت 1999.

[23]MIEGE Bernard : La société conquise par la communication, T2, La communication et entre l`industrie et l`espace public, Grenoble, PUG, 1997.

[24]FLICHY Patrice (2001), L'imaginaire d'Internet, Paris : La Découverte, Sciences et société, 272 p. et  La question de la technique dans les recherches sur la communication, Réseaux, numéro, 50, 1991.

[25] راجع الفصل السادس من الكتاب "عودة اليومي" ص : 147-172.

[26]Hubermars Jurgen : Théorie de l`agir communicationnel, Fayard, Paris, 1987.

[27]لمزيد الإطلاع عن نظرية هبرماس راجع كتابه : العلم والتقنية ك"إ إيديولوجيا"، ترجمة حسن صقر : منشورات الجمل، بدون تاريخ.

[28] اسم مدينة ألمانية تقع على ضفة البحيرة التي تحمل نفس الاسم (الترجمان).

[29]   أنظر الفصل السابع : هيمنة الاتصال : ص : 173- 201.

[30] فرانسيس فوكوياما : نهاية التاريخ والإنسان الأخير : ترجمة فؤاد شاهين، جميل قاسم، رضا الشايبي، إشراف ومراجعة وتقديم مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، بيروت 1993.

[31] أنظر : صامويل هنغتون : "صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي"، ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، ليبيا، 1999. وكتابه "الإسلام والغرب : آفاق الصدام"، ترجمة مجدي شرشر، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1995.

 

(3) تعليقات


Add a Comment

اضيف في 13 يوليو, 2007 04:13 ص , من قبل محمود مدن
من البحرين

ابداعات بلا حدود

شكرا لك د.جمال الزرن

وننتظر المزيد من هذا الابداع

اضيف في 31 يوليو, 2007 01:58 ص , من قبل عدنان بومطيع
من البحرين

أهلا الزميل العزيز /د. جمال
تحياتي المخلصة أن تكون بين الأهل في تونس في خير وسلام. وإلى مزيد من الابداع العميق.
د. عدنان بومطيع

اضيف في 21 يوليو, 2008 07:11 م , من قبل elli
من الجزائر

شكرا جزيلا على المقال
إنه يفيدني كثيرا في تخصصي
مزيدا من الابداع :)

for-w@live.fr



Add a Comment

<<Home