مقعد وراء التلفزيون : الإعلام والإتصال والمجتمع
مدونة إفتراضية تهتم بقضايا الإعلام العربي والدولي والصورة في زمن العولمة: "المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية" : ريجيس دوبريه-
دراسة جديدة في مجلة عالم الفكر عن نقد العلاقة بين مجتمع المعرفة وخطاب الاصلاح

 في نقد العلاقة بين مجتمع المعرفة وخطاب الإصلاح

 
نشرت هذه الدراسة في مجلة عالم الفكر- الكويت صيف 2008.
 
 
الدكتور جمال الزرن-جامعة منوبة-تونس*

 

1- مقدمة

تتناول هذه الدراسة مسألة فكرية ذات أبعاد سياسية يمكن تلخيصها في ماهية العلاقة بين مجتمع المعرفة ومشاريع الإصلاح. إنها مقاربة نقدية لربط السياسة (الإصلاح) بالإعلام وتفكيك لمجتمع المعرفة من زاوية جديدة اسمها علوم الإعلام والاتصال وذلك من خلال إظهار حالات التقاطع الفكري والأيديولوجي بين كل من مشروع الإصلاح وقضية مجتمع المعرفة. وهذا البحث هو محاولة تأصيلية لمجتمع المعلومات وذلك من خلال بحث حضور المرجعيات الفكرية والثقافية في الجدل القائم حول كل من ظاهرة الإصلاح السياسي في العالم العربي وكيف تزامنت مع بروز مفردة مجتمع المعرفة. ويعتبر موضوع مجتمع المعرفة مسألة ذا صلة أيضا بالوسائطية، فوسيط اليوم يحدد ثقافة الغد، فمجتمع المعرفة الذي يؤسس له وباعتباره مجموعة من الوسائط سيحدد ثقافة مجتمع المستقبل وسياسته. وتهتم هذه الدراسة بنقض بعض المسلمات الفكرية التي إلتصقت بكل من الإصلاح ومجتمع المعرفة ومتابعة فرضية أن خطاب المنتج عن مجتمع المعرفة ومشاريع الإصلاح يبدو أنه خطاب لمفهوم يتمحور في غالبه حول جملة من الوسائل التقنية/التقنوية الحديثة لا أكثر (إنترنت، هاتف جوال اتصالات فضائية...)، في حين أن مجتمع المعرفة هو من أكثر المصطلحات الفكرية إثارة للجدل والاختلاف لما له من تأثير مباشر على إدارة الشأن العام.

 سنعتمد في هذا البحث على عينة تحليلية تتمثل في كل من المبادرة الفرنسية الألمانية لإصلاح الشرق الأوسط ثم مبادرة الدول الثمانية ومشروعها لإصلاح الشرق الأوسط الكبير 2004 ثم أيضا "قانون إصلاح الاستخبارات الأمريكية والحيلولة دون وقوع الإرهاب" الذي صادق عليه الكونجرس ووقعه الرئيس الأمريكي جورج بوش نهاية سنة 2004، فستكون هذه الوكالة الجهاز التنفيذي الخفي لتطبيق كل تلك البرامج الإصلاحية. إن كل هذه المشاريع والتقارير هي لنا بمثابة المرجع في تتبع كيف يجمع الكل على مجتمع المعرفة كشعار وكيف لا يتفق الكل أيضا على المرجعيات والمضامين المكونة له. غير أن حمى المشاريع قد طالت كذلك المنطقة العربية، فقمة تونس 2004 قالت كلمتها في وثيقة سميت بوثيقة تونس للإصلاح، وفي الإسكندرية اجتمع عدد من المثقفين ومنظمات المجتمع المدني في الوطن العربي في مؤتمر وأصدر وثيقة الإصلاح العربي وذلك في شهر مارس 2004[1]. ونتساءل ما قيمة المشاريع العربية للإصلاح المضاد أمام مشاريع الإصلاح الغربية الأم وما هي مرجعيتها وقراءتها للواقع العربي ولمجتمع المعرفة ؟

2- الإصلاح وأيديولوجيا مجتمع المعرفة

 إذا كان الخطاب الموجه عن مجتمع المعرفة قد تحول عبر الآلة الاتصالية إلى حقل اشتغال للأيديولوجيا فإن مفهوم الإصلاح في المنطقة العربية وضرورة قيامه قد تحول هو الآخر أيضا ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب على العراق ومع إطلاق مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير للدول الثمانية إلى أيديولوجيا. فلم تحظ وثيقة معاصرة كمشروع سياسي وثقافي واقتصادي بكل تلك الدعاية والالتفاف الإعلامي مثل ما حظيت به كل من وثيقة تقرير التنمية العربية 2003 ومشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير سنة 2004. كلا الوثيقتين متلازمتين فلا قيمة لتقرير التنمية العربية إذا لم يتبع بوثيقة إصلاح الشرق الأوسط الكبير[2]، ومن جهة أخرى على هدي أي بيانات وحقائق ومرجعية يمكن أن يطلق مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير؟ وكيف يمكن لمشروع الإصلاح أن يتأصل سياسيا بتلك السرعة والسهولة بدون ذلك التشخيص "الرائع" في تقرير التنمية العربية2002 و 2003 عن حالة العرب اقتصاديا وثقافيا ومعرفيا؟ هاتان الوثيقتان أفرزتا أسئلة في القبول والرفض والتلقي أكثر من أسئلة في التفاعل الفكري الإيجابي. وقد عبر عن ذلك المفكر محمد عابد الجابري في كتابه "في نقد الحاجة إلى الإصلاح" معتبرا أن مفهوم الإصلاح مكبل بالشبهات فكتب : "كون الإصلاح الذي تريد الإدارة الأمريكية إقامته في الشرق الأوسط أو قيامه فيه-لا فرق- قد بدأ بالإفساد، ليس فقط إفساد ما كان موجودا من إصلاح قائم أو منتظر، بل أيضا بإرباك وطمس الطريق إلى الإصلاح الحقيقي."[3]في الحقيقة جاءت فكرة قبول الإصلاح في شكل استفهام وتعجب من رفضه : من يستطيع أن يقف ضد مبدأ الإصلاح ونبل شعاره وأهدافه ومشاريعه التنموية الواعدة التي تشق الساحة السياسية العربية؟ من يستطيع أن يرفض الإصلاح والمواطن العربي مقهور والمال العام مهدور والإرادة العربية مسلوبة؟ من يستطيع أن يعترض على أن يتحول المجتمع الذي ينتمي إليه إلى مجتمع معرفة؟ من يرفض أن يتحول بلده إلى بلد أمن وسلام يدعو إلى التسامح، أو يتجرأ أن يرفض مقاومة الإرهاب والقتل والخطف والتفجير مهما كانت نواياه وعقائده؟

مثل هذه الأسئلة يمكن صياغتها في شكل أسئلة في الرفض وبأسلوب استفزازي لسؤال القبول لتأتى صياغتها على النحو الآتي : من يقبل الإصلاح الوافد عليه قهرا وفلسطين والعراق ومزارع شبعا والجولان أراض عربية محتلة ؟ من يستطيع أن يقبل باسم حرية وسائل الإعلام وتحرير سوقها التي نادي بها مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير أن يتحول المجتمع العربي إلى مجمعات إعلامية استهلاكية واقعة تحت قبضة الشركات الاحتكارية الأمريكية التي تملك لوحدها 40% من مصادر الإعلام العالمي؟ من يقبل كل تلك الغوغاء حول الإنترنت ومجتمع المعلومات والمعرفة و60 مليون عربي يعاني من الأمية وثلثهم يعيش على دولارين في اليوم؟ من يقبل أن يتحول تدريس الإسلام في مناهج التعليم في المدارس العربية إلى تراث وتاريخ وثقافة عاشه العرب كما عاشه الأسبان في الأندلس والأتراك في عهد الدولة العثمانية؟ ومن يستطيع أن يعترض على المقاومة في فلسطين ويصفها بالإرهاب فحتى الملك فاروق صديق الإنجليز أرسل سنة 1948 جيشه إلى الجبهة على أمل تحرير فلسطين؟

لا يمكن التفاعل مع هذه الأسئلة وبشقيها من خلال الاجتهاد أو عناء البحث عن إجابة بل يمكن اعتماد تلك الأسئلة كمدخل لمراجعة بعض المفاهيم والتصورات المتعلقة بقضايا الإصلاح ومجتمع المعرفة والتي جاءت أغلبها في سياق مؤثرات ميدياتيكية أكثر منها معرفية. إن دلالات طرح مثل هذه الأسئلة هو تحويل موضوع الإعلام ومجتمع المعرفة ومشاريع الإصلاح إلى موضوع إشكالي ظاهر فكريا وثقافيا أكثر مما هو ظاهر سياسيا ودعائيا وفك رموز المصطلحات والأحداث المتجاذبة والمستهلكة فيه. أفردنا مثل تلك الأسئلة ونقيضها للقول إن التساؤل بمثل هذه المقاربة وفي كلتا الحالتين لا يمكن لا علميا ولا منهجيا أن يعتبر مدخلا سليما في التفكير المنهجي في هذا الكم الهائل من مشاريع الإصلاح والإصلاح المضاد التي يعيشها العالم العربي. فللكل دلائل سهلة وجاهزة لرفض الإصلاح وتقبله، كما أن البراهين العملية والفكرية تكاد تفيض لمن يريد الرفض أو القبول الأعمى لتلك المشاريع فيسهل عليه أن يتحول إلى معارض لدود أو متحمس غيور عن كل حرف من حروف مصطلح الإصلاح ومجتمع المعرفة. في واقع الأمر فإن الإصلاح في الشرق الأوسط قد أخذ شوطا كبيرا ليس فقط في التنظير والتعريف بل في الممارسة والتطبيق وأصبحت له أدبياته[4] ومؤسساته ورجاله وفضاءاته، وباتت نتائجه في بعض الدول العربية خفية وفي العراق أكثر من عينيه[5]. فقد أصبح هذا البلد الأرضية الخصبة والقاعدة الخلفية لتنفيذ برنامج إصلاح الشرق الأوسط بكل تفاصيله.[6] ومن جهة أخرى ورغم كل هذا السجال فلم نعثر في الأدبيات العربية على خطة أو مشروع للإصلاح يملك مرجعية وتماسكا إستراتيجيا ومعرفيا، مشبع بخطاب مقنع في حجم كل من تقريري التنمية العربية ومشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير.

ميزة تقريري التنمية البشرية 2002 و 2003 أنهما اعتمدا في صياغة مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير لمجموعة الدول الثمانية، فهما ليس دعاية إعلامية في شكل حملة علاقات عامة أمريكية بل وثيقة مركزية لبرنامج سياسي واقتصادي محكم تديره أجهزة متخصصة بالاعتماد على إمكانيات ليست بالهينة ذات مرجعية فكرية ستكون له في المستقبل تأثيرات سياسية وثقافية واجتماعية على العالم العربي. وقد نص مشروع الإصلاح في إحدى فقراته : "يمثل تقريرا التنمية البشرية العربية 2002 و 2003 نداءات مقنعة وملحة للتحرك في الشرق الأوسط الكبير". ويضيف مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير "يمكن لمجموعة الـثمانية أن تتفق على أولويات مشتركة للإصلاح تعالج النواقص التي حددها تقريرا الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية عبر: تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح، بناء مجتمع معرفي وتوسيع الفرص الاقتصادية". ومن جهة أخرى اعتمدت الوثيقة الألمانية الفرنسية التي يقف وراءها الإتحاد الأوروبي في مشروعها الخاص بإصلاح الشرق الأوسط وبذات القيمة والاهتمام على تقرير التنمية العربية 2003 فقد ذكرت أن :" وثيقة الإصلاح الألمانية الفرنسية تزكى تقارير برنامج الأمم المتحدة للتنمية التي تتضمن تشخيصاً جيداً، وتشكل بحد ذاتها برنامج إصلاحات".

أما مشروع إصلاح أجهزة المخابرات الأمريكية فقد اعتمد على ما جاء في تقرير التنمية العربية كمقدمة لمراجعة السياسة الخارجة الأمريكية وأخيرا وليس آخرا فإن كل القضايا المتصلة بالتنمية البشرية في العراق : إعلام، مرأة، تعليم، مجتمع مدني، تجارة، تتعامل معها قوات التحالف والحكومة العراقية بالاعتماد على ما توصل إليه تقرير التنمية العربية 2003 وما اقترحه مشروع إصلاح الشرق الأوسط، ليتحول العراق إلى ورشة عمل لا تهدأ لتنفيذ كل ما جاء به هذا المشروع من إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية ساعد على ذلك غياب مؤسسات الدولة التي تهاوت بعد سقوط بغداد[7]. وقد جاء في مشروع إصلاح الشرق الأوسط : "إن بلدان مجموعة الـثمانية، أيدت بدورها، هذه الجهود بمبادراتها الخاصة للإصلاح في منطقة الشرق الأوسط. وتبين الشراكة الأوربية المتوسطية، ومبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، وجهود إعادة الإعمار المتعددة الأطراف في أفغانستان والعراق التزام مجموعة الـثمانية بالإصلاح في المنطقة".

تؤكد كل هذه المؤشرات أن العراق يعتبر القاعدة الخلفية للإصلاح في الشرق الأوسط والتي لا يسوق-إعلاميا-لنجاحاته أو خيباته كما يسوق للإصلاح في بقية الدول العربية وهذا يعود إلى عدم مشروعية الحرب على العراق لدى الرأي العام العربي وإمكانية رفضه للإصلاح إذا ما كان النموذج العراقي هو الذي يجب الاهتداء به. يبدو أن الهدف الرئيسي للإصلاح في العراق هو تحقيق نتائج عملية ميدانية بحكم تحكم الولايات المتحدة في مقاليد الحكم بشكل غير مباشر، خاصة أمام غياب عنصر الاستقرار وهي فرصة لا تعوض. يمكن بعدها أن تسوق النتائج السياسية للمشروع الأمريكي في العراق لنفسها وبنفسها، كما كان الحال مع النجاح النسبي للانتخابات العراقية التي صورت إعلاميا على إنها انتصار للمفهوم الأمريكي في تصدير الديمقراطية ومعها صحة فكرة الحرب الوقائية ضد الإرهاب.

إذن فقضية الإصلاح ومجتمع المعرفة وتقرير التنمية العربية ليست قضية محلية لإحدى محافظات المغرب العربي أو مصر أو الخليج وإنما هي في الواقع قضية فكرية ذات أبعاد إستراتيجية معقدة ومتشابكة تريد تشكيل الخارطة الجيوسياسية وعلاقة المنطقة العربية بالعالم الغربي بعد أحداث سبتمبر 2001. كما أن ملف مجتمع المعرفة ليس فقط بتلك القضية الفكرية المجردة أو بحديث خاص في منتديات وملتقيات، بل هو مجموعة مركبة ومعقدة من المفاهيم والرؤى الإستراتيجية في كيف تتعامل عديد الأطراف الدولية مع المجتمع العربي الإسلامي من زاوايا جديدة : الإعلام، التعليم، المرأة. فمجتمع المعرفة هو عبارة عن أحد أحدث مخرجات السياسة الخارجية الأمريكية وأنجعها في إطار استهدافها تحريك المجتمعات العربية في العمق. فهو المدخل السليم الذي لا يمكن لأي طرف أن يعترض عليه، ولا يستطيع أي طرف في نفس الوقت أن يقبل به كما هو. فهو تنمية ولكنها بشرية بها بشائر مجتمع مدني وصحافة حرة وإعلام متعدد وامرأة تنتخب وبرلمانات تشرع وشباب يشتغل. لا مكان للغة السلاح ولا القروض المباشرة أو الهبات التي تحول وجهتها بل إن الحديث السليم اليوم هو في كيف يمكن الأخذ بتخلف تلك الدول العربية لتصبح ضمن سياق مجتمع المعرفة وضمن الخطة العالمية لمكافحة الإرهاب[8]. أما الإصلاح فهو بشكل ظاهر أو خفي تهديد ووعيد وفرض بالقوة وتدخل في الشؤون الداخلية وسيادة الدول. الإشكال هو أن تقرير التنمية العربية والذي أكد على ضرورة إقامة مجتمع معرفة وشخص تخلف العرب عن كل المؤشرات التنمية وأكد قاعدة الإصلاح بإمكانه أن يتحول وهنا يكمن الخلاف والجدل إلى مدخل سليم للعرب قبل الغرب في النهضة والتطور من أجل بناء الإنسان العربي.

3- حدود المفهوم وإشكالية التلقي

في البدء وعند حديثنا عن مجتمع المعرفة لا بد من تجاوز السؤال الذي يريد حصر المفهوم في مدى قبول  تكنولوجيات الاتصال الحديثة أم رفضها وهو سؤال قد يدفع بالوقوع فكريا في سؤال آخر عقيم : "مع أم ضد مجتمع المعرفة"؟ إن الضرورة المنهجية والفكرية تدفعنا إلى أهمية التعامل مع مجتمع المعرفة من خلال إظهار الأبعاد الاجتماعية والثقافية التي يختزلها. ويمكن ترجمة حدود هذا السؤال في سباق أغلب الدول العربية مثلا في الاستثمار في قطاعات الإنترنت كأحد مكونات مجتمع المعرفة والدعاية له على أمل الخروج من أزمة المديونية والبطالة وذلك دون عناء البحث عن مضمون ثقافي ووظيفة تنموية واضحة لشبكة الإنترنت، هكذا يقدم التقني على الاجتماعي والإجرائي على الإستراتيجي باسم مجتمع المعرفة[9]. ويمكن الاستدلال بما دعا إليه المفكر المغربي مهدى المنجرة من ضرورة عقلنة خطاب الإنترنت انطلاقا من النموذج المغربي بقوله "ليس للإنترنت أن يقدم للمغرب إلا بالقدر الذي يقدمه المغرب للإنترنت".[10] إن أثر هذا التسابق يبدو أكثر حضورا في الخطاب المعلن منه في مجال الممارسة، لنصوغ على هدي ذات المقولة ما يلي : ليس لمجتمع المعرفة أن يقدم للعرب إلا بالقدر الذي يقدمه العرب لمجتمع المعرفة.

هل أن نقد المجتمع أم نقد المعرفة هو المدخل السليم لمجتمع المعرفة على ضوء مشاريع الإصلاح في العالم العربي؟ سؤال مراوغ وخادع في قراءته الخطية الأولى ولكنه سؤال ماكر يريد أن يحشر ويطرح كل الظواهر وكل العناصر المشكلة لماهية مجتمع المعرفة على محك النقد. السبب المعرفي المشروع هو أن الخطاب المنتج عن مجتمع المعرفة جاء في غالبه يعرف ويسوق له وكأنه ظاهرة أو مفهوم إيجابي بالقوة وأن القراءة النقدية تكاد تكون غائبة في أغلب الأدبيات ذات الصلة. وقد يصبح اليوم نقد مجتمع المعرفة كمفهوم ورؤية خروج عن السرب بحكم تلك القدسية وذلك الالتفاف الأكاديمي والنخبوي والسياسي على إفراد هذا المصطلح عذرية فكرية أزلية. ينتشر هذا الخطاب ويسرى عبر توفير نوع من الغشاء وهو غشاء يلف كل مكونات مجتمع المعرفة من أية إمكانية للمساس أو الهتك المعرفي والنظري. تحول عرض الدولة وأية دولة عربية جزء من العرض المفاهيمي لمصطلح "مجتمع المعرفة". فما هو مجتمع المعرفة ؟

ليس الغرض من الخوض في المفهوم التأسيس لبراديغم مجتمع المعرفة وخلفياته التاريخية فهذا مبحث آخر لكن سنأخذ من المفهوم ما يساعدنا على تفكيك خطاب مجتمع المعرفة وعلاقته بالإصلاح، خاصة بعد أن أشرنا إلى  أن مجتمع المعرفة ظهر في الخطاب العربي من ضلع تقارير التنمية العربية والتي أفرزت بدورها مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير. وهو ما يحيلنا إلى بيان أن مجتمع المعرفة في الغرب يعتبر تاريخيا امتدادا لتطور علمي وتكنولوجي لتكنولوجيات الاتصال والمعارف المصاحبة لها في حين نجد أن نشأة مجتمع المعرفة في الخطاب العربي جاءت أسيرة الخطاب السياسي الداخلي المتأثر بالضغوطات الخارجية المطالبة بالإصلاح. وهنا يكمن الفرق التاريخي بين الغرب والمنطقة العربية في تعريف مجتمع المعرفة وهو ما يدفعنا إلى الإفصاح أنه لا وجود لمجتمع معرفة كوني أو إنساني بل إن بيئة الثقافية والاجتماعية لهذا أو ذلك المجتمع هي التي تحدد طبيعة مجتمع المعرفة وخصوصياته. من خلال متابعة الخطاب المنتج عن مجتمع المعرفة كقضية فكرية يصعب العثور على مراجعة للمفهوم، وإن توفرت بحوث عن هذا المصطلح فهي على شاكلة : "مجتمع المعرفة والتجارة الإلكترونية"، و"مجتمع المعرفة وثورة المعلومات"، و"مجمع المعرفة والفجوة الرقمية"...

غير أن غموض المفهوم بالإضافة إلى تدخل الخطاب الرسمي يعود أيضا إلى تداخل المرجعيات والخلفيات الفكرية التي تتآكل وتتفاعل بشكل يبدو في بعض الأحيان يأخذ منحى التناقض والصراع. فالعلوم الاجتماعية تتعامل مع مجتمع المعرفة انطلاقا من علاقة تكنولوجيات الاتصال الحديثة ونظم المعلومات وتأثيراتها الاجتماعية على الفرد والأسرة والمجتمع والرأي العام وقوى الضغط المجتمعية. الفلاسفة[11]يجردون مجتمع المعرفة من زاوية قراءتهم لما بعد الحداثة وكيفية تشكل فكر معرفي افتراضي وشبكات بشرية جديدة[12]. أهل القانون والعلوم السياسية يرون في التقاء تكنولوجيات الاتصال الحديثة بالقرار والسيادة نوع من امتداد السلطة وتشكلها من جديد. أخصائيو الاقتصاد يعتبرون أن تكنولوجيات الاتصال الحديثة والتي تعتبر العصب الحيوي لمجتمع المعرفة هي دلالة عن ميلاد اقتصاد لامادي طالما نظروا إليه. المهندسون والتكنوقراط هم الأكثر غيرة عن مجتمع المعرفة فهو حقلهم بامتياز بل أحد الحقول المؤسسة والمشرعة لوجودهم كجسد يبدع التقنية التي تفكر[13]. فمجتمع المعرفة هو تأكيد لسلطة تكنولوجيات الاتصال على سلطة المثقف التقليدي الذي لم يعد يملك المعرفة أن لم يتملك التقنية وهي ما يمكن أن نطلق عليها بالنظرية التقنوية لمجتمع المعرفة. من كل تلك الاتجاهات يمكن أن نستخلص أهم فكرة ألا وهي : إن المعرفة في صيغتها الحديثة وبالاعتماد على تكنولوجيات الاتصال لم تعد هرمية عمودية، بل أصبحت شبكية أفقية. 

هكذا يبدو التقاء مجتمع المعرفة بتكنولوجيات المعلومات من أكثر الحقول غليانا فكريا وتشعبا معرفيا يصعب تملكه وحصره لنتساءل ما هو نصيب علوم الإعلام والاتصال كأحد الحقول المعرفية من كل هذا السجال الفكري. يصعب القول بوجود قراءة خاصة لعلوم الإعلام والاتصال[14]ولماهية مجتمع المعرفة بل إن التفاعل يحدث طبقا لخلفية كل باحث، إذ نلتقي بالخلفية الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو غيرها من الأبعاد والأنساق ذات الصلة بالعلوم الإنسانية[15]. في هذا السياق يرى برنار مياج الفرنسي المختص في علوم الإعلام والاتصال أن حضور أخصائي علوم الإعلام والاتصال في الجدل القائم حول مجتمع المعرفة كان فاترا أن لم يكن غائبا وخاصة في قمة مجتمع المعرفة التي عقدت في جينيف 2003 ثم تونس 2005 وهو ما يوحي بفسح المجال أكثر للخبراء والتكنوقراط أكثر من الباحث والمثقف[16].أمام كل هذا وذاك لا يمكن أن نغفل دور المدرسة النقدية التي تسعى إلى تجاوز الحصر الفكري وتحاول تتبع ونقد أية مدرسة تريد التأسيس لمجتمع المعرفة بالاعتماد فقط على تكنولوجيات الاتصال وهو ما قد يؤدي إلى الإنفراد به فكريا وغلقه في بوتقة العلوم الفيزيائية أو الاجتماعية أو السياسية وتجاهل عنصر التعدد والاندماج الذي يمثله مجتمع المعرفة[17]. عربيا يبدو كل هذا التداخل ظاهر أكثر في الخطاب منه في الفكر، فالنزعة البراغماتية في علاقة مجتمع المعرفة بتكنولوجيات الاتصال هي الطاغية. وهذه الرؤية تجعل البعض لا يحمل نفسه عناء السؤال والبحث عن ماهية الحاجة لمجتمع المعرفة لتتضارب في بعض الأحيان النتائج مع الغايات ليتحول الإنترنت إلى فضاء للإقصاء والإرهاب أكثر منه فضاء للتواصل ويصبح التعليم الإلكتروني آلة لتخريج بطالة عوض الحد منها.

رغم هذا الاختلاف وذلك التجاهل يمكن حسم المفهوم من خلال ذكر ما عليه من إجماع ولعل أكثر العناصر التي حولها إجماع هي أن لا وجود لمجتمع معرفة بدون تكنولوجيات الاتصال الحديثة، بل إن تقنيات الاتصال هي علامة ميلاد مصطلح ومفهوم مجتمع المعرفة مدفوعا بعنصر تحرير الأسواق (العولمة). المقصود إذن بمجتمع المعرفة وبعد أن أكدنا قيمة تكنولوجيات الاتصال الحديثة هو ذلك المجتمع الذي يقوم على أساس نشر المعرفة وإنتاجها،وخاصة توظيفها بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجتمعي من اقتصاد ومجتمع مدنيوسياسة، مرورا بالحياة الخاصة للفرد، ووصولا إلى إقامةالتنمية الإنسانية على مبدأ حرية الرأيوالتعبير عبر وسائل إعلام حرة ومستقلة وتنظم الناس في أحزاب ونقابات. كما يركز مجتمع المعرفة على النشر الكامل للتعليم النوعي وتوطين العلموبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التكنولوجي في جميع النشاطات الإنسانية[18]. إذن إن أية رؤية إستراتيجية لإقامة مجتمع المعرفة فيالعالم العربي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار إطلاق الحريات وتعدد حريات الرأي والتعبير والتنظيم والإعلام وهي الحريات الضرورية القادرة على توفير المناخ الاجتماعي المناسب للبحث العلمي وتطوير التقنية وحرية التعبير الفني الجمالي.[19]

من أجل تفعيل كل هذه العناصر المشكلة لمجتمع المعرفة يبدو أن إفراد السؤال المركب مكانه الصحيح في مسار الفكر العربي كفيل ببيان طريق تبلور مجتمع معرفة عربي. أول الأسئلة هي : إذا ما سلمنا بأن مجتمع المعرفة هو مصطلح ومفهوم إشكالي سجالي قابل للنقد فإن هذا يعنى أن المجتمع في مرتبته السياسية قد أصبح بدوره مفهوما إشكاليا قابلا للنقد. في صيغة أخرى، إذا كان المجتمع قابلا-بالفعل-للنقد فلم لا ينقد مجتمع المعرفة الذي هو جزء منه. والسؤال الثاني من (المصطلح/المفهوم) يتصل بالمعرفة ذاتها. فإذا كانت المعرفة في الفكر العربي موضوعا محل خلاف فإن مجتمع المعرفة لا يمكن أن يكون-بالقوة-إلا موضوعا خلافيا. فلماذا توجد رغبة في عدم نقد مجتمع المعرفة والتماهي بلا حدود في نقد مكونات المجتمع ومكونات المعرفة كظاهرتين منعزلتين. فكأن بتقارير التنمية العربية ومبادرة الإصلاح المختلفة قد نقدت المجتمع العربي وتخلفه ونقدت تخلف المعرفة العربية أما صياغة مشروع مجتمع معرفة بديل فهذا ما لا يمكن الإقرار به. فلم نعثر طيلة قراءتنا لكل مشاريع الإصلاح والإصلاح المضاد عن مكونات  جادة لمجتمع بديل، وهو ما يحول كل من مجتمع المعرفة والإصلاح إلى مشاريع تتناقلها الميديا والخطب أكثر من أن تؤسس لها العقول ومختبرات. لذلك وعلى هدي ما تقدم نعتقد أن مجتمع المعرفة والمعلومات في العالم العربي في حاجة إلى مقاربة نقدية بل قل في حاجة إلى مراجعة ورؤية فكرية ذات مرجعية تأسيسية خاصة عندما نلتقي بمشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير. هذا المشروع يصح أكثر أن نطلق عليه اسم "مشروع" مجتمع المعرفة أكثر من كونه مشروعا للإصلاح. إن أكبر فضل لمشروع إصلاح الشرق الأوسط وتقرير التنمية العربية هو دفعهما لمصطلح مجتمع المعرفة إلى الشيوع وتحوله إلى عنصر يثير حفيظة السياسي واهتمامه، نقد المثقف واشتغاله، وحتى اهتمام المواطن العربي واستغرابه فيصبح الإشكال ليس في مضمونه وإنما في تلقيه، إذ يبدو أن التلقي هو أحد العناصر المحددة للمفهوم وللمضمون.

أثار صدور تقرير التنمية العربية ردود فعل نقدية سياسية هي عبارة عن ضجة للاستهلاك الإعلامي عطلت إمكانيات بروز حركة نقدية فكرية أو ثقافية جادة ويعود هذا إلى الطابع الحمائي والدفاعي "البيولوجي" الذي تعيشه الأمة العربية منذ الحملات الاستعمارية في القرن التاسع عشر[20]. المطلع على تقرير التنمية العربية زمن صدوره لا يمكن إلا أن يصاب بالبؤس والإحباط أمام ذلك الكم الهائل من الأرقام والنسب والمقارنات المفجعة والمتدنية ويصل الأمر بالمتشائم أمام تلك الحقائق والدلائل إلى حد التساؤل الذاتي عن المستقبل الذي ينتظره وينتظر أبناءه. وعند البعض الآخر أثار تقرير التنمية العربية نوعا من العلاج النفسي وذلك من خلال حالة من النشوة والنرجسية وخاصة لدى بعض المعارضات والمثقفين العرب. وقد سبق للبعض من هؤلاء أن نبه في كتاباته أو مقالاته الصحفية أو خطبه السياسية إلى بعض أو إلى كل ما جاء في تقرير التنمية العربية، مؤكدا أنه كان من بين السباقين والأوائل الذين حذروا ونبهوا بأن العرب متخلفين قياسا للغرب وأنهم سائرون نحو الهاوية. جمع آخر ثارت ثائرته عن هذا التقرير الملغوم وذلك المشروع الاستعماري ودخل في أسهل المصلحات كتابة وهي : الاستعمار الجديد والإمبريالية الثقافية وفرض النموذج الغربي على الأمة العربية ذات التاريخ الحضاري الهائل دون الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية وأن الإصلاح إن كان له أن يحدث فيجب أن يأتي من الداخل وليس تدخلا خارجيا في شؤون العرب. مثل هذا الخطاب متداخل المرجعيات والخلفيات السياسية يلتقي حوله اليساري والإسلامي ويتماهي معه خطاب السلط العربية مع بعض معارضاتها. الكل تجمعهم حيرة واحدة هي كيف يمكن أمام كل تلك الحقائق أن يحقق العرب القفزة التاريخية الكبرى نحو مجتمع المعرفة والأمية موغلة فيهم والفقر ينهش أكثر من نصفهم. هل يوجد بصيص أمل؟ مثل هذا السؤال الساذج والملح والضروري لا يمكن لأي مواطن غيور إلا أن يطرحه وهو يطلع على صفحات تقرير التنمية أو مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير.

نعود إلى مجتمع المعرفة لنقول أن هذا المصطلح جاء في الغرب متلازما مع عدة تحولات لعل أهمها اندماج تقنيات الاتصال مع صناعة المعلومات وهي مرحلة ما بعد المجتمع الصناعي وهي مرحلة أدت إلى اندماج شركات دولية عملاقة مستفيدة من سوق محررة وعولمة شرسة تأكدت مع تأسيس منظمة التجارة العالمية. كما أن مجتمع المعرفة هو تطور طبيعي لتحولات يعيشها المجتمع الغربي تتمثل في الخروج من مجتمع صناعي والدخول التدريجي في مجتمع المعرفة وهو مجتمع الذكاء والاقتصاد اللامادي الذي أصبح يطلق عليه سوسيولوجيا بالمجتمع الرقمي. يصوغ الغرب خطابا كونيا عن مجتمع المعرفة بحكم الحركة التسويقية المعولمة للشركات المتعددة الجنسيات العاملة في حقل الإتصالات في حين نجد أن خطاب مجتمع المعرفة في دول الجنوب عاد إلى مقولة عدم التكافؤ بين الشمال والجنوب وقضية الفجوة الرقمية. وهي امتداد للإشكالية التي كانت محل سجال طيلة الثمانينات وبإشراف اليونسكو حول عدم تكافؤ التدفق الإعلامي بين الشمال والجنوب والتي تحولت اليوم إلى شعار نضالي جديد ترفعه الدول ويدافع عنه خاصة المجتمع المدني : "محاربة الفجوة الرقمية".

4- المبادرة الأوروبية للإصلاح

تفاعلا مع كل هذا التجاذب الفكري والسياسي الداخلي والخارجي ظهرت مجموعة من المبادرات حينا ومن المشاريع أو المقترحات أحيانا أخرى وهي كلها تتموضع حول قضايا الإصلاح السياسي وتحرير الإعلام وبناء مجتمع معرفي ومدني. تلك المشاريع هي برامج في هيئة قوى ضغط سياسية وإعلامية ومالية ذات تأثيرات إستراتيجية فائقة الدقة والوضوح. هذه القوى السياسية والاقتصادية هي جهتين : الأولى هي كل من فرنسا وألمانيا ومن ورائهما أوروبا المتعثرة بدستورها أما الثانية فهي الولايات المتحدة الأمريكية المتنصرة-نسبيا-في حربين، واحدة بشرعية أممية أوروبية(أفغانستان) وأخرى بشرعية غائبة أو منقوصة (العراق).

يحتوى نص المبادرة الفرنسية الألمانية للإصلاح في الشرق الأوسط على أربعة أهداف  ومجموعة من مبادئ العمل وأربعة اقتراحات لتفعيل بنود هذه المبادرة. في باب الأهداف يتعلق الهدف الأول بحال منطقة الشرق الأوسط كمصدر قلق مشترك تتقاسمه الدولتين مع شركائهم في المنطقة العربية والشركاء الأطلسيين ومستقبلها وتؤكد الوثيقة : "نحن على استعداد لدعم بلدان الشرق الأوسط وتشجيعها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إن كل مبادرة في شأن الشرق الأوسط ينبغي أن تلبي حاجات المنطقة وتطلعاتها، ونجاحها يتوقف بالدرجة الأولى على هذه البلدان. إن تطلعات المواطنين-وهم في غالبيتهم من الشباب- كبيرة، إذ أن نصــف سكان المنطقة هم دون الثامنة عشرة، ويقضي التحدي الحقيقي بتعديل الوضع القائم على أساس شراكة صادقة وتعاون ورؤية مشتركة، إن الحكومات مثلها مثل المجتمع المدني شريكة في هذه المهمة".[21]

أما الهدف الثاني والذي جاء تحت شعار الإتحاد الأوروبي الذي تمثل كل من ألمانيا وفرنسا محوره فإن الدولتين تدعوان الاتحاد الأوربي إلى أن يستجيب لهذه الأهداف،" إذ أن لأوروبا مصلحة كبيرة في التطور الإيجابي للمنطقة، فإلى جانب التحديات الأساسية للأمن، هناك الروابط الجغرافية والثقافية والاقتصادية والبشرية بين أوروبا والمنطقة والتي تدفع بوضوح في هذا الاتجاه. ويمثل الالتزام الحالي للاتحاد الأوربي تجاه دول البحر الأبيض المتوسط والشرق الأدنى والأوسط أولوية مركزية في إطار العمل الأوربي". والهدف الثالث جاء تفاعلا مع ما اقترحته الولايات المتحدة من أفكار في شأن الشرق الأوسط الكبير وسبل مواكبة تحديثه، وإحلال الديمقراطية فيه، ويؤكد المشروع الفرنسي الألماني أنه :" علينا أن نستقبل بإيجابية إمكانية عملنا معاً، وتنسيق جهودنا، وينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يتطلع إلى شراكة عبر الأطلسي مع الشرق الأوسط، كما ينبغي عليه أن يحدد مقاربة مميزة تكمل مقاربة الولايات المتحدة الأمريكية، بالاستناد إلى مؤسساته الخاصة وأدواته".

ويكمن الفرق بين المشروع الألماني-الفرنسي والأمريكي على مستوى آليات تفعيل الإصلاح ففي حين تؤكد الوثيقة الأمريكية على دور الدبلوماسية العامة والمخابرات والجمعيات الأهلية والمنظمات الأمريكية فإن الوثيقة الأوروبية ترى أن " قوة الدفع ينبغي أن تأتي من المنطقة، إن كل الدول والمجتمعات المعنية عبرت عن حذر جماعي قوي في وجه أي محاولة لفرض نموذج من الخارج". لذلك فإن الوثيقة الفرنسية الألمانية للإصلاح تدعو إلى التعامل مع كل البلدان للاستجابة لمطالبها قدر الإمكان وفي أقرب مرحلة ممكنة وذلك عبر مشاركتها في صياغة وثيقة الإصلاح: "فمن الضروري التحرك عبر الحوار وتحفيز الحكومات، وأيضاً مع المجتمعات المدنية بالالتصاق قدر الإمكان بحقائق كل بلد". وتتلخص آليات العمل في هذه الوثيقة على تفعيل دور المنظمات الدولية الأوروبية والتابعة لمنظمة الأمم المتحدة ويمكن تلخيص مبادئ العمل للمبادرة الفرنسية الألمانية في النقاط التالية : ضرورة الأخذ في عين الاعتبار المشاعر الوطنية وهوية كل بلد. إن المقاربة الألمانية الفرنسية تستند إلى الإستراتيجية الأمنية الأوربية التي أقرها الاتحاد الأوربي في ديسمبر 2003، وهذا سيشمل الأوجه السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك تشكيل مجتمع مدني. كما تعتمد الوثيقة الألمانية الفرنسية وتزكى تقارير برنامج الأمم المتحدة للتنمية التي تتضمن تشخيصاً جيداً، وتشكل بحد ذاتها برنامج إصلاحات".

ما يمكن أن نلاحظه من خلال قراءتنا للمبادرة الفرنسية الألمانية تركيزها على الدور الأوروبي في الإصلاح وذلك حتى لا تنفرد أمريكا بهذا الملف مما يحيلنا إلى عدم وجود تعارض على مستوى المبدأ بل إحالة أوروبية على أهمية المنظمات الرسمية الأوروبية والأممية في الإصلاح في حين ترى أمريكا ضرورة إيجاد مؤسسات أهلية مستقلة محلية أو دولية مدعومة لتفعيل مشروع الإصلاح داخل دول منطقة الشرق الأوسط الكبير. من جهة أخرى تركز الوثيقة الألمانية على أهمية أن ينبع الإصلاح من الداخل وليس كما هو الحال في التصور الأمريكي القائم على إمكانية التدخل كشكل وقائي وبأساليب جديدة (دبلوماسية، أمنية، مخابراتية). أما فيما يتعلق بمجتمع المعرفة فإن الوثيقة تتبني تشخيص تقرير التنمية  العربية وتعتبره مشروعا في حد ذاته. كما أن هذه الوثيقة لم تغفل ضرورة تحرير وسائل الإعلام من هيمنة الضغوط المباشرة وغير المباشرة للسلط في منطقة الشرق الأوسط. وفي النهاية فإن كل من ألمانيا وفرنسا هي دول أعضاء في مجموعة الثمانية وأن مشروع إصلاح الشرق الأوسط هو مشروع لهذه المجموعة ملزم لكل الدول الأعضاء، وما مقترحها الخاص بالإصلاح إلا تأكيدا على ضرورة إيجاد نوع من التباين النسبي بينها وبين أمريكا. ولفهم هذا التباين يمكن العودة إلى الخلاف الأوروبي الأمريكي حول مبررات غزو العراق سنة 2003 واعتراض فرنسا وألمانيا شن الحرب بمبرر الحرب الوقائية والذي يحمل في طياته إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط أمريكيا وهي إحدى أهداف الإصلاح الأمريكي غير المعلنة. ولم تتعرض هذه الوثيقة إلى ملف مجتمع المعرفة بنفس الأهمية التي أفردها مشروع إصلاح الشرق الأوسط، ويحيلنا هذا إلى أن مصطلح مجتمع المعرفة وجملة مفاهيمه هو صناعة أمريكية، زكته أوروبا والدول الثمانية ليأخذ تأشيرة ووصفة دولية.

5- الشرق الأوسط الكبير وتدويل الإعلام العربي

يحتوى مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير على ثلاثة أبواب هي تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح وبناء مجتمع معرفي وتوسيع الفرص الاقتصادية كما يحتوى على ديباجة هامة هي عبارة عن مقدمة مقتبسة من تقريري التنمية العربية 2002 و2003. في البداية يمكن إبداء الملاحظة التالية وهي أن إحدى أهم هينات مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير تتمثل في الباب الخاص بالاقتصاد وبتوسيع الفرص الاستثمارية. فهو من الأبواب التي لم تواجهه ردود فعل رافضة ولم يلق حظه من النقاش والجدل. لربما يعود هذا إلى قبول الدول العربية غير المشروط بالإصلاحات الاقتصادية لأنها ستدر عليها هبات مالية وامتيازات مادية مباشرة. أما أكثر الفقرات التي أفرزت جدلا فهي الخاصة بالإصلاح السياسي الذي أثار إشكالية الخصوصيات المحلية في حين لا تثار قضية الخصوصية عندما يتعرض النقد لباب الإصلاحات الاقتصادية. وقد ركز التقرير أكثر على قضية إدارة المؤسسات المالية وتحسين الخدمات ولم يتحدث عن صناعات ثقيلة أو تطوير للبنية الاقتصادية للدول العربية لتصبح دولا مصنعة للسيارات أو الأسلحة والطائرات وتكنولوجيا الاتصالات المتطورة وإنما فقط تشجيع المؤسسات الاقتصادية الصغرى لتقوم بدور الوسيط للشركات الغربية الاحتكارية متعددة الجنسيات.

إن تخلف الدول العربية الاقتصادي يجمع عليه خبراء العالم فهي من أكثر الدول فقرا فالمعارضات العربية التي صعدت في السبعينات في تونس ومصر والمغرب وفي أغلب الدول العربية قد عبرت على أن الأزمة التي عصفت بالعرب منذ فشل مشاريع التحديث القطرية لدولة ما بعد الاستقلال ليست اقتصادية. فالأزمة هي في المقام الأول سياسية تتجسد أساسا في الحكم الصالح والديمقراطية ومشاركة الشعب. فبرزت أغلب الأحزاب العربية منادية بالديمقراطية وكانت الديمقراطية هي أفضل التسميات لحركات المعارضة والاحتجاج منذ السبعينات. إن مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير عبر تركيزه على البعد السياسي وغض الطرف عن البعد الاقتصادي للإصلاح قد قطع الطريق أمام الأنظمة التي لازالت عبر خطابها تريد تأطير أزمة مجتمعاتها بأنها اقتصادية لا أكثر، أزمة تختزل في قلة الإمكانيات وعلى الجماهير أن تعمل ولا تضيع الوقت في المهاترات الكلامية عن الديمقراطية والأفكار الخارجية التي تريد زعزعة الاستقرار والأمن وأن المؤهل الوحيد سياسيا لحماية الوطن وصيانة الدستور هو الملك أو القائد أو الزعيم أو الحزب الذي جاء بالاستقلال. فمع مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير عاد طرح الموضوع السياسي كأولية مدعوما بفكرة تأسيس مجتمع المعرفة. فلم يقنع حديث المجتمع المدني ولا نقد المعارضات في الداخل السلط العربية الحاكمة بصحة مقولة أولوية السياسي حتى جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب على الإرهاب وأفغانستان والعراق لتدخل كل مشكلات العالم العربي الموروثة منذ الاستقلال إلى حضيرة التدويل. السبب المباشر في تدويل الشأن العربي يتمثل في أن الأنظمة العربية أصبحت ليس فقط خطرا على شعوبها بل على شعوب العالم والإنسانية قاطبة ثم أنها باتت عاجزة عن التقدم بشكل مستقل لإدارة شؤونها العامة مما يستدعى تدخلا عاجلا لكل الأطراف الدولية التي لها مصلحة أمنية أو سياسية أو اقتصادية في المنطقة العربية.

 

بعد إفراد البيانات الخاصة بالتنمية البشرية يتعرض مشروع إصلاح الشرق الأوسط للدول الثمانية إلى المعطيات الإحصائية المعرفية التي لا يمكن فصلها عما سبق من بيانات ومعطيات تنموية متدنية فيشير إلى أن  1.6 % فقط من السكان بإمكانهم استخدام الإنترنت، وهو رقم أقل مما هو عليه في أي منطقة أخرى في العالم، بما في ذلك بلدان أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى. أما النساء فلا يشغلن سوى و5،3 % فقط من المقاعد البرلمانية في البلدان العربية، بالمقارنة، على سبيل المثال، مع 4،8 % في أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى. أما فيما يتصل بالشباب فتعتمد الوثيقة من جديد على تقرير التنمية العربية لتؤكد أن 51 % من الشبان العرب الأكبر سنا عبروا عن رغبتهم في الهجرة إلى بلدان أخرى وخاصة البلدان الأوروبية وتعكس هذه الإحصائيات أن المنطقة تقف عند مفترق طرق، مما سيمثل تهديدا مباشرا لاستقرار المنطقة، وللمصالح المشتركة لأعضاء مجموعة الدول الـثمانية. ويمثل تقريرا التنمية البشرية العربية حسب مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير "نداءات مقنعة وملحة للتحرك في الشرق الأوسط الكبير". وهي نداءات لا يرددها الغرب وأمريكا بل وأكاديميون وأصحاب القطاع الخاص في أرجاء المنطقة. إن التغيرات الديموغرافية المشار إليها أعلاه، وتحرير أفغانستان والعراق من نظامين قمعيين، ونشوء نبضات ديمقراطية في أرجاء المنطقة، ستتيح لمجموعة الـثمانية فرصة تاريخية. إذ ينبغي للمجموعة أن تصوغ شراكة بعيدة المدى مع قادة الإصلاح في الشرق الأوسط، وتطلق ردا منسقا لتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.[22]

وأما فيما يتعلق بمبادرة وسائل الإعلام المستقلة والتي تمثل حجر الأساس في مشروع الإصلاح وقاعدة مجتمع المعرفة فيشير تقرير التنمية البشرية 2003 إلى أن هناك أقل من 53 صحيفة لكل 1000 مواطن عربي، بالمقارنة مع 285 صحيفة لكل ألف شخص في البلدان المتطورة. وأن الصحف العربية التي يتم تداولها تميل إلى أن تكون ذات نوعية رديئة[23]. ومعظم برامج التلفزيون في المنطقة تعود ملكيتها إلى الدولة أو تخضع لسيطرتها. إذ تفتقر البرامج إلى التقارير ذات الطابع التحليلي والتحقيقي الاستقصائي[24]. ويقود هذا النقص إلى غياب اهتمام الجمهور وتفاعله مع وسائل الإعلام المطبوعة، ويحد من المعلومات المتوافرة للجمهور. ولمعالجة ذلك، يمكن لمجموعة الـثمانية أن تساهم في :

-   رعاية زيارات متبادلة للصحفيين في وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعية. [25]

-      رعاية برامج تدريب لصحفيين مستقلين. [26]

-   تقديم "زمالات" دراسية لطلاب كي يداوموا في مدارس للصحافة في المنطقة أو خارج البلاد، وتمويل برامج لإيفاد صحفيين أو أساتذة صحافة لتنظيم ندوات تدريب بشأن قضايا مثل تغطية الانتخابات أو قضاء فصل دراسي في التدريس في مدارس بالمنطقة.[27]

-   أما عن الجهود المتعلقة بالشفافية ومكافحة الفساد فقد حدد البنك الدولي الفساد باعتباره العقبة الكبرى في وجه التنمية، وقد أصبح متأصلا في الكثير من بلدان الشرق الأوسط الكبير. مما يستوجب ضرورة التشجيع على تبني "مبادئ الشفافية ومكافحة الفساد" الخاصة بمجموعة الثمانية، عبر إطلاق واحد أو أكثر من البرامج التجريبية لمجموعة الـثمانية حول الشفافية في المنطقة. هذا بالإضافة إلى العمل العلني لمبادرة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي يناقش من خلالها رؤساء حكومات ومانحون ومنظمات غير حكومية إستراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد وتعزيز خضوع الحكومات للمساءلة.

جاء في مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير : "أنه أخذا بعين الاعتبار أن القوة الدافعة للإصلاح الحقيقي يجب أن تأتي من الداخل، وبما أن أفضل وسيلة لتشجيع الإصلاح تكون ببعث منظمات تمثيلية، فعلى مجموعة الدول الثمانية أن تشجع على تطوير المنظمات الفاعلة للمجتمع المدني في المنطقة وذلك عبر تشجيع حكومات المنطقة على السماح لهذه المنظمات، ومن ضمنها المنظمات غير الحكومية الخاصة بحقوق الإنسان ووسائل الإعلام، على أن تعمل بحرية ومن دون مضايقة."[28]من جهة أخرى تدعو الوثيقة إلى اعتماد التمويل المباشر للمنظمات المهتمة بالديمقراطية وحقوق الإنسان ووسائل الإعلام والنساء وغيرها من المنظمات غير الحكومية في المنطقة. هذا بالإضافة إلى دعم القدرة التقنية للمنظمات غير الحكومية في المنطقة بزيادة التمويل والتدريب لها وكذلك في كيفية وضع برامج ذات تأثير على الحكومة وتطوير إستراتيجيات خاصة بوسائل الإعلام والناس العاديين لكسب التأييد. كما يمكن لهذه البرامج أن تتضمن تبادل الزيارات وإنشاء شبكات إقليمية[29]، ويصبح هذا ممكن عبر تمويل منظمات غير حكومية تجمع بين خبراء قانونيين أو خبراء إعلاميين من المنطقة لصياغة تقويمات سنوية للجهود المبذولة من أجل الإصلاح القضائي أو حرية وسائل الإعلام في المنطقة كما يمكن في هذا الإطار الإقتداء بنموذج "تقرير التنمية البشرية العربية"[30].

يبدأ الفصل الخاص ببناء مجتمع معرفي-مجتمع المعرفة-بما جاء في تقرير التنمية البشرية العربية، 2002 الذي أكد على أن المعرفة : "تمثل الطريق إلى التنمية والانعتاق، خصوصا في عالم يتسم بعولمة مكثفة".  لقد أخفقت منطقة الشرق الأوسط الكبير، التي كانت في وقت مضى مهد الاكتشاف العلمي والمعرفة إلى حد بعيد في مواكبة العالم الحالي ذي التوجه المعرفي. وتشكل الفجوة المعرفية التي تعانيها المنطقة ونزيف الأدمغة المتواصل تحديا لآفاق التنمية فيها. ولا يمثل ما تنتجه البلدان العربية من الكتب سوى 1،1 % من الإجمالي العالمي، وتشكل الكتب الدينية أكثر من 15 % منها. ويهاجر حوالي ربع كل خريجي الجامعات، وتستورد التكنولوجيا إلى حد كبير. ويبلغ عدد الكتب المترجمة إلى اللغة اليونانية (التي لا ينطق بها سوى 11 مليون شخص) خمسة أضعاف ما يترجم إلى اللغة العربية. وبالاستناد على الجهود التي تبذل بالفعل في المنطقة، يمكن لمجموعة الـثمانية أن تقدم مساعدات لمعالجة تحديات التعليم في المنطقة ومساعدة الطلاب على اكتساب المهارات الضرورية للنجاح في السوق المعولمة وذلك عبر مجموعة من المبادرات مثل مبادرة التعليم الأساسي، الذي يعاني من نقص وتراجع في التمويل الحكومي، بسبب تزايد الإقبال على التعليم تماشيا مع الضغوط السكانية. كما يعاني تعليم البنات عوائق تعود في الأصل إلى اعتبارات ثقافية.

وعلى خلفية ما تقدم يمكن لمجموعة الثمانية السعي إلى مبادرة للتعليم الأولي في منطقة الشرق الأوسط تشمل محو الأمية عبر تشكيل فرق مختصة وتحديث الكتب المدرسية وتأسيس مدارس للاكتشاف ثم إصلاح التعليم وأخيرا مبادرة التعليم عبر الإنترنت. أما المبادرة الثانية فهي "محو الأمية"، إذ أطلقت الأمم المتحدة في 2003 "برنامج عقد مكافحة الأمية" تحت شعار "محو الأمية كحرية". ولمبادرة مجموعة الثمانية لمكافحة الأمية أن تتكامل مع برنامج الأمم المتحدة، من خلال التركيز على إنتاج جيل متحرر من الأمية في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل، مع السعي إلى خفض نسبة الأمية في المنطقة إلى النصف بحلول 2010. ستركز مبادرة مجموعة الثمانية مثل برنامج الأمم المتحدة على النساء والبنات. يتطلب كل هذا فرقا لمحو الأمية كما يمكن لمجموعة الثمانية أن تسعى إلى تحسين مستوى القراءة والكتابة لدى الفتيات عبر إنشاء أو توسيع معاهد تدريب المعلمين مع التركيز على النساء وعلى معلمات المدارس والمختصات بالتعليم القيام في هذه المعاهد بتدريب النساء على مهنة التعليم. كما يركز المشروع على الكتب التعليمية، فتقرير التنمية البشرية العربية لاحظ نقصا كبيرا في ترجمة الكتب الأساسية في الفلسفة والأدب وعلم الاجتماع وعلوم الطبيعية. كما تلاحظ "الحالة المؤسفة للمكتبات" في الجامعات، ويمكن لكل من دول مجموعة الثمانية تمويل برنامج لترجمة مؤلفاتها "الكلاسيكية" في هذه الحقول. أما مبادرة مدارس الاكتشاف فقد بدأ الأردن بتنفيذ مبادرته لإنشاء "مدارس الاكتشاف" حيث يتم استعمال التكنولوجيات المتقدمة ومناهج التعليم الحديثة[31].

وبعد عرض أهم مكونات مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير وخاصة العناصر المكونة لمجتمع المعرفة نرى أن مجتمع المعرفة طبقا لمشروع الإصلاح يمر عبر التعليم ومحاربة الأمية وربط التعليم بتكنولوجيات الاتصال الحديثة مثل الإنترنت. وأن هذا المشروع يؤكد على أن مجتمع المعرفة هو المجتمع العربي المنشود. إنه ذلك المجتمع الذي تتوفر فيه بشكل متواز الحرية وخاصة حرية وسائل الإعلام ثم سياسة تعليمية متطورة تأخذ بعين الاعتبار تكنولوجيات الاتصال الحديثة. لا نجد صدى لتشخيص متواز في الخطاب الرسمي العربي في تحدديه لمجتمع المعرفة بل إن مثل هذا الخطاب يحبذ استعمال تقنية المعلومات لحصر المعرفة في بعدها التقني والعلمي الشمولي دون السعي إلى تنزيلها في قضايا ذات علاقة بحرية التعبير واستقلالية وسائل الإعلام والحكم الصالح وفاعلية مؤسسات المجتمع المدني ثم التعليم الحديث العصري الذي يعتمد على تكنولوجيات الاتصال الحديثة.

6- قانون إصلاح أجهزة الاستخبارات

ظهرت أصداء تقرير التنمية العربية وإصلاح الشرق الأوسط الكبير أيضا في تقرير نشرته وزارة الخارجية الأمريكية سمي بقانون "إصلاح الاستخبارات الأمريكية والحيلولة دون وقوع الإرهاب" الذي وقعه الرئيس جورج بوش[32]. وقد ضع التقرير برنامجا تجريبيا لتقديم منح دراسية لمدارس ترعاها الولايات المتحدة في دول إسلامية كما يتضمن تعليمات بإنشاء وزارة الخارجية "لصندوق فرص الشباب الدولي" من خلال منظمة دولية لتحسين التعليم الحكومي في الدول التي يشكل المسلمون غالبية سكانها. وهدف هذا الصندوق هو :  "تحسين التعليم الحكومي في الدول الإسلامية والتواصل مع عناصر من الشباب المسلم في سن مبكرة لتسهيل جذبهم للفكر الأمريكي وتقديمهم العون الاستخباراتي اللازم للولايات المتحدة إذا لزم الأمر فيما بعد".  ولأول مرة في تاريخ العلاقات الدولية تؤسس دولة أجنبية علنا قانونا للتعاون مع إعلاميين محليين في إنشاء وسائل إعلام محلية في الدول العربية والإسلامية. وكان سبق للولايات المتحدة عبر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تقديم تمويل سري لصحف ومجلات عربية في أواخر الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي في كل من مصر ولبنان أشهرها صحيفة أخبار اليوم التي أتهم فيها الأخوان مصطفي وعلي أمين، إلى جانب نشر مطبوعات بتمويل مباشر مثل مجلة "المختار" التي توقفت فيما بعد نظرا لفشلها في تحقيق أهدافها. [33]

يدعو قانون إصلاح أجهزة الاستخبارات الأمريكية إلى الربط بين الدبلوماسية العامة ومشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير تحت رعاية أجهزة المخابرات والمنظمات التي تتعامل معها. ولبلوغ كل هذا يرى المشروع أنه بالإمكان الربط بين المخابرات والعلاقات العامة كمنهج وأسلوب جديد في الدبلوماسية[34]من خلال تمويل وإنشاء الصحف والمحطات التلفزيونية في الدول العربية وتدريب صحفيين. تعتزم إذن الحكومة الأمريكية في سياق إستراتيجيتها لإعادة صياغة المنطقة العربية سياسيا وثقافيا إنشاء وسائل إعلام وثقافة وتمويلها وتشمل صحفا ومحطات إذاعية وقنوات تلفزيونية ومدارس في الدول العربية والإسلامية بما يضمن تغلغل أجهزة الاستخبارات الأمريكية في صفوف الشباب في هذه الدول. وقد بدأت الإدارة الأمريكية بتطبيق بنود كل هذا التقرير في العراق وفي غيره من الدول العربية والإسلامية من خلال إنشاء العديد من المنظمات والمؤسسات الإعلامية التي تمولها بشكل مباشر وتشرف عليها أو التي تدعمها بشكل غير مباشر.[35]

يتوجه تمويل الولايات المتحدة المباشر إلى ما تنشئه من شبكات إخبارية باللغة العربية. فقد تلقت "شبكة تليفزيون الشرق الأوسط" التي تضم "الحرة"، وهي محطة تليفزيونية فضائية باللغة العربية شاملة و"راديو سوا" الموجه نحو الشباب العربي، 82 مليون دولار للسنة المالية 2004. وقد بدأت "الحرة" البث في فبراير 2004 وانطلق " راديو سوا" في 2002. كما تمول الولايات المتحدة الشبكة الإذاعية الجديدة للحكومة العراقية من خلال عقد قيمته 96 مليون دولار مع مؤسسة هاريس الأمريكية.  وقدمت الإدارة الأمريكية دعما مباشرا أو غير مباشر لعديد أقسام الإعلام في الجامعات العربية. كما خصصت أمريكا مبلغ 1.7 مليون دولار لـ "مبادرة وزارة الخارجية للشراكة في الشرق الأوسط"، كما أطلقت الولايات المتحدة "المبادرة من أجل إعلام تعددي في البلدان الناطقة بالعربية" التي تقدم للصحافيين مساعدات ومعونات فنية لإصلاح التشريع الإعلامي في الجزائر والبحرين ولبنان والمغرب وتونس. وتضع "مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط" إستراتيجية طويلة المدى لدعم الإعلام المستقل في العالم العربي. ولبيان أهمية الاهتمام الأمريكي بملف الإعلام العربي يمكن دائما العودة إلى النموذج العراقي  وكيف منحت الهيئة العراقية للاتصالات والإعلام تراخيص لكل من راديو سوا والتي يرأسها جيمس  لامبرت وتشرف عليها - إذاعة مجلس المحافظين وكذلك محطة تلفزيون IBB  الفضائية وهي وكالة حكومية 100 %  وتمويلها المالي من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية. كما يوجد في العراق أيضا راديو قوات الائتلاف-القوات المتعددة الجنسيات في العراق-والتي يشرف عليها الميجور جيرالد.أر.سكوت والتابعة للقوات المتعددة الجنسيات في العراق وهي تتمتع بتمويل من البنتاجون.

كل هذه المعطيات حولت قضية الإعلام العربي ومعه مجتمع المعرفة إلى قضية دولية (البعد الدولي) وبات الإعلام العربي ملفا في مسالك التدويل وذلك لالتقاء عديد الأطراف في توجيهه ورعايته وتصحيحه طبقا لما نص عليه مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير. نلتقي طيلة تتبعنا لتحولات الإعلام العربي بدعم الدول الثمانية الغنية والإتحاد الأوروبي واختراق المخابرات الأمريكية وضغط الجمعيات والمنظمات الأمريكية المستقلة وشبه المستقلة ومنظمة الأمم المتحدة لنتساءل من بقي لا يعنيه شأن المشهد الإعلامي في المنطقة العربية[36]. إن علاقة الإعلام العربي بالإدارة الأمريكية وبالإعلام الأمريكي ليست نقية وفي أكثر من مناسبة وجهت الإدارة الأمريكية انتقادات للإعلام العربي وكيفية تغطيته للحرب الأخيرة على العراق وبثه لأفكار معادية لأمريكا. جاء ذلك وفي أكثر من مناسبة على لسان كل من كوان باول ودونالد رامسفلد. إن ملف الإعلام العربي هو الآن وقبل أي وقت مضى تحت المجهر لأنه أداة الإصلاح ويدفع به للخروج جزئيا من سيطرة الحكومات العربية التي تمادت في توظيفها للإعلام لتأبيد الاستبداد السياسي ليتحول إلى ملف دولي عالمي شبيه بقضية الشرق الأوسط أو غيرها من القضايا الدولية الشائكة التي تستدعي تدخلا دوليا. 

كما يحتوى "قانون إصلاح الاستخبارات والحيلولة دون وقوع الإرهاب" على مجموعة من التوصيات والتعليمات إلى وزارة الخارجية بتشجيع الصحافة المستقلة في الدول الإسلامية، تتخذ منحى أكثر تفهما للسياسات الأمريكية، وإيجاد صحفيين محترفين لهم القدرة على فهم المؤسسات الأمريكية كجزء من إستراتيجية الدبلوماسية العامة الشاملة الخاصة بالعالمين العربي والإسلامي. ويخول القانون لمؤسسة "الصندوق القومي للديمقراطية" تمويل مجموعات من القطاع الخاص لإقامة شبكة وسائل إعلام حرة لمساعدة المشتركين على تبادل المعلومات الخاصة في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية وتطويرها، في إشارة واضحة إلى العراق الذي تحتله الولايات المتحدة. فقد كثفت الولايات المتحدة منذ أحداث 11/09 تمويلها لعقد مؤتمرات خاصة بالديمقراطية في الدول العربية، حيث جرى في شهر ديسمبر 2004 عقد خمس مؤتمرات دفعة واحدة في البحرين والأردن وتونس ومصر والمغرب وكانت الجهات الفاعلة  وراء تنظيم  هذه المؤتمرات هي "مركز الإسلام والديمقراطية" الأمريكي في واشنطن الذي يتلقى تمويلا حكوميا أمريكيا، و"المعهد العربي لحقوق الإنسان"[37].  ويخول القانون للولايات المتحدة إنفاق "المبالغ التي قد تكون ضرورية من الأموال الفيدرالية " في العامين الماليين 2005 و2006 لـ"مبادرة الشراكة للشرق الأوسط" للمساعدة في تعزيز حكم القانون والديمقراطية وأنشطة رجال الأعمال في العالم الإسلامي. وتقوم بعض السفارات الأمريكية في دول عربية بدفع تكاليف دراسة بعض الصحفيين العرب اللغة الإنجليزية في بعض المعاهد المتخصصة.[38]

   ويفرض القانون أيضا على وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس أمناء الإذاعات الدولية الذي يدير إذاعة صوت أمريكا وراديو سوا وقناة الحرة الناطقين باللغة العربية، رفع تقارير في فترات منتظمة إلى الرئيس الأمريكي عن جهود التواصل مع المسلمين وتأثير العمل الإعلامي في أوساطهم[39]. وينص قانون إصلاح الاستخبارات أيضا على إجراء تقييم سنوي لأنشطة الدبلوماسية العامة الأمريكية وإستراتيجيتها. ويشجع وزارة الخارجية على تحسين الأنظمة التي تتبعها في التوظيف والتدريب في مجال الدبلوماسية العامة، خصوصا تجاه الدول ذات الأغلبية المسلمة. إذ يفرض القانون الجديد توظيف أشخاص يملكون مهارات ملائمة في اللغات والعلاقات العامة لتعزيز قدراتها في مجال الدبلوماسية العامة"، معتبرا أن "العرب الأمريكيين" تربة خصبة لذلك إلى أن يتم خلق صف آخر من الشباب في العالم الإسلامي"[40]. كما يوصي القانون بأن يلعب السفراء الأمريكيون دورا أكبر في الدبلوماسية العامة، ويأمر بأخذ الخبرة في الدبلوماسية العامة بعين الاعتبار عند النظر في طلب موظف ما. في أغلب الكتابات التي تناولت مشاريع الإصلاح تجاهلت آليات تنفيذه ووقفت عند شعار الإصلاح والحكم الصالح ومجتمع المعرفة لا أكثر. القبول والرفض الفكري للإصلاح يلقى وبشكل متستر تجاوبا عمليا ومؤسساتيا مع مشروع إصلاح الشرق الأوسط والذي ترعاه وزارة الخارجية والمخابرات الأمريكية وقد يصل في بعض الأحيان إلى الدعوة الصريحة والعلنية للتدخل في قضايا الشأن العام في أكثر من دولة عربية حتى تلك التي تلعن أمريكا بوصفها الشيطان الأكبر.

7- مشاريع الإصلاح المضادة

 سنتوقف عند مبادرتين، واحدة عربية رسمية والأخرى اقترحها المجتمع المدني العربي. المشروع الأول سمي بوثيقة تونس للإصلاح في العالم العربي والتي صدرت عن قمة جامعة الدول العربية المنعقدة في تونس سنة 2004 والتي تعتبر ردا رسميا عربيا على مشروع إصلاح الشرق الأوسط للدول الثمانية. أما المشروع الثاني فهو ‏ وثيقة الإسكندرية التي جاء بها مؤتمر" قضايا الإصلاح العربي‏:‏ الرؤية والتنفيذ" والتي تعتبر الرد غير الرسمي والذي تمثله منظمات المجتمع المدني في الوطن العربي.[41]

أ-وثيقة "تونس" للإصلاح

جاءت وثيقة تونس للإصلاح بعد صدور كل من تقرير التنمية العربية 2003 ومسودة مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير 2004 هذا بالإضافة إلى سيل من الضغوط الأمريكية في شكل مجموعة من الرحلات المكوكية للدبلوماسية العامة الأمريكية[42]. جاء في الوثيقة أنه عملا بعهد الوفاق والتضامن الصادر عن الدورة العادية السادسة عشرة لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة، وتأكيدا للجهود التي تبذلها دولنا في سبيل التحديث والإصلاح من أجل تحقيق النهضة الشاملة وتعزيز قدرتها على التفاعل مع التحولات التي يشهدها العالم. وانطلاقا من الإرادة التي تحدونا لمزيد التقدم بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في بلداننا، ومن خصوصياتنا الثقافية والدينية، ومراعاة لوتيرة التغيرات التي يشهدها كل مجتمع، وإدراكا لضرورة بناء مستقبل أفضل لشعوبنا في إطار يعزز مقومات هويتنا العربية ووحدة شعوبنا، ويكرس مشاركة قواها الحية ومنظمات المجتمع المدني، في مسار التحديث والإصلاح المتفتح على العالم والمتفاعل معه، وإذ نعتبر أن معالجة القضايا القائمة بالاحتكام إلى الشرعية الدولية من شأنها أن تحد من مشاعر الإحباط وتسهم في القضاء على أسباب العنف . نؤكد ما يلي:

1 ـ تكثيف جهود الإصلاح في بلداننا في إطار إستراتيجية عربية لتطوير وتحديث مجتمعاتنا في كافة المجالات بما يتفق مع قيمها وتقاليدها ومفاهيمها الثقافية والدينية والحضارية وظروف كل دولة وإمكانياتها وقدرة مجتمعها على استيعاب الإصلاحات.

2 ـ تعميق أسس الديمقراطية وتوسيع نطاق المشاركة السياسية في إطار علوية القانون وتكريس المساواة وحرية الفكر والرأي والعقيدة ودعم دور منظمات المجتمع المدني في بلورة وتنفيذ برامج الإصلاح الشامل بما يعزز مقومات المواطنة ويثبت ركائز دولة القانون والمؤسسات.

 3 ـ اعتماد مقاربة مشتركة تكرس اندماج اقتصاديات البلدان العربية على أسس راسخة وثابتة من خلال تنمية الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية البينية وتدعيم انخراطها في اقتصاد السوق وتفعيل دور القطاع الخاص فيها، بما يكفل تعامل البلدان العربية مع بقية دول العالم كفضاء اقتصادي موحد ومجموعة متماسكة ومتفتحة على المحيط الخارجي، قادرة على إقامة تعاون وثيق مع الهيئات والتجمعات والفضاءات والمؤسسات الدولية والإقليمية، تكريسا للشراكة الحقيقية المتكافئة والمتضامنة على أساس الثقة المتبادلة والمصلحة المشتركة.

4 ـ بلورة إستراتيجية متكاملة وشاملة لتحديث البنية الاجتماعية لدولنا من خلال مواصلة تطوير مناهج التعليم والتدريب في البلدان العربية لمواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية في العالم وفق نظرة متكاملة الأبعاد تأخذ بعين الاعتبار القيم والهوية والمقومات الأساسية للأمة العربية بما يساهم في تضييق الفجوة التي تفصلها عن الدول المتقدمة في مجالات تكنولوجيات الاتصال والمعلومات والعلوم والبحث العلمي.

5 ـ مواصلة النهوض بدور المرأة في المجتمع العربي وتدعيم حقوقها تعزيزا لمساهمتها في دفع عملية التنمية الشاملة من خلال مشاركتها الفعلية في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

6 ـ سعينا إلى إقامة شراكة حقيقية بين دول منطقتنا والمجموعات والأطراف الدولية الفاعلة، استنادا إلى الأسس والمبادئ التالية:

أ ـ مزيد التنسيق والتعاون مع المجموعة الدولية في مجال مكافحة التطرف والإرهاب من خلال مقاربة شاملة تقوم على معالجة الأسباب العميقة لهذه الظاهرة والعمل على إزالة عوامل الإحباط والإقصاء والتهميش الناجمة أساسا عن اتساع الهوة بين الدول المتقدمة والدول النامية.

ب ـ اضطلاع المجموعة الدولية بدورها وفقا لمبادئ الشرعية الدولية تجاه القضايا المصيرية التي تعيق التنمية في المنطقة العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية واللبنانية من أجل إحلال سلام عادل وشامل ودائم يساهم في توفير المناخ الملائم لتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار لكافة شعوب المنطقة.

 ج ـ نزع ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل في كافة منطقة الشرق الأوسط وحث دول المنطقة على الانضمام إلى كل الاتفاقيات ذات الصلة حتى يتسنى تسخير كل الطاقات العربية واستثمارها في خدمة التنمية المستدامة.

د ـ الاستفادة بما يمكن أن تقدمه المجموعة الدولية والهيئات والمنظمات من خبرات وتجارب في تنفيذ برامج الإصلاح.

7 ـ تكليف هيئة استشارية تتولى إعداد خطة عمل لتجسيم المبادئ والأهداف المنبثقة عن هذا البيان، تضم ممثلين عن كافة الدول وخبراء وأكاديميين، وعرض نتائج أعمالها على الدورة العادية المقبلة لمجلس وزراء الخارجية.

ما يمكن أن نلاحظه انطلاقا مما ذكر في هذه الوثيقة هو التجاهل المطلق لتقرير التنمية العربية ولمبادرة الدول الثمانية حول الإصلاح في الشرق الأوسط الكبير. لذلك نتساءل لماذا هذه المبادرة إن لم تكن تفاعلا مع ما جاء من مشاريع دولية للإصلاح ؟ كما نتساءل على هدي أي توصيف وتشخيص للواقع العربي اعتمدت هذه الوثيقة؟ أين هي الأرقام الشبيهة بالأرقام التي جاء بها مشروع إصلاح الشرق الأوسط ؟ لماذا أختزل مجتمع المعرفة في الجملة التالية من الوثيقة : "تضييق الفجوة التي تفصلها عن الدول المتقدمة في مجالات تكنولوجيات الاتصال والمعلومات والعلوم والبحث العلمي" و"تشكيل هيئة استشارية لتفعيل الإصلاحات" في حين تصرف الدول الثمانية على مشروع الإصلاح مليارات الدولارات وتأسس لعشرات المنظمات والمؤسسات لتفعيل أهداف الإصلاح ؟ أين الحديث عن تطوير الإعلام العربي شكلا ومضمونا ولماذا وقع تجاهله قياسا إلى التركيز المفرط الذي جاء في مشروع إصلاح الدول الثمانية ولماذا تجاهلت الدول العربية من جديد الإصلاح في قمة الجزائر في مارس 2005 ؟ غير أن أكثر الأفكار إثارة هي ما جاء في البند الأول من البيان الختامي :" وقدرة مجتمعها على استيعاب الإصلاحات" وكأن المجتمعات العربية غير ناضجة ومتخلفة ولا توجد بها نخب ولا كوادر وطاقات يمكن أن تستوعب أية محاولة للإصلاح.

ب- المجتمع المدني والإصلاح : وثيقة الإسكندرية

نظمت كل من المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومنتدى الإصلاح العربي بمشاركة مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ندوة إقليمية بمكتبة الإسكندرية في مارس 2004 لبحث سبل تعزيز مؤسسات المجتمع المدني وتفعيل دورها في الإصلاح تحت عنوان "قضايا الإصلاح العربي‏ الرؤية والتنفيذ"[43]. في ختام أعماله أصدر المؤتمر وثيقة أكد فيها أن الإصلاح يجب أن ينبع من داخل المجتمعات العربية ويأخذ في عين الاعتبار أحوال كل قطر عربي علي حدة دون إغفال القواسم المشتركة بين الدول العربية[44]‏.‏ ‏

مثل هذا النداء لا يختلف عما جاء في الوثيقة الألمانية الفرنسية من ضرورة أن ينبع الإصلاح من الداخل.  كما أشارت الوثيقة إلى ضرورة حل القضية الفلسطينية والمحافظة على وحدة العراق وإدانة الإرهاب وتنقية المنطقة من أسلحة الدمار الشامل وهو ما توقفت عنده وثيقة تونس للإصلاح. وتحتوى الوثيقة على مشروع الإصلاحات السياسية والمتمثلة في احترام الدساتير والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية فصلا واضحا صريحا‏،‏ وتجديد أشكال الحكم بما يضمن تداول السلطة بالطرق السلمية دوريا‏،‏ طبقا لظروف كل بلد‏.‏ فالدولة الحديثة دولة مؤسسات ونصوص وليست نيات حسنة‏. ‏كذلك إقامة انتخابات دورية حرة تصون الممارسة الديمقراطية‏،‏ وتضمن عدم احتكار السلطة‏،‏ وتضع سقفا زمنيا لتولي الحكم‏.‏ وإلغاء مبدأ الحبس أو الاعتقال بسبب الرأي في كل الأقطار العربية، وإصلاح المؤسسات والهياكل السياسية، إطلاق حريات تشكيل الأحزاب السياسية في إطار الدستور والقانون‏. كما نادت وثيقة الإسكندرية إلى أهمية تحرير الصحافة ووسائل الإعلام من التأثيرات والهيمنة الحكومية‏،‏ ذلك لأن هذا التحرير دعامة قوية من دعائم النظام الديمقراطي‏،‏ والتجسيد الواضح لحرية التعبير‏،‏ والدعامة القوية للشفافية‏.‏ كما دعت الوثيقة إلى إطلاق حرية تشكيل مؤسسات المجتمع المدني‏، وذلك بتعديل القوانين المقيدة لحرية تكوين الجمعيات والنقابات والاتحادات التطوعية‏ وتشجيع قياسات الرأي العام وتحريرها من العوائق بوصفها إحدى وسائل الديمقراطية الأساسية‏.‏

في باب الإصلاح الاجتماعي والذي حل بعد الإصلاح الاقتصادي اهتمت وثيقة الإسكندرية بتطوير نمط العلاقات الأسرية بما يخدم بناء الفرد المتميز المستقل القادر علي ممارسة حرياته وخياراته بمسؤولية‏.‏ ولكن ما يشد الانتباه هو حضور القضايا المتعلقة بالإعلام في الفصل الخاص بالإصلاح الاجتماعي  وكنا ننتظر أن نعثر عليها في باب الإصلاح السياسي والثقافي كما هو الشأن في برنامج الإصلاح لدول الثمانية إذ تؤكد وثيقة الإسكندرية على أن : " يقوم الإعلام بدور أساسي في بناء الثقافة العامة للمواطن‏،‏ الأمر الذي يستلزم تأكيد دوره في إعادة بناء القيم المساندة للتطوير والتحديث‏‏ كقيم المساواة والتسامح والقبول بالآخر وحق الاختلاف‏‏ جنبا إلي جنب مع قيم الدقة والإتقان والالتزام وغيرها من القيم الإيجابية التي تساعد المجتمع العربي في التحول إلي مجتمع جديد فعال"‏. في ذات السياق تم إدراج إشكالية مجتمع المعرفة في باب الإصلاح الاجتماعي ونتساءل عن حكمة مثل هذا التصنيف لأن مجتمع المعرفة والإعلام قضايا سياسية وثقافية أكثر من كونها قضية اجتماعية. في هذا الباب جاء بالوثيقة : " توجيه المجتمعات العربية نحو اكتساب ونشر وإنتاج المعرفة،‏ وفي هذا الإطار فمن الضروري التركيز على عدة توجهات‏‏ تتكامل وتترابط فيما بينها لتحقيق مجتمع المعرفة وهي‏:‏ ‏ تأكيد التنمية الإنسانية وأولوية تطوير التعليم‏،‏ ‏تحقيق التطوير التكنولوجي وتوفير بنيته الأساسية‏،  تطوير إستراتيجيات البحث العلمي‏ و ‏دعم العمل الحر‏ والمبادرة الخلاقة في مجالات الابتكار والإبداع‏،‏ وتوفير المناخ المساند لمجتمع المعرفة‏،‏ سياسيا وثقافيا واقتصاديا‏.‏ وضمانا لتحقيق ذلك‏‏ توصي وثيقة مؤتمر الإسكندرية على ضرورة وضع معايير عربية لمخرجات التعليم في جميع مراحله بما يتوافق والمعايير العالمية، وإنشاء هيئات للجودة والاعتماد والرقابة علي التعليم في كل دولة عربية‏، مستقلة عن الوزارات المعنية".‏

أما في باب الإصلاح الثقافي فقد نص البيان أن المشاركون في المؤتمر منشغلون بالمشكلات والتحديات الثقافية القومية والقطرية،‏ وذلك من منظور يؤكد مجموعة من الأوليات الثقافية التي لا يمكن إغفالها.‏ وفي مقدمة الإصلاح الثقافي دعا مؤتمر الإسكندرية إلى ضرورة ترسيخ العمل علي أسس التفكير العقلاني والعلمي بتشجيع مؤسسات البحث العلمي وتوفير التمويل اللازم لها وإطلاق حريات المجتمع المدني في تنميتها‏ عبر القضاء على منابع التطرف الديني التي لا تزال رواسبها موجودة في المناهج الدراسية وخطب المساجد ووسائل الإعلام الرسمي وغير الرسمي‏.‏ كما أكدت الوثيقة على تشجيع الاستمرار في تجديد الخطاب الديني سعيا إلى تجسيد الطابع الحضاري التنويري للدين بما يقتضيه ذلك من إطلاق الحريات الفكرية‏،‏ وفتح أبواب الاجتهاد علي مصراعيها في قضايا المجتمع للعلماء والباحثين‏.‏ انطلاقا من أن التنمية الثقافية هي أساس أي تنمية‏،‏ والخطوة الأولي لأي إصلاح جذري لا يمكن نجاحها إلا بإشاعة ثقافة الديمقراطية في مناهج التعليم والإعلام‏.‏ من جهة أخرى التأكيد على تجديد الخطاب الثقافي وتخليصه من الرواسب المعوقة لتقبل الاختلاف والحوار مع الآخرين،‏ وذلك بتجديد ما يتصل بهذا الخطاب من أنواع خطابات الإعلام والسياسة والطوائف الاجتماعية‏.‏ ‏ هذا بالإضافة إلى العمل علي إلغاء أشكال الرقابة على النشاط الفكري والثقافي بما يدعم حرية الفكر‏ ويحرك عملية الإبداع،‏ بعيدا عن وصاية أي جهة أو فئة باسم الدين أو التقاليد أو الخصوصية أو السياسة‏.‏ ‏ كما توجد دعوة للحفاظ على اللغة العربية وتحديث آليات تكيفها مع التقنيات الرقمية الجديدة في عصر المعلومات، و ‏تأكيد العلم بوصفه مكونا أساسيا من مكونات الثقافة‏،‏ وبوصفه مسارا راسخا للنظرة المستقبلية التي تؤسس في الوعي الثقافي العام ضرورة مجتمع المعرفة الذي هو السبيل الأمثل للتقدم في كل مجال‏.‏

ولم تتعرض وثيقة الإسكندرية إلى بيان بعض الأرقام أو الإحصائيات التي على هديها يمكن اقتراح مجموعة من قواعد الإصلاح السياسي والثقافي والاقتصادي هذا بالإضافة إلى آليات تطبيق كل تلك التوصيات. فقد اشتركت وثيقة الإسكندرية مع وثيقة تونس رغم صدورها عن منظمات تمثل المجتمع المدني في غياب التشخيص العلمي للواقع العربي والذي يمثل المدخل السليم لأية مبادرة لمشروع للإصلاح. هذا بالإضافة إلى الغياب شبه الكلي لآليات وأجهزة وإمكانيات مادية وبشرية لتفعيل ذلك المشروع حتى لا يبقى حبرا على ورق. ويمكن القول إن وثيقة الإصلاح لمؤتمر الإسكندرية هي وثيقة لمجتمع مدني رسمي أكثر منه مستقل، قريبة من مؤسسات السلط العربية أكثر من كونها ناقدة تعبر عن قوة دفع اجتماعي في تناقض أو تعارض مع ما هو سائد، هذا بالإضافة إلى الغياب الكلي لأجهزة مؤسساتية مستقلة وموازنة مالية لتفعيل بنود ذلك الإصلاح .

8- نقد مجتمع المعرفة وخطاب الإصلاح

على هدي ما أثير في هاتين الوثيقتين ( تونس والإسكندرية ) نتساءل لماذا غيب تقرير التنمية العربية الذي هو من صياغة منظمة تابعة للأمم المتحدة المنضوية تحتها كل الدول العربية؟  لم نعثر على أي أثر أو أية إشارة عابرة عن كل تلك الحقائق المخيفة عن حال العرب والتي أصبح يستشهد بها الرأي العام والنخب المتعطشة للإصلاح. مثل ذلك السؤال يحيلنا بدوره إلى سؤال آخر محرج وهو على أية أسس علمية وواقعية اجتمع هؤلاء المعنيين بالإصلاح إذا لم يكن لديهم تشخيص لحال العرب معرفيا؟ قد يكون الواقع العربي سليم وليس بكل تلك السوداوية التي جاء بها تقريرا التنمية العربية لسنة 2002 و 2003 ؟ فإن كان الأمر كذلك فمن الضروري على من صاغ المشروع الرسمي والمدني العربي عن الإصلاح أن يقدم الدلائل والبراهين على سلامة الواقع العربي لأن الحديث عن الإصلاح ليس بالعملية الهينة فهو تشخيص واقتراحات وآليات عمل. فهو ليس حديث في المنتديات أو مجرد تفاعل بين مثقفين على واجهة وسائل الإعلام يوشك أن يجهض ويفسد رسميا وبأسلوب غير مباشر جوهر وموضوع الإصلاح لدى الرأي العام العربي. نريد أن نقول إن رفض التشخيص الذي جاء به تقرير التنمية العربية عن الوضع العربي يستوجب رفض الإصلاح من جوهره فكلا الوثيقتان متلازمتان. أما إذا ما وجد مشروع مضاد في الإصلاح فيجب أن يكون له تشخيص مضاد أيضا. كما أن القبول بمبدأ الإصلاح يعنى القبول الضمني بصحة ما جاء من تشخيص لعلل الواقع العربي في تقرير التنمية العربية الذي كان شعاره "بناء مجتمع معرفي". فهل نرفض تقرير التنمية العربية لأنه فقط أمريكي الشبهة أم نرفض الإصلاح لأنه يبدو أمريكي المرجعية؟ يبدو وانطلاقا من وثيقة تونس ووثيقة الإسكندرية أنه أمام كل من يريد التعامل مع قضية الإصلاح في العالم العربي اليوم خيارين إما قبول الكل أو رفض الكل أو تقديم بديل راديكالي مقنع ؟ إن مثل هذه الخطاب يكشف عن إشكال عربي معرفي في التعامل مع الإصلاح وإشكالا آخر في تلقي تقرير التنمية العربية على المستوي الرسمي ولدى المجتمع المدني في حقل الاشتغال السياسي والثقافي والاجتماعي. إذن على هدي ما ذكر هل يمكن أن نقدم نقدا لمفهوم ومصطلح مجتمع المعرفة في إطار السياق الفكري والثقافي العام لمشاريع الإصلاح؟

الجواب الأول يكون حتما بنعم فلا كهانة معرفية ولا وجود لمانع من نقد فكرة مجتمع المعرفة. الجواب الثاني يكون بلا، فكيف يمكن لأي مثقف أو مفكر عربي أن يقول لا لمجتمع المعرفة، وإن قال لا فإنه سيجد نفسه خارج السرب. إن مفهوم مجتمع المعرفة ودلالته لا يحظى فقط بقبول جماهيري بل إن قيادات أغلب الأنظمة العربية لا تدخر جهدا في إدراج هذا الملف ضمن أولى اهتماماتها السياسية والاقتصادية والتعليمية لما لهذا المصطلح من أثر مستقبلي على أغلب مشاريع التنمية المتعطلة. هذا الاهتمام تحول عبر الخطاب الاتصالي وليس فقط الإعلامي إلى سوفت وير بل قل إلى برنامج تشغيل أغلب دواليب أجهزة الدول العربية. مسيرة الانخراط في مجتمع المعرفة كشعار لدى الدول العربية لا يمكن أن تشوبه شائبة فكرية أو ثقافية. فمجتمع المعرفة عند الدول العربية هو علامة العبور مباشرة من التخلف إلى المعرفة دون أية محاولة تاريخية كبرى للتغيير. هكذا يسوق الخطاب الرسمي العربي إعلاميا لمجتمع المعرفة. ونخشى عبر مجتمع المعرفة أن يتم القفز على عملية الإصلاح السياسي كما تم بعد الاستقلال القفز على مبدأ المشاركة السياسية باسم بناء التنمية وباسم بناء مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية. فعلى مستوى التجريد الفكري فإن مجتمع المعرفة ليس غاية في حد ذاته وإنما هو مجموعة من المفاهيم والمضامين الفكرية والقيم الحضارية مجسدا في آليات عمل مجموعة من المؤسسات منها ما هو حكومي تابع للدولة ومنها ما هو مستقل يديرها المجتمع المدني مثل الجمعيات والمعارضات والنخب المثقفة. ويبقى مجتمع المعرفة حتى لدى الدول الغربية المتقدمة مدخلا لتفعيل التنمية وإدخال إصلاحات هيكلية في إدارتها للشأن العام، فمجتمع المعرفة ليس حكرا على الدول النامية.

إن أغلب الدول العربية تعتبر وحتى بعد حصولها على الاستقلال دول متخلفة حضاريا وهي حقيقة أكدها عبر الأرقام تقريرا التنمية العربية التي مهما كانت نسبية الخطأ فيها تبقى صادقة وغير قابلة للاهتزاز. لكن بالتوازي مع ذلك التقييم يطغى خطاب يريد أن يؤكد ويكرر بلا كلل إن هذه الدولة العربية أو تلك قد دخلت عصر مجتمع المعرفة بعد أن وضعت إستراتيجيا للجامعة الافتراضية أي التعليم الإلكتروني (E-learning) وأخرى ستصل قريبا إلى أن تتحول حكومتها إلى حكومة إلكترونية (E-government). في سياق آخر نسمع أن السوق العربية إن أريد لها أن تتحقق فستتحقق عبر التجارة الإلكترونية. المفارقة هي أنه في بعض هذه الدول لا يتوفر حتى حق التظاهر. يمنع قانونيا في عديد الدول العربية تحرير عريضة مطلبية والتي تعتبر في الغرب من آليات حرية التعبير في القرن التاسع عشر. كما أنه في بعض هذه الدول لا يمكن لأي مواطن أن يؤسس مطبعة- وهي مجموعة من الآلات لطبع الورق مضي على اكتشافها أكثر من خمسة قرون- إلا بتصريح من وزارات الإعلام حيث أفرد لها فصلا خاصا في أغلب التشريعات الإعلامية بالدول العربية[45]. هكذا يخشى هذا الخطاب السلطوي أية محاولة لنقد مجتمع المعرفة لأنه إذا ما هممنا بنقد مجتمع المعرفة يجب أن نكون قد بدأنا أو انتهينا من نقد المجتمع وطريقة تفاعلنا معه وتسييره منذ بدء مشاريع التحديث المختلفة في المنطقة العربية.

مشاريع التحديث ستحيلنا إلى نقد المعرفة العربية في مفهومها الشمولي والتي قدمت عديد القراءات الجادة للتاريخ والتراث والواقع العربي وآليات تجاوزه وذلك من خلال عدد من المفكرين وعدد من المدارس هي بين التأصيل والنقل[46]. إن ذلك الإنتاج الفكري لا زال رغم جديته وأهميته المعرفية وبغض النظر عن الحكم القيمي مغيبا في تفاعله مع الواقع لأن ما يمارس في الواقع العربي ما هو إلا حصيلة تدخل قراءة من هو في سدة الحكم. فكل ما ينتج معرفيا ويمكن أن ينعكس على المجتمع العربي آدابا وسلوكيات وبرامج صحية وتعليمية وسياسة داخلية وخارجية عن ماهية المجتمع في أية دولة عربية هو حصيلة رؤية ومصدر واحد هي السلطة الحاكمة ومؤسساتها. تلك هي المعرفة العربية اليوم : معرفة رسمية في تماه مطلق مع السلطة. إن هذه المعرفة لا زالت بالإضافة إلى ترسيخها لعديد التصورات لا تتيح الفرصة في إمكانية نقدها. فهل يمكن نقدها من زاوية اتصالية إعلامية كمدخل لنقد المعرفة ومعها المجتمع العربي المنشود ؟ فهل يمكن فقط عبر تحديد للمفهوم تجاوز هذا التجاذب الفكري؟

ونعود من جديد إلى إشكالية النقد لنقول إن أحقية نقد المجتمع العربي عامة ومجتمع المعرفة خاصة تبدو وكأنها –على الأقل في المستوى المبدئي-ليست من صلاحيات المثقف العربي أو المعارضات، إن نقد مجتمع المعرفة عربيا هي من صلاحيات الآخر وليس من صلاحيات النخب العربية. فقد اختص وانفرد تقرير التنمية العربية 2003 وبشكل حصري في نقد العرب وعلاقتهم بالمعرفة وهو ما قد يعطل-أو قل عطل-أية محاولة جديدة وجريئة لنقد المجتمع على شكل يخالف منهجيا أو يختلف مبدئيا مع ما جاء في كل تلك المشاريع ومشاريع الإصلاح المضادة. بمثل هكذا خلفية يصبح  في المستقبل من الصعب العثور على وثيقة عربية تعالج إشكاليات التنمية عامة ومجتمع المعرفة خاصة قادرة على منافسة الصرامة والشفافية التي تميزت بها تقارير التنمية العربية ومشاريع الإصلاح الغربية. لقد أخذ تقرير التنمية من الدعاية والإعلام والإشهار ما لم يأخذه أي تقرير عربي آخر قد يفوقه في العلمية والاستقلالية والنوايا الحسنة. ويكفى العودة إلى أرشيف عديد الأحزاب العربية الليبرالية أو الاشتراكية التي لا نكاد نسمع عن برامجها لنجد مطالب وحقائق تفوق ما جاء في تقرير التنمية وبرنامج إصلاح الشرق الأوسط الكبير. ولربما يعود كل هذا الجدل إلى كون ذلك التقرير جاء من جهات تعبر عن نفسها كجهات مستقلة، لكن الأكيد أن التقارير المستقلة تحفل بها مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي لكننا لا نسمع عنها، وربما لأن هذه الوثيقة كانت الأرضية التي على أساسها اعتمدت خطة الإصلاح في الشرق الأوسط الكبير. إن المسألة إذن سياسية وأن قبول الدول العربية لمشروع الإصلاح مغلفا بفكرة مجتمع المعرفة وفر هبات ومعونات مالية واقتصادية قيمة، فهذه الدول واقعة تحت مطرقة اقتصاد معولم وسندان أزمة داخلية خانقة.

9- مجتمع المعرفة و"المدرسة التقنوية"

يبدو الخطاب العربي عن مجتمع المعرفة أو كما يحلو للبعض مجتمع المعلومات يريد تبليغ فكرة مفادها أن مجتمع المعرفة هو عبارة عن طفرة ذاتية لنمو سليم تشهده المجتمعات العربية. تعتبر الدول العربية-على مستوى التسويق-من أكثر الدول إنتاجا واستهلاكا لمصطلح مجتمع المعرفة والمعلومات وهذا حتى قبل تقريري التنمية البشرية لسنة 2002 و 2003. إنها حالة من التبني الأعمى والمطلق لمجتمع المعرفة حيث نلتقي بهذا الخطاب في الجامعات وفي المنتديات السياسية وفي المجتمع المدني وفي مخرجات وسائل الإعلام الرسمية. فحتى عندما يتصل الحديث ببعض القضايا الاجتماعية والسياسية لا يكاد أي مسئول، مهما كانت ثقافته ومهما كانت خلفية الموضوع المطروح للنقاش إلا واستشهد بأن العصر هو عصر العولمة وعصر تكنولوجيا المعلومات ومجتمع المعرفة. مصطلحات هي عبارة عن وصفة سحرية يتقنهما ويستهلكها الجميع متى شاء وأينما شاء، خطاب يريد وبشكل متسارع أن يكسب مشروعية داخلية وخارجية لمجتمع المعرفة وذلك من خلال مؤشرات تتمثل أحيانا في أعداد الكومبيوتر ونسبة امتلاكها قياسا لعدد السكان وعدد المستفيدين من شبكة الإنترنت، وكم من دولار صرف عبر التجارة الإلكترونية وكيف يمكن أن نؤمن دروسا عن بعد من خلال الجامعة الافتراضية وكيف أن عصر الأستاذ والكتاب والصحيفة قد ولى.

يطلق على هذه الرؤية في تمثل مجتمع المعرفة ب"أيديولوجيا الاتصال" وذلك لانغلاقها الفكري والدوغمائي كما تسمي عند بعض المهتمين بمجتمع المعرفة بالمدرسة التقنوية، وهي نظرية تريد أن تقدم التقني–في مجتمع المعرفة-على الثقافي والإنساني باسم حتمية التقنية والعولمة. هذا الخطاب انتقدته فعاليات المجتمع المدني التي شاركت في قمتي مجتمع المعرفة(سويسرا وتونس) وهي بذلك ترفض مثل هذا التصور لمجتمع المعرفة لتنتمي إلى تيار أشمل يعرف بتيار مقاومة العولمة والتنميط الثقافي للإنسان[47]. يبدو أن مفردة مجتمع المعرفة تحولت إلى حقل الحقول المعرفية التابعة للسلطة الحاكمة، التي تعتبر بشكل مباشر أو غير مباشر الجهاز المسئول عن رعاية هذا الخطاب وتشجيعه، ويصبح تصور مجتمع المعرفة الرسمي سطحيا كلما وقع إحياء التقني فيه وهمش عمقه الثقافي والإنساني. نقول هذا دون التجاهل أو التنكر لمجهود أي نظام عربي في سعيه للرقي بمجتمع المعرفة والمعلومات فهو من مشمولاته ومسؤولياته باعتبار أن الدولة جهاز لإدارة مصالح المجتمع وتحقيق رفاهيته. رعاية السلطة لهذا الملف وإنفرادها به وعزلها لبقية مكونات المجتمع من إمكانيات التفاعل الحر والجماعي السليم من أجل مجتمع معرفي وحداثي يؤذن بردة معرفية عن مجتمع المعرفة ذاته. إن التعامل ضمن رؤية نقدية فكرية وتاريخانية يحيلنا إلى عديد الاستنتاجات الهامة في كيف تعاملت الأنظمة العربية مع مجتمع المعرفة وكيف حصر في مسلمات المدرسة التقنوية وقضايا تكنولوجيات الاتصالات وأخيرا وليس آخرا في قضايا الممارسة السياسية (الديمقراطية) في بعدها الدعائي والبراغماتي. إن إثارة كل هذه العناصر مجتمعة تكاد تكون مهمة مستحيلة لكننا سنثير بعض العناصر التي لها صلة مباشرة بإشكالية مجتمع المعرفة وفروعه التاريخية والسياسية والثقافية. لكن المهمة التي نلقيها على أنفسنا هي في المقام الأول مهمة نبش المفهوم وإثارة السؤال وبيان حدود المصطلح من أجل مقاربة أكثر علمية لأي إمكانية تأصيل عملي وعلمي لماهية مجتمع المعرفة. إننا نريد أن نكون كما تقول المقولة الفلسفية الشهيرة : التشاؤم مبرر على المستوى النظري والتفاؤل واجب على المستوى العملي، فالممارسة حجة في الواقع وليست حجة في النظرية أو في الفكر. أي أن ننتقد ونجرد الظاهرة محل الدراسة نظريا وفي نفس الوقت نرحب بكل إضافة عملية لذلك وجب تزكية كل خطوة كبيرة كانت أم صغيرة على درب مجتمع المعرفة كان مصدرها الدولة أو جهة مستقلة أو حكومية.

لأن قضية مجتمع المعرفة ليست قضية سلطة أو معارضة أو قضية تشغل بال الدول الثمانية الغنية فإن فتح هذا الملف يمكن أن يتحول اليوم إلى أحد أهم المداخل في نقد المجتمع والسلطة والمثقف معا[48]. كما إنه بإمكان أن يتحول سؤال مجتمع المعرفة إلى ملف سجالي اجتماعي وإلى نوع من أنواع المحاكمة النقدية والفكرية للمجتمع العربي-سلطة ومعارضة ونخب-في تعامله مع قضايا المعرفة التي يريد البعض أن يختزلها في شعار جهاز كومبيوتر لكل مواطن وكفى المجتمع والمثقف والسلطة شر القتال الفكري. إذا ما كانت الخلفية غير المصرح بها هي طي ملف المعرفة العربية عبر استدراج المصطلح وضغطه كما تضغط أقراص الليزر نخشى أن ينقلب السحر على الساحر كما انقلب استعمال الإنترنت وتحول إلى أداة أقرب منها إلى الإرهاب والتطرف من التسامح والتثاقف والتواصل. إن الاعتراض والرفض غير المعلن عن تحويل أية فرصة للحديث عن مجتمع المعرفة كمدخل لنقد المجتمع والمعرفة معا تهدد مستقبلا بتحويل العرب إلى أمة أكثر تخلفا معرفيا. إن ملف مجتمع المعرفة يقع في مفترق تاريخي بين فشل المشروع التحديثي لدولة ما بعد الاستقلال ونهايته وميلاد عصر العولمة ومجتمع المعلومات. كما أن ملف مجتمع المعرفة يقع أيضا في مفترق آخر هو بين تأصيل المجتمع المدني والقفز عليه عبر مجتمع المعلومات حتى قبل رشد ونضج المجتمع مدني في صيغته المستقلة عن أجهزة الدولة.

إن الحديث عن المجتمع المدني الذي يعتبر مجتمع المعرفة امتدادا له بوصفه جزء من الفضاء العام أصبح في الوطن العربي شيئا فشيئا يغيب عن الساحة وعن التداول الإعلامي وكأن المجتمع المدني أصبح حصيلة ثقافية يمارسه ويعيشه الناس وأن المرور إلى مجتمع المعرفة حالة ثقافية بصدد التشكل بالتوازي مع تشكل مجتمع ما بعد الحداثة العربية. إن المجتمع المدني جاء كنقيض للمجتمع الديني الكنيسي في الغرب فهل يمكن القول بوجود مجتمع مدني في دول عربية تيوقراطية أو قبلية. يبدو أن المجتمع المدني يستعمل عربيا بنسق مكثف يدعمه إعلام رسمي وذلك لتشريعه كبديل عن المعارضات التقليدية. إن قبر المعارضة التي هي المشرع العقلاني لمن يحكم ديمقراطيا وإحياء مصطلح المجتمع المدني بلا مضمون فكري هو قفز على مجتمع المعرفة. نعود إلى مجتمع المعرفة في الغرب، فهو يعتبر أحد التجليات الثقافية لمجتمع ما بعد الحداثة أما عربيا فمجتمع المعرفة سيحيلنا إلى الأكاديمية العربية وكيف ستتحول أو قل هي بصدد التحول إلى أكاديمية افتراضية عبر التعليم عن بعد أي التعليم الإلكتروني، ويسوق الآن لمثل هذا الشعار في حين لا يمكن تجاهل أن الجامعات العربية هي من أكثر الجامعات تخلفا على المستوى الدولي، تغيب بها أبسط الحقوق الأكاديمية، فرؤساء الأقسام منصبون وغالبا لا يمتون بأية صلة للتخصص والعمداء كذلك والحريات الأكاديمية التي على أساسها أسست الجامعة تكاد تكون غائبة كليا، هذا بالإضافة إلى نقص الإعتمادات وغياب التقاليد البحثية[49]. أما البرامج الدراسية فهي متهرئة كالمؤسسة الجامعية وبات الأكاديمي يساهم فقط في محو أمية من يأتيه من المدارس الابتدائية والثانوية عبر التلقين لا أكثر، أما البرامج فهي حبر على ورق ويتعجب المرء أنه في عديد الجامعات العربية مازالت عديد العلوم الإنسانية محرمة وممنوعة. على مستوى الحكومة الإلكترونية إلى يومنا هذا لا يستطيع المواطن العربي أن يشتكي موظفا يشتغل في الدولة فكأن بالموظف مقدس مثله مثل الحاكم فهو شخص لا يخطئ فكأن نقد الموظف في الدولة هو نقد للحاكم. وهكذا لا يسمح بنقد تصرفات من يشتغلون في الدولة إذ لا فصل بين الدولة والحاكم لذلك لا يمكن أن نشتكي الموظف العام الذي يخدم الدولة. أردنا بهذا المثال القول إن الإدارة والحكومة الإلكترونية والتي هي جزء من المفهوم العام لمجتمع المعرفة هي من خصائص الحكومات الديمقراطية وهي نمو سليم لماهية إدارة الشأن العام.

والخطاب الذي نسمعه يوميا من أن الفواتير ستلغى وأنه بإمكان المواطن العربي أن يقوم بكل تلك العمليات الإدارية إلكترونيا مثل دفع معلوم الماء والكهرباء دون عناء التنقل يظهر النزعة في استباق التخلف المعرفي فقط على مستوى الهيكل والشكل. كما يمكن لأي مواطن أن يدفع الضرائب عن بعد، لكن يبدو أن عديد الدول العربية لا توجد بها ضرائب على الدخل وأن بقية الدول التي بها ضريبة على الدخل فهي تخصم شهريا ومسبقا من المرتبات، أي لا يقوم المواطن كما هو الشأن في الدول الديمقراطية أين توجد ثقة بين المواطن والدولة بدفع ضرائبه سنويا وذاتيا. إن فرضية ترك المواطن العربي دفع الضرائب بنفسه باستعمال شبكة الإنترنت بوصفها العمود الفقري للحكومة الإلكترونية العربية هي فرضية صعبة التحقق، فهو لن يدفعها بحكم أنه يعرف سلفا أنها لن تصرف في الصالح العام هذا بالإضافة إلى أنه لا يمكن له المشاركة عبر الانتخاب في تحديد الأوليات الوطنية لصرف تلك الضرائب.

أما التجارة الإلكترونية والتسوق عبر الإنترنت فهي موضة لا حدود لها ويمكن هنا القول كيف يمكن التأسيس لتجارة إلكترونية في حين أنه يوجد 60 مليون عربي يعيش الواحد منهم بدولارين في اليوم، وان الفارق بين الأسعار وعلاقتها بمتوسط دخل الفرد في تقهقر مستمر. إذن فتحرر الفرد ليس في التسوق عبر التجارة الإلكترونية وإنما في توفير حرية التعبير والدخل المحترم لكي يستطيع المواطن العربي أن يساهم فعليا في التجارة الإلكترونية كاقتصاد ومعرفة وثقافة. فالرفع في الدخل الفردي يتطلب نسبة نمو مرتفعة للاقتصاد الوطني التي حسب تقرير التنمية العربية عليها على الأقل أن تتضاعف، وهذا متوقف على مدى مساهمة الإعلام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة وليس بتزكية السياسات القائمة وبغض النظر عن مدى صحة أو خطأ توجهاتها. ويراد من التجارة الإلكترونية تسهيل اتفاقيات الشراكة الأوروبية والأمريكية التي تتسابق الدولة العربية-سرا-على توقيعها حتى إذا ما استقرت إحدى الشركات المتعددة الجنسيات وفتحت فرعا لها في أي دول عربية أمكن لها أن تتواصل عبر البريد الإلكتروني وتكنولوجيات الاتصال الحديثة مع عملائها ومراكزها في أنحاء العالم المختلفة. إنها تلبية لحاجة الآخر ويصعب القول إن الإنترنت والتجارة الإلكترونية جاءت استجابة لحاجة وطنية محلية في المقام الأول أو أنها ضرورة اجتماعية ملحة وليدة دراسة علمية شاركت فيها كل مؤسسات الدولة والمجتمع.[50]

10- الإصلاح ومحاربة الإرهاب

في البدء لا يمكن أن نتجاهل أن عديد الدول العربية ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب على العراق وإصدار تقرير التنمية العربية سنة 2003 وإطلاق مشروع إصلاح الشرق الأوسط 2004 قد تململت في أماكنها وهي واقفة تراقب ما يحدث، محدثة أصواتا هادئة حينا مزعجة في أغلب الأحيان. جاء صدى تلك الأصوات في شكل حمى إستباقية للملمة الموضوع وأصبح الشعار هو عدم ترك أية فرصة لأي طرف من إدخال تلك الدولة في خانة الدول التي لا تتوفر بها مقاييس التنمية البشرية الجديدة التي أقرها تقرير التنمية البشرية لسنة 2003. برزت بوادر هذا التململ في شكل إجراءات سريعة وشكلية عاجلة للترفيع في النسب التي يرى البعض أنها ضرورية وقابلة للتحقق بسرعة (المرأة، التعليم) والتخفيض في النسب المئوية السيئة (البطالة، الحريات) عبر التلاعب بالإحصائيات والأرقام وإحداث تغيرات شكلية مصحوبة بدعاية إعلامية في شكل نصر أو معجزة حققتها تلك الدولة. فكان أن همت عديد الدول العربية بتعيين امرأة هنا على رأس جامعة وأخرى هناك على رأس وزارة يسندها وكلاء ومساعدون متمرسون بالتسيير للقول إن موضوع تشريك المرأة أصبح في عداد القضايا الكلاسيكية. فمن خلال هذه الإجراءات لن يسمح أحد لنفسه ولن يسمح له إن يقول أن تلك الدولة العربية لا توجد بها مقاييس التنمية البشرية الحديثة أو أنها لا تقوم بإصلاح نظامها السياسي والاجتماعي[51].

في دول عربية أخرى كان إلغاء وزارة الإعلام وإعطاؤها اسما جديدا أو هيكلا مختلفا علامة من علامات تحرير الإعلام وأنه بمثل هذا التغيير لن يجرؤ أحد على نعت ذلك البلد بأنه غير تحرري[52]. دول عربية أخرى فسحت الباب عريضا أمام ملكية القطاع الخاص لوسائل الإعلام السمعية البصرية -وهي من الإصلاحات الضرورية التي دعا إليها مشروع الإصلاح- عبر مجموعة من التراخيص لإنشاء مؤسسات إعلامية خاصة.  وكانت تلك التراخيص في شكل هدية لمستثمرين مقربين من الدولة أو الحزب الحاكم أو الأسرة وذلك عبر إفراد امتيازات خاصة وضمن حدود متفق عليها سلفا للاستثمار في ما يمكن أن نطلق عليه اليوم بإعلام المسابقات والترفيه والتسلية. مثل هذا الإجراء سيسكت-حسب رأيهم-كل الأصوات القائلة بعدم تحررية الإعلام وذلك بسبب التعلة القديمة عن ملكية الدولة واحتكارها لكل المؤسسات الإعلامية، فهذا أمر أصبح أيضا في عداد الماضي. فإفراد مثل تلك الامتيازات لا يعكس خلفية نزيهة وإستراتيجيا واضحة في كيف يمكن أن يكون الإعلام والاتصال ضمن المنظومة السياسية العامة للمجتمع وكيف يمكن التأسيس لإعلام حر تشارك فيه كل فعاليات المجتمع المدني.

بعض الدول همت تداعيا مع الفصل الخاص بالحكم الصالح والإصلاح السياسي في مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير بالقيام بانتخابات "حرة ونزيهة" وبنسب مئوية معروفة سلفا. هكذا وبمثل هذه الانتخابات لن يذكر مستقبلا اسم تلك الدولة في تقارير الهيئات الحقوقية العالمية ولن يذكر اسمها أيضا في تلك التقارير المشئومة التي ستتناقلها وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت فتسري لدى الرأي العام كما تسري النار في الهشيم[53]. دول عربية أخرى فتحت أسواقها وبشكل كلي ومطلق وبشكل سري في بعض الأحيان لإمبراطوريات الشركات الغربية ضمن اتفاقيات شراكة مع الإتحاد الأوروبي أو أمريكا وتحول اقتصادها الهش إلى اقتصاد بالوكالة يوفر الأرباح للشركات الغربية والأمريكية الكبرى بيد عاملة رخيصة وبدون أية ضريبة وذلك على حساب الاقتصاد المحلي والنسيج الاجتماعي والثقافي لدولها[54]. كل هذه الاتفاقيات وقعت دون مراجعة المجتمع المدني ولا إعداد مؤسسات الدولة المحلية، هذه الاتفاقيات هي لدى الخبراء ثاني أهم اتفاقيات وقعها العرب بعد توقيعهم لاتفاقيات الاستقلال، يحدث كل هذا ويستمر الحديث عن مجتمع المعرفة. بمثل كل هذه المتغيرات والإصلاحات بدت الدول العربية وكأنها دخلت مجتمع المعرفة وكسبت مقاييس التنمية البشرية الجديدة من تعليم المرأة وانتخابات وحرية ملكية وسائل الإعلام ومقاومة للإرهاب ولم يبق الشيء الكثير للدخول في حضيرة الدول المتقدمة، وكل هذا يحدث باسم مجتمع المعرفة ويسوق له اتصاليا عبر وسائل الإعلام الحكومية والخاصة.

قد تكون مثل هذه المبادرات حسنة النية حينا وتحت الضغط أحيانا لكن وجب التوقف عند أهم محدد لإطلاق مشروع الإصلاح ألا وهو محاربة الإرهاب بعد أحداث 11/09/2001 وهنا يتضح إجماع كل الدول العربية واتفاقها على إطلاق حملات لمقاومة الإرهاب وتزكية هذا الملف بمجموعة من القوانين والتشريعات الجديدة لمكافحة الإرهاب والتي كانت في أغلبها على حساب الحريات العامة[55]. لقد دخلت الدول العربية مجتمع المعرفة من نافذة محاربة الإرهاب، وتركت الباب الحقيقي لمجتمع المعرفة الذي هو الحرية والإصلاح نصف مغلق نصف مفتوح. إن الساهرين على مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير ليسوا بالأشخاص أو المؤسسات الغبية بل يستهدفون وذلك انطلاقا مما هو مدون في وثيقة مشروع إصلاح الشرق الأوسط ضرب وتجفيف كل منابع الإرهاب والحد من الهجرة غير المنظمة. فهم يرون أن الصديق هو من كان له جار آمن وأن الصديق الذي يمكن أن يتعاون معه الغرب يجب أن تتوفر فيه جملة من الشروط الضرورية الدنيا حتى لا تتحول مشاكله الداخلية إلى مشاكل تصدر إلى الداخل الأمريكي أو داخل الدول الأوروبية. حال العرب ومشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير هي حال ذلك الجمل الأجرب الذي وجب إفراده عن القطيع حتى لا يتحول مرضه إلى عدوى، لذلك وجب أن يعالج كحالة منفردة ليصلح حاله وما أن يشفي يمكنه أن يعود إلى القطيع  يأكل ويرعى. ويعرف القائمون على هذا البرنامج كذلك أن المسيرة طويلة لذلك وضعوا جملة من الآليات  مجسدة في مؤسسات محلية ودولية فاعلة وأجهزة ذكية تصل إلى توظيف المخابرات والدبلوماسية، فلا مجال لرد الفعل العاطفي، كما لا مجال للتشنج ولا للمشاريع المضادة التي تبقى حبرا على ورق.

إن قضية الإصلاح في العالم العربي هي أقرب إلى تشكيل جديد للمنطقة من كونها هيمنة، فالهيمنة المباشرة أو غير المباشرة قائمة منذ زمن بعيد وردود الفعل والمقاومة تبدو أكثر ضعفا وتقهقرا[56]. فقد قارن عدد من المختصين مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير بمشروع مارشال لإعادة إعمار ما أفسدته الحرب العالمية الثانية. مثل ذلك المشروع أنجب من العدم أكبر قوتين مصنعتين هما ألمانيا واليابان ووصل بتلك الدولتين إلى مرتبة الدول المهابة، بعد أن كانت رمادا وركاما بسبب الحرب، ولم تنسلخ كل من اليابان ولا ألمانيا لا ثقافيا ولا حضاريا. تحولت إذن تلك الدول إلى دول متقدمة ومن دون صدام لأنها أخذت من المنهج الليبرالي نموذجا عاما للحياة وانسجمت معه في حين مازالت الثقافة السياسية العربية تتأرجح بين القبول والرفض والتردد لأي نموذج فكري وسياسي تعتمده في صياغة حياة شعوبها.

نبقى مع الغرب لنتساءل : ألم يحول الإتحاد الأوروبي- الذي بدأ بدولتين (ألمانيا وفرنسا) خاضتا أكبر حروب القرن التاسع عشر والقرن العشرين- عبر مشاريعه التنموية  كل من إسبانيا والبرتغال واليونان وفي ظرف وجيز إلى دول متقدمة وديمقراطية حديثة لها سيادتها وثقافتها وتقاليدها الخاصة؟ ألم تكن إسبانيا في منتصف السبعينات دولة دكتاتورية تحت حكم فرانكو واليونان يحكمها الجنرالات، فتحولت هذه الدول إلى دول مصنعة للسيارات ومدرسة في الديمقراطية، وأصبحت هذه الدول في تقرير التنمية العربية نموذجا تقارن به بالدول العربية. تاريخيا كان لبعض الدول العربية أن سبقت إسبانيا واليونان إلى الاستقلال إضافة إلى تفوق البعض منها في الإمكانيات المادية والثروات الطبيعية ولكن تلك الدول العربية لا تأثير لها في الخارطة السياسية أو الاقتصادية أو المعرفية في العالم. ويعود سبب ذلك إلى أنها أهملت ومنذ استقلالها عنصر التنمية البشرية وقيمة المعرفة التي لا تفهم في غياب الحريات السياسية وليس بحصر مجتمع المعرفة في شعار المدرسة التقنوية : حاسوب لكل شخص. بمثل ذلك العمل الأوروبي المشترك القائم على تقديس قيمة المعرفة أصبحت أوروبا أكثر أمنا من دكتاتورية الجنرالات في اليونان وحكم فرنكو في إسبانيا وأصبحت أوروبا أكثر قوة ومناعة وقابلة للتحقق ككيان موحد.

11- خاتمة في تبيئة الإصلاح ومجتمع المعرفة  

لا يمكن اليوم بلوغ الإصلاح بعيدا عن مبدأ وقاعدة تبيئة مجتمع المعرفة للواقع الحضاري والثقافي للمجتمع العربي المكون من عنصري الإسلام والعروبة والعكس صحيح. لذلك فإن التعامل مع إصلاح الشرق الأوسط ليس سؤالا في القبول أو الرفض وإنما إشكالا في التلقي والتفاعل وإذا ما حسمت إشكالية التلقي السليم والمنهجي تطرح مسألة ماذا نقبل وماذا نرفض من الإصلاح ومن مجتمع المعرفة بعدها يتم المرور إلى التنفيذ طبقا للخصوصيات المحلية. تكون ترجمة التلقي السليم لمبدأ الإصلاح الذي لا يمكن أن يرفضه أي عاقل بالسعي الفكري والمنهجي إلى تنزيله في سياقه التاريخي والثقافي وذلك من خلال قراءة التراث الإصلاحي في الممارسة السياسية العربية. وفي هذا السياق يمكن أن نشير إلى ما كتبه محمد عابد الجابري : "وعبارة نقد الحاجة إلى الإصلاح تعني، أولا وقبل كل شيء، النظر إلى الإصلاح لا من حيث هو دعوة آتية من الخارج، ولا من حيث هو شعار بادرت إلى رفعه قوى داخلية، بل من حيث هو حاجة"[57]. إن الدول العربية تطبق وتمارس بشكل مباشر أو غير مباشر بعض بنود مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير بدون دراسة ومعرفة ما هي حاجة مجتمعاتها وأولوياتها الوطنية. ألم تعدل عديد الدول العربية من برامجها التعليمية الأساسية والجامعية أخذا بتوصيات تقرير التنمية العربية 2003 ومشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير 2004 وشروط البنك العالمي أو السوق الأوروبية المشتركة. لماذا هذا الرفض الواضح والانتهازي؟ ولماذا تلك المشاريع المضادة والتي هي عبارة عن نسخ معربة لمشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير الأم. فقد أكدت وثيقة الدول الثمانية للإصلاح : "هذا وقد استجاب بعض الزعماء بالفعل لهذه النداءات واتخذوا خطوات في اتجاه الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وأيدت بلدان مجموعة الـثمانية، بدورها، هذه الجهود بمبادراتها الخاصة للإصلاح في منطقة الشرق الأوسط".

إنه القبول الضمني غير المعلن والرفض المؤدلج-أيديولوجيا-عبر وسائل الإعلام تحت شعار الخصوصية المحلية والمرجعية الثقافية وخاصة ما جاء في وثيقة تونس من " إمكانياتها وقدرة مجتمعها على استيعاب الإصلاحات" وكأن كل هؤلاء المتعلمين وتلك النخب والقوى المجتمعية التي تطفح بها المنطقة العربية مازالت غير مهيأة لاستيعاب الإصلاح. سيكون لمشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير طيلة مشواره ضحايا من المتحمسين له من جهة ومستفيدين من الرافضين له من جهة أخرى. أما إعلاميا واتصاليا فسيساهم مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير في تغيير المشهد الإعلامي والاتصالي بما ينسجم ومصالح الدول الغربية في المقام الأول وسيكون العرب آخر مستفيد. فالمصلحة الغربية ذات شقين، الأول سياسي ويتمثل في تجفيف منابع الخطاب الإرهابي المتطرف الذي يسوق له الإعلام العربي وخاصة في ما يتعلق بفلسطين والعراق وكيف يمكن استدراجه نحو التسويق لمبادئ الفكر الغربي على أساس أجندة السياسة الخارجية الأمريكية والغربية والتي لم تستطع منفردة حسم إشكالية ثنائية الفصل أم الربط بين الإسلام والإرهاب. والشق الثاني اقتصادي يتمثل في أن الفضاء الاتصالي والإعلامي العربي هو سوق بكر أنهكتها مؤسسات القطاع العام وأنه آن الأوان أن تحل الاستثمارات الغربية المنطقة العربية وبشكل مكثف للاستثمار أولا اقتصاديا في مجتمع المعرفة.

إذن كيف يمكن الدخول إلى فضاء مجتمع المعرفة أمام هذا المشهد الجديد الذي ينتظر الإعلام العربي خاصة إذا ما فصلنا الإعلام عن الاتصال فصليا هيكليا ومنهجيا قد تكون له تبعات فكرية وسياسية واجتماعية في كيف نؤسس لمجتمع حداثي متعدد ومتحرر. فكيف يمكن مواجهة كل هذه التحديات بوزارات للإعلام وبهيكلية للاتصال مستقلة عن الإعلام لا دخل للمجتمع المدني في رقابتها وتحديد أدائها. لماذا لا تدخر الدول العربية أي جهد في الدعاية إلى ضرورة بلوغ مجتمع المعلومات والمعرفة في حين أن قنوات هذه المعرفة من وسائل إعلام وتكنولوجيات الاتصال الحديثة ووسائطها مازالت بشكل مباشر أو غير مباشر تحت سيطرتها المطلقة.

إن الإفراط في استعمال مصطلح مجتمع المعرفة والمعلومات من زاوية تقنوية والإصلاح من زاوية سياسوية يوشك أن يدفن ملف الإعلام على حساب الاتصال ويهمش فكرة التغيير فيحل محلها الإصلاح وذلك عبر تقديم شرعية الاتصال الإلكتروني على حساب الإعلام في أبعاده الثقافية والتنموية والإصلاح السياسي الملفق على حساب التغيير الجذري. فكما قدمت شرعية التلفزيون ونجاعته على حساب الصحيفة جاء التلفزيون دولة ما بعد الاستقلال نسخة من الصحيفة العربية الرسمية التي كانت تخضع لمفهوم وتوجه سلطوي. لكن تقديم الاتصال على الإعلام اليوم مدفوعا بشعار مجتمع المعرفة والاتصالات والمعلومات لا يستدعى السمات التحررية الغائبة في الموروث الإعلامي العربي لتكون رافدا للاتصال وهو ما قد يطبع الاتصال في هيئته الجديدة بالموروث السلطوي للإعلام. هكذا يمرر الاتصال مستمدا من شبكة الإتصالات كمصطلح جديد وشفاف لتأبيد المفهوم السلطوي للإعلام بثياب اتصالية وتحت شعار مجتمع المعرفة الذي نصت عليه مشاريع الإصلاح.

فالإعلام اليوم في الخطاب الرسمي يعتبر تقنية أحيلت إلى التحكم وثقافة في عداد التراث وأن الدعاية والتشبث به هي حركة رجعية أمام ثورة الاتصالات والمعلومات. فبمثل هذا الخطاب تقبر كل هينات الإعلام العربي وتجاوزاته وتسويقه طيلة عقود من الزمن للاستبداد السياسي. غير أن الاتصال لا يمكن له أن يحيا نظريا وعمليا بعيدا عن المنظومة الإعلامية التي تملك رصيدا تاريخيا فكريا وأخلاقيا فهو قاعدة الانطلاق لأي محاولة لتأسيس مجتمع المعرفة. كما أن الإعلام اليوم لا يمكن له أن يتواصل ويؤدي وظائفه إن لم يتأقلم مع المعطيات الاتصالية الجديدة الفكرية منها والتقنية والثقافية. وهي مسألة داخلية علائقية بين الإعلام والاتصال يمكنها أن تنمو بحرية وبشكل سوي إذا ما كان تدخل الجهات الفاعلة في هذا المشهد الجديد يكون بوصفها المراقب والداعم أكثر من المحتكر الرقيب. لذلك يمكن أن يكون مجتمع المعرفة من بين أفضل المداخل لتجسيم الإصلاح ومواكبة التحول الديمقراطي الذي تعيشه الدول العربية ويمكنه أيضا أن يساهم في تحرير الإعلام العربي. كما أن الإصلاح السياسي لا مستقبل ولا انطلاقة له إذا لم يكن مدفوعا بإعلام تحرري مستقل عن التحكم المباشر للسلطة التقليدية. إن الإعلام عندما يدمج في الاتصال يتقاطع ضرورة مع مجتمع المعرفة وعندما يكون بعيدا عن التوظيف السلطوي يمكنه أن يكون شاهد عيان على دخول المجتمعات العربية إلى مجتمع المعرفة والمعلومات فنشهد الإصلاح. إن إعلاما سلطويا متخلفا غير متحرر من هيمنة الدولة لن ينتج إلا مجتمع معرفة تراقبه السلطة وتطوعه لأغراضها والمتمثلة في البقاء على دفة الحكم. كما نقول للمناهضين وللمتحمسين للإصلاح ليس كل ما يأتي من الغرب أو من أمريكا سيئ أو جيد خذوا مما يأتيكم من العدو والصديق فقط بما يخدم مستقبل وطنكم وشعوبكم : فكروا إصلاحيا وتصرفوا أيضا محليا إذا ما كان الهدف بلوغ مجتمع المعرفة. [58]

 

الهوامش والمراجع

 



* الدكتور جمال الزرن أستاذ مساعد بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار بجامعة منوبة/تونس، يدرس حاليا الإعلام والصحافة بجامعة البحرين بكلية الآداب- قسم الإعلام.



[1] عقدت الدورة الثانية لملتقى الإسكندرية في شهر مارس 2005 وافتتحها الرئيس المصري وهو تجمع مدني رسمي أكثر منه مستقل عن السلط العربية.

[2]راجع نص مشروع "الشرق الأوسط الكبير" والمقدم إلى قمة الدول الثمانية المنعقد في الولايات المتحدة في يونيو 2004.

[3] محمد عابد الجابري : في نقد الحاجة إلى الإصلاح : مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2005، ص 15.

[4]راجع نشرة الإصلاح العربي Arab Reform Bulletin  : تصدر عن مؤسسة كارنيغي للسلام باللغة الإنجليزية وتقوم بترجمتها إلى العربية دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر السعودية ديسمبر 2004 المجلد 2 العدد 11.هذا بالإضافة إلى عديد المواقع الإلكترونية الرسمية وشبه الرسمية للولايات المتحدة الأمريكية وللمجموعة الأوروبية المتخصصة في ملف الإصلاح في المنطقة العربية.

[5] العدد 114 من مجلة شؤون عربية وهي من إصدار جامعة الدول العربية بالقاهرة،  صيف  2003والمخصص لما بعد الغزو الأمريكي للعراق. مجلة المستقبل العربي العدد 9 لسنة  2003 والذي أفردت ملفا خاصا عن العراق والمنطقة بعد الحرب وقضايا إعادة الإعمار، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت. مجلة شؤون الأوسط العدد 111 لسنة 2003 حيث أفردت المجلة عددا خاصا عن : العراق تحت الاحتلال الأمريكي وهي من إصدار مركز الدراسات الإستراتيجية، بيروت.

[6] جمال زرن : قراءة في الإعلام العراقي بعد الاحتلال وإشكالية الهيكلة، مجلة الدراسات الإستراتيجية، مركز البحرين للدراسات والبحوث، العدد 4 سبتمبر 2006 ص 45-74.

[7] تردد ذكر العراق في وثيقة إصلاح الشرق الأوسط الكبير لمجموعة الدول الثمانية أربعة مرات وهي أكثر دولة عربية وقع الاستشهاد بها.

 خطاب الرئيس جورج بوش ببروكسل في 21/02/2005 بمناسبة اجتماع حلف الناتو.[8]

[9] جمال زرن : تساؤلات عن الإعلام الجديد : العرب وثورة المعلومات (كتاب جماعي) منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2005. ص : 109-125.

[10]مهدي المنجرة : عولمة العولمة : منشورات الزمن ، المغرب 2000.

[11]HUBERMARS Jurgen: Théorie de l`agir communicationnel, Fayard, Paris, 1987.

[12]LEVY Pierre : Cyberculture, Rapport au Conseil de l’Europe, Odile Jacob 1997. Cyberdémocratie : Odile Jacob 2002.

[13]نبيل على : العرب وعصر المعلومات : عالم المعرفة 184، الكويت أبريل 1993.

 أرمان وميشال ماتلار : تاريخ نظريات الاتصال : ترجمة نصر الدين لعياضي والصادق رابح، المنظمة العربية للترجمة 2005.[14]

[15] BRETON Philippe et PROULX Serge, L'Explosion de la communication à l'aube du XXIe siècle, Paris : La Découverte ; Montréal : Boréal, 2002, 400 p.

[16]MIEGE Brenard : TICs et société de l` information, état de l `art de la recherche, in Penser la société de l`information, actes du colloque, IPSI Tunis, 2005 p 23.

[17]LEVY Pierre : l`intelligence collective, pour une anthropologie du cyperespace, Paris, La Découverte, 1994.

[18] راجع الملف الخاص الذي نشرته مجلة السياسة الدولية، القاهرة العدد 155 السنة ،2004 المجلد 39 ص : 70-113.

 [19] ذاكر آل حبيل : الملتقى العربي الأول للتنمية الإنسانية : نحو إقامة مجتمع المعرفة، بيروت، مجلة الكلمة عدد 45 سنة 2004.

 على أمليل : سؤال الثقافة، المركز الثقافي العربي، بيروت 2005.[20]

[21] راجع الوثيقة الأوروبية للإصلاح.

[22] أعلنت عدة بلدان في الشرق الأوسط الكبير نيتها إجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية أو بلدية مثل السعودية أو مصر أو لبنان والعراق.

 [23]قامت عدة منظمات غير حكومية ممولة من الولايات المتحدة الأمريكية باستطلاعات رأي كبيرة تحت رعاية مؤسسة زغبي وقد لقيت هذه الاستطلاعات أثرا إعلاميا    كبيرا في المنطقة.

[24] نظمت وزارة الخارجية الأمريكية بالتنسيق مع بعض الجامعات العربية والأمريكية سنة 2002 دورة لأساتذة من المنطقة العربية متخصصين في الإعلام وعلم الاجتماع دورة في تحليل ودراسة وقياس الرأي العام  تبعتها دورة أخرى سنة صيف 2005 لطلبة الإعلام في أكثر من دولة عربية.

[25] خصصت الخارجية الأمريكية أثناء انتخابات 2004 في شهر نوفمبر عديد الزيارات لأساتذة إعلام وذلك لمعايشة التغطية الصحفية للانتخابات الأمريكية عساهم يتأثروا بالإعلام الأمريكي  فينقلوا تلك التجربة الديمقراطية إلى بلدانهم.

[26] من بين المبادرات التي وقعت لإيجاد جسور بين الإعلام الأمريكي والإعلام العربي يمكن ذكر تنظيم  مجموعة من الدورات أعدها معهد أسبن الأميركي بدأها بدورة في الأقصر بمصر ثم عُقِدت دورة مماثلة في ضواحي واشنطن حضرها نخبة من الإعلاميون العرب والأميركيين، من بين محاورها مراجعة ونقد للذات  من كلا الطرفين.

[27]  طوّرت إدارة جورج بوش برنامجاً ضمن مبادرة مشروع الشرق الأوسط الكبير لزيادة تمثيل النساء في الصحافة. وخصّصت المبادرة مبلغ 1.7 مليون دولار خلال العامين 2003-2004 من أجل تمويل برنامج يسمى: "مقابلات"، وإنشاء منظمة دولية غير حكومية، لتوفير تدريب إعلامي للنساء العربيات. وفي كانون الأول/ديسمبر2003 ساعد برنامج "مقابلات" 13 سيدة وفتاة مصرية على إكمال تدريبهن الجامعي في حقل الصحافة بجامعة وستيرن كنتاكي حيث يتم تلقينهن الخبرة العملية في صحف أميركية. المصدر : موقع وزارة الخارجية الأمريكية.

[28] يمكن ذكر منظمة أنتر نيوز والمعهد المختص في الديمقراطية التابع للحزب الجمهوري الأمريكي وغيرها من المنظمات الأمريكية شبه الحكومية.

 ذكر التقرير نموذج "مؤسسة وستمنستر" في المملكة المتحدة أو "مؤسسة الدعم الوطني للديمقراطية" الأمريكية. [29]

[30] راجع الكتاب الجماعي : التمويل الأجنبي لمؤسسات المجتمع المدني ، منشورات مركز الإسكندرية لحقوق الإنسان والجبهة الشعبية لمناهضة الإمبريالية والصهيونية، مصر 2005.

[31] نظم مؤتمر إصلاح التعليم في قطر بالدوحة سنة 2004 كأحد توصيات مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير.

[32] صدر التقرير يوم الثالث والعشرين من شهر ديسمبر 2004 ووقع عليه الرئيس جورج بوش يوم السابع عشر من جانفي 2005.

[33]صحيفة الحياة بتاريخ 27/12/2004.

[34] الدبلوماسية العامة مصطلح ومفهوم جديد للدبلوماسية الأمريكية التي يجب أن تدافع على المصالح الأمريكية وتحسين صورة أمريكا في الدول التي بها نسبة عداء كبيرة وذلك عبر الاقتراب أكثر من الناس ومنظمات المجتمع المدني وقد أثارت تدخلات وحضور بعض السفراء لندوات المجتمع المدني في الكويت وسوريا ولبنان وفي عديد الدول العربية انتقادات رسمية وشبه رسمية لهذا التوجه الجديد والغريب عن الأعراف الدبلوماسية.

[35]النهج الدستوري والديمقراطيات الناشئة : مجلة إلكترونية في قضايا الديمقراطية وهي مجلة إلكترونية باللغة العربية، من سلسلة المجلات الإلكترونية التي تصدر شهرياً عن مكتب برامج الإعلام الخارجي في وزارة الخارجية الأميركية باللغة الإنجليزية، وتتناول خمسة مواضيع رئيسية، هي: مواقف اقتصادية، أجندة السياسة الخارجية الأميركية، قضايا عالمية، قضايا الديمقراطية، والمجتمع الأميركي وقيمه. وتتم ترجمة بعض هذه المجلات إلى اللغات العربية والفرنسية والإسبانية والروسية.

[36]صحيفة الحياة بتاريخ 27/12/2004 .

[37] يتخذ المعهد العربي لحقوق الإنسان من تونس مقرا له، والذي يفترض أن يكون جزءا من "المنظمة العربية لحقوق الإنسان" وبعيدا عن التمويل الرسمي الأجنبي.

 تم رصد 400 ألف دولار أمريكي للجمعية العربية الأمريكية لأساتذة الإعلام والاتصال.[38]

[39] نشر تقرير عن مسيرة قناة الحرة وإذاعة سوا أنها لم تحقق أهدافها في تلميع صورة أمريكا في الشرق الأوسط حيث وجهت لإدارتها انتقادات حادة وذلك لعدم قدرتها في تحقيق اهدافها.

[40] صحيفة الحياة : نفس المرجع.

[41] انعقد المؤتمر الذي يصعب إعطائه صفة التمثيلية للمجتمع المدني العربي في مكتبة الإسكندرية في الفترة  من ‏12 ‏ إلى ‏14‏ مارس ‏2004‏ بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والعمل الأهلي وانعقدت الدورة الثانية في مارس 2005 وأفتتحها الرئيس المصري محمد حسني مبارك.

[42]قام وزير الخارجية الأمريكية الأسبق كولن باول بزيارة إلى كل من المغرب وتونس قبل انعقاد قمة جامعة الدول العربية 2004 هذا بالإضافة إلى زيارات عديدة لأعضاء الكونجرس الأمريكي في أغلب الدول العربية وخاصة لجنة الشؤون الخارجية.

[43]راجع البيان الختامي بمجلة المستقبل العربي، عدد214 بيروت،  أبريل 2005 .

[44] شارك في مؤتمر قضايا الإصلاح العربي‏:‏ الرؤية والتنفيذ المنعقد في مكتبة الإسكندرية في الفترة‏12‏ ـ‏14‏ مارس‏2004‏ بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والعمل الأهلي في الوطن العربي 80 مشاركا من ست دول عربية يمثلون 12 فرعا من فروع نشاطات المجتمع المدني وعدد من الخبراء والمراقبين .

[45] راجع قانون المطبوعات الأردني أو البحريني أو القطري وغيرها.

[46]  يمكن ذكر التوجهات النهضوية الإصلاحية التي عطلت مع دخول الاستعمار منذ بداية القرن التاسع عشر  ثم مشاريع تحديث أو بناء دولة ما بعد الاستقلال من تيارات مثل الليبرالية والماركسية والإسلامية والقومية.

[47] نبيل على ونادية حجازي : الفجوة الرقمية : رؤية عربية لمجتمع المعرفة : سلسلة علم المعرفة، العدد 318 الكويت، 2005.

[48] عن السلطة والمثقف راجع عبد الإله بلقزيز : نهاية الداعية، الممكن والممتنع في أدوار المثقفين، المركز الثقافي العربي، المغرب.

[49] عقد المؤتمر العلمي الأول للتعليم العالي الخاص بالعلوم الإنسانية (مؤتمر الحريات الأكاديمية) في الجامعات العربية بالأردن  في 15-16 ديسمبر 2004 راجع التقرير النهائي بمجلة المستقبل العربي العدد 312 لسنة 2005.

 [50]الوثيقة العربية للإنترنت صادرة عن مؤسسات المجتمع المدني العربي في المؤتمر الإقليمي العربي"نحو مجتمع معلومات أكثر عدالة" الذي عقد في عمان-الأردن خلال الفترة13 -15/9/2004.

[51] حدث هذا خاصة في بعض الدول الخليجية مثل البحرين وقطر.

 يمكن ذكر إلغاء  وزارة الإعلام في الأردن وإحداث وزارة اتصالات في تونس والمغرب.[52]

 الانتخابات البلدية السعودية التي يعين نصف أعضاء مجالسها من قبل الملك والنصف الآخر ينتخب.[53]

[54] اتفاقية الشراكة بين البحرين والمغرب والولايات المتحدة الأمريكية والمغرب وتونس مع السوق الأوروبية المشتركة وغيرها.

[55] قانون مكافحة الإرهاب في المغرب وتونس.

[56]عن الهيمنة الأمريكية راجع كتاب المفكر الأمريكي : نعوم تشمسكي : الهيمنة أم البقاء : السعي الأمريكي للسيطرة على العالم : ترجمة سامي الكعكي ، بيروت ، دار الكتاب العربي، 2004.

[57] محمد عابد الجابري : مرجع سابق ص 16.

[58] توماس فريدمان : فكروا عولميا وتصرفوا محليا، نيويورك تايمز بترتيب خاص مع مؤسسة الإمارات للإعلام بتاريخ 06/07/2004.

 

(1) تعليقات


Add a Comment

اضيف في 31 اكتوبر, 2008 10:54 ص , من قبل Asma
من تونس

Bonjour
Je vous félicite pour ce beau blog
Bonne continuation
Ben Garga Asma



Add a Comment

<<Home