مقعد وراء التلفزيون : الإعلام والإتصال والمجتمع
مدونة إفتراضية تهتم بقضايا الإعلام العربي والدولي والصورة في زمن العولمة: "المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية" : ريجيس دوبريه-
"صحافة المواطن" : المتلقي عندما يصبح مرسلا

"صحافة المواطن" : المتلقي عندما يصبح مرسلا

 


الدكتور جمال الزرن

معهد الصحافة وعلوم الإخبار-جامعة منوبة-تونس


نشر هذا البحث بالعدد الأخير للمجلة التونسية لعلوم الإتصال

العدد 51-52 السنة 2009

 

1-           تقديم : مشهد صحفي جديد

  

عندما يتسلح أي مواطن بمجموعة من الآلات الاتصالية الإلكترونية الصغيرة (كاميرا رقمية–دى فى-،آلة تصوير رقمية، حاسوب محمول، مسجل صوتي صغير، هاتف جوال عالى الجودة..) وينزل إلى الميدان ويتجه صوب الحدث يقتنص الأخبار، فهل تمكنه تلك التقنية الذكية من أن يتحول إلى صحفي؟ عندما ينشر أي مواطن في فضاء مدونته أخبارا ومعلومات لم تتمكن المؤسسات الإعلامية التقليدية العريقة من الوصول إليها فهل يضفي عليه ذلك السبق الصحفي صفة المواطن الصحفي ؟

أفردنا هذه الأسئلة في بداية هذه الدراسة لبيان أن الصيغ الإلكترونية الجديدة في نشر الأخبار أصبح بإمكانها أن توفر الفرصة لأي شخص أن يكتب وينشر على شبكة الإنترنت[1]، صوره وآرائه وأخباره التي جمعها من مصادره الخاصة، وإظهار أن أشكالا مستحدثة من تبادل المعلومة والخبر وممارسة الصحافة باتت في طريقها إلى الترسيخ في مختلف وسائل الإعلام[2]. ويطلق على هذه الظاهرة الجديدة في المجال الإتصالي والصحفي مصطلح "صحافة المواطن" أو "إعلام المواطن" وغيرها من التسميات  الحديثة، والتي تشير إلى تبلور تيار من النقد الجريء للصحافة التقليدية، وإعلان عن ميلاد صحافة بديلة ضمن سياقات  تشكل مشهد صحفي جديد. غير أنه أمام هذا الانفجار التاريخي لمنظومة الخبر وصناعته يوجد تشكيك من العديد من الصحفيين التقليديين في قيمة الإضافة التي قد تحدثها صحافة المواطن وفي نزاهة ومصداقية ما ينشره على شبكة الإنترنت هذا الجيل من "الصحفيين الجدد". هكذا يبدو الجدل والنقاش عن صحافة المواطن بمثابة إعلان ليس فقط عن مزايا هذه الظاهرة-فهذه المسألة ستبقى موضوع سجال فكري وأكاديمي ومهني مفتوح-بل في الإعتراف بإحداث صحافة المواطن لهزة مسلكية وحرفية-ذات أبعاد فكرية-فيما كانت وستؤول إليه الصحافة التقليدية في مواجهة الإستعمالات الإجتماعية والثقافية الجديدة لتكنلوجيات الإتصال الحديثة وتمثلاتها وخاصة منها شبكة الإنترنت[3]. 

تهدف هذه الدراسة إلى عرض نشاة وتطور ظاهرة صحافة المواطن في المشهد الإتصالي الحديث، وذلك من خلال بيان خصائصها الفكرية والإجتماعية. كما سنحاول في هذه الدراسة وأمام قلة بل غياب البحوث المهتمة بإشكالية صحافة المواطن في أدبيات الاتصال في المكتبة العربية وبالإعتماد على المنهج الوصفي ومنهج الملاحظة بالمشاركة[4] أن نجيب على الأسئلة الآتية :

1.                ما هو تعريف صحافة المواطن وما هي خصائصها؟

2.                ما هي المرجعيات المؤسسة لصحافة المواطن ؟

3.                هل يمكن إعتبار صحافة المواطن أحد التمثلات الإجتماعية لظاهرة الإعلام البديل؟

4.                نقد صحافة المواطن ونسبيتها.


2- مقاربة في تعريف صحافة المواطن


صحافة المواطن مصطلح إعلامي وإتصالي في نفس الوقت، وهو على المستوى التاريخي حديث النشأة، وهو مصطلح غير مستقر على المستوى المفاهيمي. وتشخص صحافة المواطن عند البعض على أنها إعلام المواطن، وعند مجموعة أخرى الإعلام التشاركي أو التفاعلي أو أيضا التعاضدي، وعند آخرين الإعلام البديل أو الصحافة المدنية[5]. إذن فنحن أمام إنفجار مصطلحي يصعب حصر تمثلاته ورواده، وتحديد أدبياته. لكن أمام هذه التداخل في المصطلحات فإننا نلاحظ إجماعا على تبنى مرجعيات مصطلح "صحافة المواطن" وهو المصطلح الأكثر حضورا في أدبيات الأطراف النشطة في هذا المجال وتوافق ضمني على دلالة هذه المفردة الجديدة في قاموس الإعلام والإتصال والتي يمكن حصرها في إعتمادها على :

1.                شبكة الإنترنت كفضاء للنشر والتعبير عن الرأي.

2.                تأكيد حضور المواطن في قضايا الشأن العام ودعم الممارسة الديمقراطية.

3.                إعتبار مخرجات صحافة المواطن إمتدادا لمرجعيات الإعلام البديل والصحافة البديلة.

ومحاولة للتفاعل مع هذه الخصائص التي تحمل في طياتها خلفية فكرية ونظرية فإننا سنعود إلى أدبيات بعض المواقع الفرنسية التي تعلن عن نفسها بكونها صوت أو فضاء لإعلام المواطن وهي AgoraVox.fr و place-publique.fr و BlogNews.fr وأخيرا MédiaCitoyen.fr وهي كلها مواقع تتخذ لنفسها سياسة تحرير تعتمد على مرجعية صحافة المواطن وفلسفتها.

في هذا السياق يمثل موقع AgoraVox أول مبادرة أوروبية في صحافة المواطن[6]، وذلك على مستوى جماهيري ومجاني واسع. فهو موقع على هيئة قاعدة بيانات متعددة الوسائط، متوفر لكل المواطنين الراغبين في نشر أخبار ومعلومات حصرية والمؤسس على ثلاثة قواعد مرجعية هي :

1- كل مواطن هو باحث عن المعلومة : كل شخص بإمكانه أن يتحول إلى مصدر للأخبار والمعلومات : المدونون ومتصفحي الإنترنت والمواطنين والصحفيين والجمعيات الأهلية. إن فلسفة موقع AgoraVox.fr بسيطة وتقوم على قاعدة ما توفره تكنلوجيات الإتصال الحديثة وشبكة الإنترنت من ديمقراطية، حيث أصبح بإمكان كل مواطن جمع المعلومة والحصول عليها، وأن يتحول بالتالي إلى مراسل قادر على تمييز وإقتراح المعلومة ذات القيمة المضافة بهدف نشرها.

2- التحول من وسائل الإعلام الجماهيرية إلى وسائل إعلام الجماهير: تقوم وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية على قاعدة نشر المعلومة من الفرد إلى المجموعة (from one to many) ويقوم موقع AgoraVox بقلب المعادلة والإعتماد على نشر المعلومة من الكل إلى الكل (from many to many) وذلك بالإعتماد على مواطنين صحفيين، وهي النظرية التي يبشر بها أحد أهم مؤسسي هذا الموقع جويل دى روسنى صحاب كتاب "ثورة بروليتاريا الإنترنت".[7]

3- سياسة تحرير مختلفة : يعتمد موقع AgoraVox على سياسة تحرير خاصة به فالأخبار التي تنشر يجب أن تكون دقيقة ولها صلة بالأحداث الموضوعية وأن تتميز بأقصى قدر من السبق. وإعتبارا لإمكانية خضوع المعلومة والخبر لتضليل المؤسسة فإن هذا الموقع يعتمد على هيئة تحرير تقوم بدور الغربلة، فيقع إخضاع كل معلومة إلى المراجعة وذلك مخافة أي توظيف سياسوي أو أيديولوجي. وبالإضافة إلى قاعدة التدقيق فإن موقع AgoraVox يعتمد بشكل مكثف على تعليقات وردود القراء والتي تمثل-حسب فلسفة هذا الموقع-مرجعية رئيسية يطلق عليها ب"آليات الذكاء الجماعي"، وهي التهذيب الجماعي للمعلومة لنشرها بصفة مشتركة في الشبكة. هكذا يمكن لصاحب المقال أو الخبر-بالإشتراك مع هيئة تحرير الموقع-أن يتفاعل مع الزائرين والمعلقين بهدف تطوير المقال، في هذا السياق يرى رئيس مركز "إعلام المواطن" بإن "القراء بإمكانهم أن يكونوا أكثر إطلاعا مني"[8].

"من أجل إعلام المواطنين" هو عنوان إفتتاحية أحد أهم المواقع الناطقة بإسم إعلام المواطن في فرنسا (place-publique.fr)[9] وترجمته "الساحة العمومية"، والذي يعود تأسيسه إلى عشرية، فهو يهدف إلى البحث في حيثيات مفهوم إعلام المواطن وتطوير قاعدته. ومن خلال إحترام سياسة تحرير خاصة فإن هذا الموقع يسعى إلى تفعيل الإنتاج المشترك للخبر وإتاحة الفرصة لمبادرة المواطن ويعطى الكلمة إلى المجتمع المدني، فهو بذلك يطور ولا ينقد، ليتحدث عن القطار الذي تأخر عن موعد إنطلاقه، فيحفز الرغبة في المشاركة وتوفير صورة أقل كارثية عن المجتمع، تلك الصورة التى تسوق لها يوميا وسائل الإعلام الكلاسيكية[10].


في ذات السياق يعتبر موقع .fr www.BlogNews -وهو مدونة إخبارية-النسخة الفرنسية للموقع الكوري الجنوبي الشهير Ohmynews ويعتمد هذا الأخير على قاعدة "المواطن المخبر" أو المحقق أو "المواطن الصحفي". ويعود باعث موقع BlogNews.fr إلى منجد لاروس من أجل مقاربة في تعريف صحافة المواطن فالمواطن هو ذلك "الشخص المنتمي إلى الدولة والذي يتعامل معه بإعتبار حقوقه وواجباته السياسية". أما المراسل فهو "الصحفي الذي يجمع المعلومة والخبر بقصد نشرهما في وسيلة إعلام". وعليه يمكن القول أن المواطن/المراسل هو ذلك الشخص الذي يعى حقوقه وواجباته السياسية ويسعى إلى جمع الأخبار ونشرها على شبكة الإنترنت. فالمراسل المواطن ليس بالصحفي المحترف لأن الصحفي المحترف يمتهن الصحافة ويمارسها في إطار قانوني محدد يتميز بحيازته لبطاقة صحفي. إن المواطن المراسل هو شخص متطوع لنشر ما يسمعه ويشاهدته ويحصل عليه من معلومات وأخبار في شبكة الإنترنت، وذلك من خلال الإلتزام الذاتي والمسؤولية الإجتماعية ومراقبة بقية زملائه ومتصفحي شبكة الإنترنت له[11]. كل مقال أو خبر ينشر في موقع BlogNews.fr تقع مراجعته من قبل مجموعة من المدققين وبعض المواطنيين المراسلين وذلك بالإعتماد على مجموعة من المعايير الصارمة أخذا بعين الإعتبار لميثاق النشر المعتمد من قبل الموقع. ويهدف موقع BlogNews إلى أن يكون-حسب مؤسسيه-عبارة عن وكالة أنباء للمواطن المراسل. 

من خلال عنوانه إعلام-المواطنMédiacitoyen.fr  يقدم هذا الموقع نفسه بإعتباره صحافة بديلة تتيح لأي شخص من أن ينشر على شبكة الإنترنت أخبار قصيرة ومقالات، وصور، وفيديو ويمكن أن تكون تلك المقالات في شكل وجهة نظر أو تساؤل حول قضية معينة، أو عرض لوقائع[12]. ومهما كانت صفة الناشر صحفيا أكان أم مدونا أو مديرا لمؤسسة، أو عاطلا عن العمل فيمكنه عرض معلوماته وأخباره بهدف نشرها شريطة إحترامه القيمة الصحفية التي يجب أن تتميز بها تلك الأخبار والمقالات. كما يمكن أن يصبح المواطن صحفيا فموقع إعلام المواطن لا يسعى إلى منافسة بقية وسائل الإعلام التقليدية المتجذرة في شبكة الإنترنت، فمن خلال إلتقاء مجموعة من المحررين المواطنين يمكن عرض وتسريب بعض المواقف أو إثارة بعض القضايا أو شرح بعض المسائل التي تتجاهلها الصحافة التقليدية. ويؤكد موقع Médiacitoyen.fr بصريح العبارة على "نؤمن بأن كل مواطن بإمكانه أن يصبح صحفي حقيقي". ويضيف الموقع في إفتتاحيته أنه "ومن خلال العمل المشترك يمكننا إسماع أصواتنا وربما تحريك بعض القضايا". فيما يتعلق بسياسة التحرير فإن فريق موقع "إعلام المواطن" يدقق في نوعية الأخبار والمقالات التي تصله من المواطنين. ويؤكد القائمون على الموقع أن هدف الإعلام ليس نشر الشائعات أو التضليل لذلك يعتمد المشرفون على هذا الموقع على قائمة من المعايير من بينها الدقة اللغوية، التأكد من صحة المعلومة، وقبل كل شئ إحترام الآخر[13].


3- المدونات الإلكترونية وصحافة المواطن


 بالإضافة إلى هذا الصنف من المواقع الإلكترونية الإخبارية التشاركية والتي تعتمد على فلسلفة الإعلام التفاعلي يوجد صنف آخر من المواقع التي تتصف بالشخصية وعرفت بإسم المدونات الإلكترونية (Weblog). وتعتبر المدونة وسيلة تواصل حديثة العهد وهي في الأصل عبارة عن مفكرة تتناول الأحداث الجارية، كان ذلك الأمر يتعلق بالآنية أو بإبداء الرأي وتعرض من خلال نموذج تنازلي : من الحديث إلى الأقل حداثة، وقد وظهرت المدونة في نهاية سنة 1997 وهي منذ ذلك التاريخ وعلى المستوى الكمي والكيفي في نسق سريع ومثير.[14] ويكون وراء بعث المدونة عادة شخص واحد-أو عدة أشخاص-يضع على شبكة الإنترنت بشكل يومي أو أسبوعي عدد من الأخبار والتعليقات في شكل نصوص وصور وتسجيلات فيديو وصوت. إن تلك الكتابات تكون عادة متصلة بقضايا الشأن العام أو بمسائل ذاتية وتكتب بشكل مطول أو مقتضب وتكون متأثرة بالزاوية والأسلوب الذي إختاره صاحبة المدونة كأن تكون، تحليلية أو وصفية أو إخبارية، وتتميز المدونة ب :

1.   إمكانية إستغلال المضامين المتعددة الوسائط ونشرها بشكل آني وسريع على شبكة الإنترنت.

2.   إمكانية التعليق والتفاعل المباشر من قبل متصفحي شبكة الإنترنت.

هكذا فإن المدونة ليست فقط وسيلة إعلام بل أيضا وسيلة إتصال بين الناس، فالمدونات تنتمي إلى ذلك الصنف من النشر الذي يمكن أن نسميه بالنشر الذاتي أو النشر على الحساب الخاص ولذلك يصف البعض مجموع المدونات بفضاء التدوين (Blogosphere). وتتميز المدونة بالصفات الآتية :


- الصحفي المواطن : كانت المدونة في بداية ظهورها عبارة عن صحيفة لكنها تتميز بالذاتية وإلتصاقها بالخصوصية (الحياة الخاصة)، لكن مع تبلور وشيوع الوسائط المتعددة (الصورة، الفيديو، الصوت) تحول إهتمام المدونة إلى نقل الوقائع وبروز البعد الإعلامي الصحفي في مخرجاتها وهو ما أدى إلى بروز المدونات الإخبارية. إن إمكانية تحيين أية مدونة من أي جهاز كومبيوتر ومن أي بقعة في العالم ونشر أي مضمون وفر فرصة التفاعل لمتصفحي الإنترنت في حلهم وترحالهم. وقد عبر عن هذه الحالة دى روسني بقوله "كل مواطن هو بالضرورة صحفي صاعد، يتحكم في زمن الأحداث ووقعها، فلا تستطيع أية وكالات أنباء أن تنشر صحفيين في كل الشوارع، فظهور الصحفي المواطن أصبح ظاهرة غير قابلة للتجاهل، فقد أظهرت أحداث التسونامي في جنوب شرق آسيا وتفجيرات لندن وإعصار كاترينا في الولايات المتحدة حقيقة قوة وفاعلية هذه الظاهرة"[15].


- نهاية إحتكار صناعة الخبر : وتتمظهر التمثلات الإجتماعية للتدوين وبشكل واضح في هيئة صدامية بين كل من شبكة الإنترنت وإفرازاتها مثل المدونات من جهة ووسائل الإعلام التقليدية من جهة أخرى. ولدى الصحفيين أنفسهم وعي بأن هذا الصنف الجديد من الإعلام يحدث نوعا من الثورة على التقاليد الإعلامية، فقد فقدوا شرعية إحتكارهم للمعلومة وأصبح بإمكان الكل تجاوز عوائق النشر والكتابة والتحكم في إرسال وإستقبال المعلومة بكل حرية وبكل يسر. فالمدونة أصبحت في اللاوعي الجمعي بمثابة الخروج والتجاوز لصحافة تنعت بأنها سلبية الأداء. فمن خلال المدونات وخاصة منها مدونات الصحفيين التشاركيين نستشعر إتجاها تحريريا ينقد بشكل علني أو غير علني رؤيتهم السلبية للصحافة التقليدية وإحتكارها لمنظومة صناعة الخبر.[16]


- التقنية في خدمة حرية التعبير : ساهمت البساطة التقنية في تأسيس وتحيين المدونات في تحويل هذا الصنف الجديد من الإتصال إلى وسيلة إعلام جماهيرية، إذ يمكن لصاحب المدونة أن ينشر الأخبار وأن يعرض مسائل في مدونته وأن يتلقى ردود القراء وإضافات الزوار وبصفة حينية[17]. لقد تزامن ظهور التدوين وتطوره كوسيط مع بروز حركة دعاة المصادر المفتوحة على شبكة الإنترنت والذين تحدوهم رغبة التأسيس والدعوة غلى حرية التعبير على شبكة الإنترنت والتشارك في المعرفة والمعلومة من قبل الجميع[18]. وقد إستغلت هذه الحركة التحررية الإفتراضية البساطة والإضافة التقنية التي جاءت بها المدونات فهي تتيح للمساهمين في شبكة الإنترنت فرصة نشر آرائهم وعرض مصادر معلوماتهم بشكل سريع ومجاني وناجع. ونظرا للتطور المذهل للبرمجيات الإلكترونية والتي تنحو نحو المزيد من التعقيد، فإنه لمن المنطقي الإتجاه نحو تبادل المعلومة من خلال برامج مبسطة عوض الإتجاه لتطوير برامج أكثر تعقيدا، هكذا لعبت المدونات دورا محوريا في تبلور وشيوع الإتجاه التحرري في التفاعل مع شبكة الإنترنت.[19]

إن السهولة التقنية هي التي مكنت عامة الناس من تبنى حركة التدوين، فليس للمواطن حاجة لمعرفة معمقة في البرمجيات أو علم الحواسيب حتى يمكنه نشر أفكاره، فبإمكان كل فرد التعبير عن رأيه وبكل سهولة وذلك من خلال ما يوفره التدوين من فضاء إتصالي ومن نموذج معد وجاهز بشكل مسبق تقنيا للإستعمال الجماهيري[20]. إن خلفية المدونة القائمة على شرعية التشارك في المعرفة والمصدر والمعلومة لا يمكن لها تحقيق هذه القيم الجديدة إذا كانت أسيرة ثقافة تكنولوجية عالية، لذلك دأب من إشتغل على ظاهرة التدوين إلى التبسيط التكنلوجي وعدم تعقيد برمجياته كمقدمة تكاد تكون حتمية لتحررية التدوين وديمقراطيته.


- مؤسسة التدوين : إن فكرة إمكانية المدونات على ترسيخ الممارسة الديمقراطية من خلال نقد أداء وسائل الإعلام التقليدية تستمد مشروعيتها من الفضاء الإفتراضي لتؤثر في الواقع أي على التمثلات الإجتماعية للإفراد من خلال الخطاب الذي تؤسس له. ويمكن ترجمة هذا المعطى الجديد من خلال الإعتراف الرسمي بالمدونين، من خلال تجمعهم وإستضافتهم إلى المجال السياسي ففي الولايات المتحدة وفي فرنسا أصبح للقادة السياسيين مدوناتهم الخاصة ومنهم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي[21] وهاورد دين، كما صدرت مجلة شهرية  متخصصة في متابعة ودراسة ظاهرة المدونات[22] وخاصة منها المدونات السياسية[23]. أصبحت المدونات تعمق من حدودها مع الصحافة التقليدية لتتميز، وهو ما نستشعره في إتجاه الصحفيين التقليديين إلى تأسيس مدونات خاصة بهم، هذا بالإضافة إلى الإهتمام الأكاديمي في التدريس والبحث والذي أصبح يفرد إهتماما متزايدا لظاهرة التدوين وهي كلها دلالات من التشريع والإعتراف المؤسسي بالإضافات الإتصالية والإجتماعية للمدونات.  [24]


-        4  - مرجعيات صحافة المواطن


يمكن بيان مرجعيات صحافة المواطن إنطلاقا من مخرجاتها أي بالعودة إلى الخطاب الذي تسوق له والمؤسس على قاعدة تفعيل دور المواطن في العملية السياسية وذلك من خلال استغلال وتوظيف تكنلوجيات الإتصال الحديثة مجسدة في شبكة الإنترنت. أما المستوى الثاني من مرجعيات صحافة المواطن فيتغذي من العنصر الأول-الديمقراطية-ويكمن في نقد خصائص الإعلام التقليدي الذي بدوره يحيلنا إلى مرجعية ثالثة أساسها الدعوة إلى إعلام بديل.


أ‌-              الديمقراطية في متناول الجميع


إن نقد وسائل الإعلام السائدة من قبل صحافة المواطن والمدونات هو مقدمة لنقد حال الديمقراطية، فهيمنة وسائل الإعلام على المجال العمومي وخضوعها للوبيات الضغط السياسي والإقتصادي وإقصاء المواطن من حقه في الحصول على المعلومات الضرورية لصياغة مستقبله تعتبر كلها قضايا خلافية وذلك لما لها من تأثير على صيرورة الديمقراطية.[25] إن الصحافة وفي كل المجتمعات ليست بمعزل عن سيناريوهات التلاعب والتوظيف القصري لوسائل الإتصال الجماهيري، فيكفي أن تكون لديك الإمكانيات المادية لتؤسس صحيفة ما أو لشراء صحيفة قائمة ليمكنك التأثير والتلاعب بالرأي العام[26]. وإذا ما دخلت الصحافة في دائرة التلاعب فإنه من حق المواطن ان يتفاعل مع هذا الخطر الداهم لأنه وبكل بساطة تعتبر الديمقراطية أيضا وبشكل جدلي في خطر محدق وداهم. فشعار صحافة المواطن يقول "بما أن وسائل الإعلام تهتم بنا فمن حقنا الإهتمام بها".

إن وجود الإنسان الحر رهين وجود ديمقراطية سليمة وإن مدى توفر هذه الديمقراطية الحقة متوقف على مدى توفر وسائل إعلام مستقلة وصحافة محايدة تكون مخرجاتها في خدمة الصالح العام. فقد أظهرت عديد التجارب من التاريخ القديم والحديث أن لا وجود لمواطن فاعل في واقعه في غياب نظام ديمقراطي حر وأن حضور هذا المواطن-بالمفهوم الحديث لعصور التنوير في أوروبا-دليل قاطع على وجود الديمقراطية من عدمها. إن قيم الديمقراطية قائمة على قاعدة المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، في حين نجد أن النظام الإستبدادي ومهما كانت شرعيته لا يساوى بين الناس وإنما يميز بينها دينيا أو طبقيا أو إيدلوجيا أو إثنيا، لذك تقوم المواطنة على قاعدة أو على شعار إحترام الآخر. ومن أجل العيش المشترك في مجتمع آمن وسليم يسعى الناس إلى إعتماد الديمقراطية كنظام مشترك في إدارة الشأن العام، غير أن هذه الديمقراطية تبقى رهينة حرية التعبير عبر وسائل الإعلام التي وللأسف توصف اليوم بأنها لا توظف في خدمة الصالح العام.[27]

إن الصحافة التي تشخص بأنها مرتشية وغير محايدة علامة على أن الديمقراطية القائمة في خطر.  وفي هذه المرحلة بالتحديد على المواطن أن يتدخل ويتفاعل وبشكل ملتزم مع هذا المعطى الجديد وذلك من خلال تفعيل حقوقه وواجباته المدنية المادية والمعنوية. فالصحافة في النهاية لا تعدو أن تكون اليوم على مستوى الشعار مجرد سلطة رابعة، لكنها سلطة في حاجة إلى رقابة المواطن عند الممارسة، فقد أصبحت هذه الرقابة الآن متوفرة بفضل ما تقدمه شبكة الإنترنت من إمتيازات النشر[28]. هكذا على المواطن أن يوظف قيم الإنترنت الجديدة أحسن توظيف وذلك من أجل حماية كل من قيم المواطنة التي لا يمكنها أن تتحق بعيدا عن الديمقراطية وأن هذه الديمقراطية لا جوهر لها بدون صحافة وإعلام حر[29]. إنه إعلان عن ميلاد صحافة المواطن، فإذا كانت الصحافة الهاوية عبارة عن تحقيق رغبة فإن صحافة المواطن هي عبارة عن تلبية لواجب. إن قوة صحافة المواطن تكمن في تلازم البعد الإعلامي بالممارسة الديمقراطية في مشروعها النقدي وهي مسألة فكرية قبل أن تكون إجرائية وخلاصتها أن وحدة وسلامة المجتمع تكمن في صحة العلاقة القائمة بين كل وسائل الإعلام والمؤسسات الديمقراطية وهو ما يسمى بثنائية أو جدلية الإعلام والديمقراطية. لذلك تقوم الديمقراطية التشاركية المبناة على أساس صحافة المواطن على خلفية نقد اداء وسائل الإعلام التقليدية المنحاز، وهو ما يحيلنا إلى أنها بذلك تنقد أيدلوجيا الهيمنة التي تعتمد على وسائل الإعلام للتشريع لسياستها.[30]


ب- تفاعلية الوسيط الجديد وتمثلاته


إذا كان لتبسيط التقنية في شبكة الإنترنت من دور في ظهور فرص جديدة في فضاءات التعبير عن الرأي وحرية التعبير للجماهير العريضة فإن كل ذلك لا يفهم في غياب مسائلة السياق الإجتماعي الذي فيه تبلورت ظاهرة صحافة المواطن. وتعتبر صحافة المواطن ظاهرة تواصلية وجزء لا يمكن تجاهله من المجال الإجتماعي العام. إنها ظاهرة إتصالية إجتماعية يمكن تأطيرها في سياق تفاعلات مكثفة ضمن فضاء للتبادل والتفاعلية بين الجمهور المتعدد[31]. وصحافة المواطن شكل من أشكال الوسائطية والتفاعلية عبر الوسيلة-الإنترنت-تمكن الفرد من التملك المنفرد لرموز جماعية، فهي توفر فرصة التجاذب بين بعد فردي للموضوع وعمق جماعي لإرتداداته. فشبكة الإنترنت والمدونات في فلسفة صحافة المواطن فضاء يوفر للفرد فرصة التعبير عن الرأي من خلال الحفاظ على رمزية جماعية ظاهرة. إن المتلقي في عملية التدوين وبشكل موازي وعند قرائته لأية رسالة يستدعي مجموعة القواعد والبنى الجماعية التي على أساسها وقعت صياغة مضمون الرسالة[32].

إن التفاعلية في صحافة المواطن تعتمد على مجموعة من التمثلات المشتركة لمجموعة الأفراد وذلك من أجل أن تكون عملية الإتصال منسجمة ومتناسقة وحاملة لذكاء جمعي. ففي السبعينات كان الأمل في ديمقراطية تفاعلية أساسها المواطن يجسدها التلفزيون وذلك من خلال شيوع الفيديو والصورة، أصبح هذا الحلم اليوم معلقا على شبكة الإنترنت ويطلق عليه بالديمقراطية الإفتراضية. وليس المقصود بالديمقراطية الإفتراضية كما يذهب إلى ذلك البعض بالديقراطية الإلكترونية وإمكانية التصويت عن بعد وعبر شبكة الإنترنت، بل المقصود هو الحديث عن فضاء من التواصل الحر والتفاعلي. في هذا السياق الإجتماعي المستحدث فإن صحافة المواطن ومن خلال المدونات تساهم وبشكل فعال في دفع التمثلات الإجتماعية الجديدة للممارسة الديمقراطية. فقد وجهت صحافة المواطن لوسائل الإعلام التقليدية (صحيفة، تلفزين إذاعة) نقدا فعالا، فهي بالنسبة لها وسيط أحادي البث ينطلق من الجزء في إتجاه الكل. لقد مكنت شبكة الإترنت عبر المدونات فرصة تجاوز هذا النقد، فالمدونة تمنح إمكانية التواصل الإفقي، فالجميع يتجه نحو الجميع، فاسحة بذلك المجال  لتبلور صحافة المواطن أين يكون للذكاء الجماعي والإبداع التشاركي في تجسيد المشروع الديمقراطي الكلمة الفصل، كما هو الحال-على سبيل مثال-مع نموذج Agoravox ومؤسسه جويل دى روسنى.


ج- نقد الإعلام السائد : غياب الثقة في أهل الثقة


تعتبر صحافة المواطن ذات المنشأ الغربي وخاصة الأمريكي في الأصل عبارة عن صحافة بديلة، ملتزمة ومختلفة عن الصحافة السائدة تعبر عن حالة من النقد الذاتي الداخلي لمهنة الصحافة التقليدية وأدائها الإعلامي. فهي مقاربة في التأسيس لاتجاه فكري ومهني يحذر مما آلت إليه الصحافة منذ نهاية القرن الماضي من احتكار وتوظيف وتزكية، ومن التأثيرات السلبية للعولمة على قطاعات الإعلام والإتصال[33]. في الأصل صحافة المواطن هي رد فعل قد يكون في نفس الوقت عفوي وواع عن تقلص حضور المواطن في قضايا الشأن العام، وتأكيد لحالة من التشكيك في مصداقية الصحافة، وهي بذلك تعكس ظرفا حرجا من عدم الثقة بين وسائل الإعلام التقليدية والجيل الجديد من مستخدمي الإنترنت والإعلام الإلكتروني[34].

إن الإجماع على نقد مخرجات الإعلام الجماهيري تدفعه حقيقة باتت ظاهرة في المشهد الإعلامي الغربي يمكن إيجازها في تحول المؤسسات الإعلامية إلى إمبراطوريات تجارية تهدف إلى إرضاء المساهمين، منهمكة يوميا في قراءة حركة الأسهم في البورصات المحلية والدولية. أدت هذه التغيرات إلى حالة من الانحلال في هيئة المؤسسة الإعلامية وتنازل أكثر عن دورها الإخباري الاستقصائي ووظيفتها الاجتماعية، وغابت الموضوعية والمصداقية في دهاليز ومكاتب الشركات المتعددة الجنسيات أو في كواليس اللوبيات الاقتصادية والسياسية الفئوية[35]. بدت إذن في التبلور وبشكل فكري أزمة بين الباث-الوسيلة-والمتقبل-الجمهور-والتي تعود في الأصل إلى التسيب المهني والأخلاقي الذي شهده خاصة القطاع الخاص في مجالات الإعلام والاتصال من جهة وحضور أكثر للمتلقي في المشهد الاتصالي الرقمي الجديد. وفي هذا السياق يقول سارج حليمي في كتابه "كلاب الحراسة الجدد": "إن هيمنة إقتصاد السوق، والسياق الذي في إطاره تنتج الصحافة، وتقدم الخلفية التسويقية، والمنافسة القائمة بين وسائل الإعلام عبر المحاكاة، كل هذه العوامل تفسر بشكل كبير ما يصاغ وراء أعمدة الصحافة وموجات البث، إنه التفكير الأحادي، فالكل أصبح في خدمة مصالح إقتصادية مهيمنة." [36]

تبدو إشكالية انحسار وغياب الثقة بين وسائل الإعلام والمواطن قضية-عند البعض-قديمة قدم وسائل الإعلام، فهي تحتد وتفتر من فترة تاريخية إلى أخرى، لكن اهتزاز الثقة في هيئتها الحديثة تعود بالأساس إلى مسألة التوازن البيئي بين وسائل الإعلام وخاصة علاقة الصحافة بالإنترنت. في الماضي كانت مظاهر نقد أداء الإعلام غير بارزة المعالم، بحكم عدم توفر الفرصة لنشر وعرض مضامين ذلك النقد على عامة الناس وخاصة داخل فضاء وسائل الإعلام، أما اليوم فإن التقنية الاتصالية وفرت فرصة تقييم ونقد أداء وسائل الإعلام وجعله ظاهرا بل مؤثرا وبقوة في عملية التلقي في هيئتها التفاعلية الحديثة. ويعود ذلك إلى خروج الإعلام والاتصال من وضع هرمي قديم إلى شبكي حديث، ومن جماهيري إلى فردي شخصي، وهو ما قلب وظيفة المتلقي ليتحول في نفس الوقت إلى باث ومرسل. إن اهتزاز الثقة أصبح ظاهرة غير قابلة للتشكيك، فكثرة وسائل الإعلام وكثرة الأخبار والمعلومات والحقائق التي تنشر يوميا والتي تصل المتلقي لا تساهم في تقريب الصورة الواقعية التي يعيشها المواطن، ولا تساعد الفرد في فهم أعمق لما يشهده العالم من متغيرات. هكذا أصبح المواطن أمام مفارقة تاريخية كبرى فهو بين فائض في المعلومة لا يوفر له قيمة مضافة لاتخاذ القرار، وتقلص فرص المشاركة الشعبية والسياسية في إدارة الشأن العام.

يرى بعض الأخصائيين أن أزمة الثقة بين المواطن ووسائل الإعلام هي ظاهرة صحية في العملية الديمقراطية، فهي تظهر أن المواطن المستهلك للمنتوج الإعلامي ليس كائنا معلبا كما يتبادر للبعض، بل كائن واع بالمتغيرات التي تعيشها الساحة الإعلامية كان ذلك على مستوى تقديم الأخبار ونشرها أو إنتاجها وتسويقها. إذا كان نقد المواطن للإعلام من العلامات الصحية للديمقراطية فإن غياب الثقة بين المواطن ووسائل الإعلام كذراع للديمقراطية يعتبر أيضا انتكاسة لمدى نجاعة الديمقراطية في حماية فظاءات حرية التعبير. النتيجة وبغض النظر عن التوصيفات هي وجود حالة لا يمكن تجاهلها من عدم الثقة لدى المواطن تتمظهر في عدم قابليته لتصديق كل ما تقذف به وسائل الإعلام من أخبار وتحاليل ومدى حيادية مخرجاتها. وهو ما يستدعي من المؤسسات الإعلامية التقليدية ضرورة مراجعة أدائها  وقواعد العمل الإعلامي التي تعتمدها. كما أن كل هذا النقد والتشخيص لواقع الممارسة الديمقراطية ولأداء الإعلام التقليدي يعتبر أيضا إعلان عن البحث في إعلام بديل تجسده صحافة المواطن.


د- صحافة المواطن والإعلام البديل


يعتبر موضوع الإعلام البديل موضوعا فكريا في سياق نظريات الإتصال، تشقه العديد من التساؤلات المنهجية، ومن بين هذه التساؤلات يمكن ذكر كيف تحولت مقولة الإعلام البديل ومعها كل مظاهر نقد اللاتكافئ الإعلامي إلى مقدمة فكرية لمختلف حركات اليسار الأوروبي في السبعينات، وكذلك الأمر حتى في دول العالم الثالث والدعوة إلى نظام إعلامي بديل عن إعلام الأنظمة الإستبدادية. وتمثل أطروحة الإعلام البديل إمتدادا فكريا لأطروحات الثقافة المضادة وهي مجموعة من القيم والمبادئ ذات النسق المضاد للنظام السياسي والإقتصادي القائم وللأيديلوجيا السائدة. ولقد أطلق مصطلح الثقافة البديلة خاصة في السبعينات من القرن الماضي في أروبا عامة وفرنسا خاصة، لتشخيص كل تلك المجموعات الفكرية والثقافية التي ظهرت كرد فعل رافض ومناهض للثقافة السائدة في تلك الفترة والتي يكون لها عادة إرتباطات بالشأن السياسي القائم[37].

ويشار إلى الثقافة المضادة إلى كل تلك التيارات الفكرية التي نشأت بعد أحداث ثورة الطلاب في ماي 1968 بفرنسا، وقد تبلورت الثقافة المضادة في فرنسا على سبيل المثال وعلى المستوى الإعلامي في مؤسسات متعددة كصحيفة ليبراسيون و إتجهات سينما الموجة الجديدة، والعديد من دور النشر المستقلة والإذاعات الهاوية والصحف والمجلات النقدية. من جهة أخرى فأن السياق الذي ظهرت فيه الصحافة البديلة في الولايات المتحدة الأمريكية في السبعينات(Undergraound medias) كان قائما بالإضافة إلى نقد الإنظواء تحت المضلة المؤسساتية للإعلام التقليدي ونقد ممارسات المؤسسات الإعلامية المهيمنة على بيان التمايز مع الإعلام المهيمن. كما يبدو لبعض الأكاديميين وبعض صحفي الإعلام البديل أن الإعلام البديل ينحدر من مرجعية عفوية وغير منظمة تأخذ من مبدأ حرية التعبير والإستقلال عن كل الإلتزامات الأيديولوجية أو الإقتصادية القائمة دون أية قيود وهو ما يشير إلى أن الإعلام البديل هو حصيلة مواقف فكرية على تخوم المشهد الإعلامي تعمل بالإعتماد على قاعدة التشكل الذاتي.

ومن أجل فهم أعمق لهذه الظاهرة فإن العديد من المهتمين بالإتصال يعتقد أن الإعلام البديل موضوعا يؤطر ضمن الإرتدادات الفكرية لـ"إيديولوجيا الإتصال" وآلياتها كما يؤكد على ذلك كل من فيليب بروتون[38] وميشال  ماتلار[39] بل إنه يبدو في تعارض تام مع ما تبشر به هذه الإيديلوجيا. وبعيدا عن النظرة القيمية إزاء هذا الصنف من الإعلام حري بنا أن نتعامل مع هذه الظاهرة الإتصالية والإعتراف بها بحثيا وتأطيرها ضمن تحولات المثل الجماعية التى تشقها العديد من الإفرازات-كما يشير إلى ذلك بارت-أو منتجة لسلطات رمزية خصوصية (L`Habitus) كما يذهب إلى ذلك بورديو[40]. ويعتبر الإعلام البديل إنعكاسا مضادا للإعلام السائد، وهي رؤية تلخص النظالات التي يخوضها دعاة الإعلام البديل والمؤسسات العاملة على دعم وتشريع حضوره وذلك من أجل نشر أطروحاتهم الداعية لدخول المجال العمومي ورفض حالة الإقصاء التي تتعرض لها وتحرمها من الولوج في هذا المجال[41]. إن معايير تحديد ماهية الإعلام البديل تأخذ في عين الإعتبار العلاقات التضادية لمجالات وتمثلات كل ما هو إعلام سائد ومهيمن. إن هذا التعريف القائم على الخلفية المؤسساتية يقلص من حجم حضور منشورات الإعلام البديل وإعتبارها تعبر فقط عن وجهة نظر أقلية صغيرة رافضة لرأي الأغلبية يصعب تحديد ملامحها. 

إن كل النقد الموجه للإعلام البديل يتمحور حول ضرورة تحديد المجالات التي يتحرك فيها هذا الصنف من الإعلام، فإمكانية الوصول إلى نموذج نظري للإعلام البديل والراديكالي لا يتم من خلال ما هو موجه من نقد للإعلام السائد بل إنطلاقا من مخرجات وتجارب وسائل الإعلام التي تطرح نفسها كبديل عن الإعلام الرسمي التقليدي. ويذهب بعض النقاد إلى الدعوة لدراسة الإعلام البديل ليس إنطلاقا مما يجب أن يكون عليه بل من خلال ما هو عليه، وهو ما سيمكننا من الحكم عليه إنطلاقا من مقدرته على عرض بدائل في مواجهة الإمبراطورية الإعلامية السائدة. كما أن حصر الإعلام البديل في بوتقة الرؤية القائلة بأن الإعلام البديل عبارة عن حركة مضادة للثقافة الجماهيرية السائدة إجراء نظري قاصر، فالإعلام البديل منتج أيضا لثقافة إتصالية بديلة. إن العلاقة بين كل من الإعلام البديل والإتصال البديل تظهر التمفصل القائم في الدعوة إلى نظام إجتماعي مختلف وعادة ما يكون في تعارض مع ما هو سائد. هكذا يبدو لنا أن المسائلة النظرية للإعلام البديل ليس بالعملية الهينة على المستوى الفكري، فتعريف الإعلام البديل يقع بين مفترق مناهج نظرية متداخلة فهو يعاني من طابعه المهمش-خارج السياق الإجتماعي-وخصوصيته في كونه بديل عن النظام الإعلامي القائم.[42]

إن كل هذه التساؤلات هي عبارة عن دعوة إلى التفكير الجاد في كل ما هو بديل وخاصة منه الإعلام البديل، وذلك من خلال مسائلة الأسس وآليات تغذية العلاقة القائمة بين كل من الإعلام المهيمن من جهة والإعلام البديل من جهة أخرى، ويحيلنا هذا التساؤل إلى سؤال آخر يمكن تلخيصه في المقولة الآتية : "ما الذي يجعل من الإعلام البديل حقا إعلاما بديلا"؟ إن المقاربات المؤسسة للإعلام البديل تعتبر كثيرة الحضور في أدبيات الجماعات المناهضة، فهي تقر بوجود إعلام بديل أصيل ممثلا في وسائل الإعلام التي تعتمد على قاعدة التمييز، فالإعلام الديمقراطي البديل والأصيل يجب أن يقوم على ثلاث قواعد هي :

1.               رفض الخلفية الرأسمالية.

2.               رفض الخلفية الإحترافية.

3.               رفض الخلفية المؤسساتية.

أما عند "جمعية النشر البديل"[43] الأمريكية والتي تشرف على منشورات مختلفة من الكتب والصحف والمجلات وأوعية أخرى سمعية مرئية، فإنها تشير إلى ثلاثة معايير يمكن من خلالها تمييز ما هو بديل عن ما هو سائد ومهيمن من الإعلام.

1.               يجب أن لا يكون المنشور ذو صبغة تجارية، أي تقديم نوعية الأفكار على حساب الخلفية الربحية.

2.               يجب أن يتجه إهتمام النشر إلى تقديم عنصر المسؤولية الإجتماعية أي خدمة الصالح العام.

3.               على الناشر أن يقدم نفسه بإعتباره ناشرا يعبر عن تيار الإعلام البديل.

من خلال هذه المعايير التمييزية في توصيف ما هو إعلام بديل نستشعر أن دعاة هذا التوجه يسعون أكثر لكسب رأسمال رمزي من وراء إنخراطهم في هذا الضرب من الإعلام أكثر من إنخراطهم في تحقيق رأسمال مادي، وهو ما ينسحب على مخرجات صحافة المواطن. يمكن من خلال ما تبين إستدراك أن الإعلام البديل يقدم نفسه بشكل مثالي ومتعالي في هيئة يكون فيها محدود على مستوى الحجم، معزول على مستوى الحضور، ويتسم بالنقاوة الفكرية والأيديولوجية. ومهما قدمنا من عناصر تمييزية للإعلام البديل فإن بعض هذه القواعد يمكن أن تغيب أو تحضر في هذا الوسيط أو تلك المؤسسة التي تطلق على نفسها صفة الإعلام البديل. هكذا يمكننا إعتبار أن الإعلام البديل كان وراءه المواطن العادي أو المواطن الذي يحمل بديلا راديكاليا وثوريا كما هو الحال مع المدونات عبارة عن إعلام مضاد للمشهد الإعلامي السائد. إن الإشكال يكمن في مدى الإعتراف بكل تلك التخوم والإطراف التي نلحظها على هامش الإعلام الرسمي المعترف به وهو ما يمكن وصفه بالمركزية الإعلامية وعزل كل ما هو هامشي في الظاهرة الإتصالية في بعدها الشمولي وليس الإنتقائي.


 سنحاول أن نلتمس ومن خلال أديبات صحافة المواطن حالات التلاقي مع فسلفة الإعلام البديل وذلك من خلال التركيز على أن صحافة المواطن ليس بالجنس الغريب عن الإعلام البديل فهي تنتقد الإعلام السائد وتريد أن تكون بديلا عنه وغير راضية عن مخرجاته وذلك بسبب غياب الثقة في الإعلام المؤسسي.  كما ستعترضنا إشكالية الخلفية الرأسمالية للإعلام السائد وحالة القطبية والإحتكار التي يعيشها المشهد الإعلامي الدولي في عصر العولمة، وكيف أن ما يميز الإعلام البديل اليوم بالمقارنة مع إعلام السبعينات قائم على قاعدة رفض الإعلام التجاري المتماهي مع السلعنة والربح وهو توصيف لا تترد صحافة المواطن في تبنيه كمرجعية رئيسية في أدبياتها. أما الميزة الأخرى التي تجعل من الإعلام البديل إعلاما بديلا فهي قاعدة التطوع والبعد النظالي ورفض الحرفية التي هي أسر لدور الإعلام وإنفراد الصحفي بسيرورة إنتاج الخبر ونشر المعلومة. كما تبدو مظاهر التلاقى بين فلسفة الإعلام البديل وثقافة صحافة المواطن في النقاط الآتية :

- تتميز صحافة المواطن من خلال أدبياتها بنقد وسائل الإعلام التقليدية وتأكيد مقدرتها على القيام بذات الوظائف والأدوار بشكل مختلف على مستوى المنهج والخلفية. فصحافة المواطن لا تسعى إلى الربح وذلك إنطلاقا من رفضها للخلفية المؤسساتية، ورهانات إقتصاد السوق، ونجد دلالات هذا الخطاب في جل إفتتاحيات ومواثيق عمل صحافة المواطن ومن بينها خاصة المواقع التي اعتمدنا عليها في باب تعريف صحافة المواطن مثل Blognews, و  Mediacitoyen.

- إن رفض آليات إقتصاد سوق الأخبار الذي تعتمده وسائل الإعلام التقليدية والذي حول المجال الصحفي إلى مجال خاضع إلى الإحتكار يستدعى رفض قاعدة الحرفية، وتقديم الهواية والتطوع والنظال من وراء نشر الخبر وخدمة للصالح العام. إن الحرفية تشترط التفرغ وتقاضى راتب مقابل الخدمة التي يقدمها الصحفي في جمعه ونشره للأخبار، وهو ما يؤدى بالضرورة إلى خضوع الصحفي إلى مصالح المشغل وحساباته والذي يكون بدوره خاضعا إلى إملاءات تجارية، أو إقتصادية خارجة عن سياق المجال الصحفي.

- تقدم العديد من المواقع والمدونات الإلكترونية نفسها بوصفها إعلام بديل عن الإعلام السائد، فبذلك تؤكد صحافة المواطن مشروعية وجودها القائم على خلفية نقد الإعلام التقليدي والوصول إلى تشخيص يؤكد عدم مقدرته الإيفاء بإلتزاماته تجاه الديمقراطية والمصلحة العامة. فلا يمكن أن نتحدث عن صحافة المواطن إذا كانت العلاقة بين الصحافة والمواطن في النموذج التقليدي علاقة صحية، قائمة على مراقبة أداء السلطة النتفيذية وحماية المؤسسات الديمقراطية.

- يسعى الإعلام البديل إلى تفعيل حضور المواطن في قضايا الصالح العام وهو أيضا أحد الشعارات والأهداف الرئيسية لصحافة المواطن. إن هذا التلاقى بين كل من خلفيات الإعلام البديل ومرجعيات صحافة المواطن حول أهمية الشأن العام في نشر المعلومة ونوعيتها، يحيلنا إلى أن هامش التباعد بين الفلسفتين يبدو ضئيلا كلما قدمنا مصلحة المواطن على المصالح الفئوية. إن وسائل الإعلام في العصر الحديث بمثابة الوسيط بين مؤسسات الدولة من جهة والمجتمع المدني من جهة أخرى، فهي تقدم مشاكل المواطن إلى السلطة وتحاسب آداء المسؤولين. من هذا المنطلق فإن صحافة المواطن تريد أن تتموقع في هذه الخارطة وتصحح دور الوسيط في تفعيل قضايا الشأن العام والمتمثلة في نقد السلطة التنفيذية وفضح التلاعب بالمال العام وهي قضايا  قامت بكشفها صحافة المواطن فكانت وراء شهرتها.


5- نقد صحافة المواطن ونسبيتها


رغم كل الإحتفائية التي تعيشها صحافة المواطن على المستوى الميداني وإنجازاتها اليومية في صيد الأخبار وكشف العديد من الحقائق والوقائع ذات الصلة بقضايا الشأن العام فإن هذا الضرب الجديد من الممارسة الإعلامية لا يخلو من النقد والدعوة إلى تقديم خطاب أكثر واقعية عن ماهية العلاقة المحتملة بين وسائل الإعلام والمواطن والتي يمكن وصفها بأنها إحدى تجليات ما ذكره فيليب بروتون في كتابه يوتوبيا الإتصال[44] ويمكن إيجاز ذلك في النقاط الآتية :


- التجاذب الأيديولوجي : ونحن نتحدث عن التجاذب الأيديلوجي بين الإعلام التقليدي وصحافة المواطن علينا أن لا نتجاهل أن المدونات تعتمد في غالبها على المعلومة والخبر الممؤسس القادم من وسائل الإعلام التقليدية والذي قامت بغربلته لتعيد المدونات صياغته لنشره والتعليق عليه لإبداء الرأي. إن وجود صيرروة جديدة في ممارسة مهنة الصحافة قائمة على قاعدة قلب النموذج التقليدي "غربل ثم إنشر"، أي ترتيب الأخبار والقيام بعملية الإنتقاء والفصل بين الرأي والخبر والإعتماد على نموذج جديد إسمه " أنشر ثم غربل" وهو الشعار الذي تمارسه وترفعه المدونات وصحافة المواطن فإننا بذلك وإذا ما سعينا إلى دفع المواطن في إتجاه ممارسة ديمقراطية تشاركية متقدمة لا يمكننا إلا أن نقع وفي كلتا الحالتين في فخ الأيديلوجيا، وإذا كان للأيديلوجيا حضور فإن حضورها لا يتمظهر فقط فيما هو عليه حال الميديا بل في كل ما له صلة بمكونات المجتمع (اقتصاد، سياسة، ثقافة..).


- إفتراضية الخلفية التشاركية : في البدء وجب علينا التساؤل هل أن كل من لا يدون لا يعتبر مواطنا تشاركيا؟ إن بين شعار المرجعية التشاركية من خلال حركة التدوين وفلسفة صحافة المواطن مسافة فكرية شاسعة، فلا يكفى أن ندون حتى نكون مواطنين فاعلين في المجتمع، فالواقع هو أن المواطن المدون ينتقد المجتمع ووسائل الإعلام ولا يتحول بالضرورة إلى مواطن يتفاعل بشكل سليم-وعلى المستوى الواقعي-مع مشاكله ومشاكل مجتمعه. يمكن إذن أن تكون حركة التدوين حركة للتشاركية السلبية أكثر منها في الفاعلية الإجتماعية، فلا يكفى أن ننقد المجتمع والإعلام على شبكة الإنترنت-من خلال المدونات-حتى نتحول إلى مواطن تفاعلي وتشاركي مهتم بقضايا الشأن العام.


- السلبية الإجتماعية للتدوين : يبدو أن الجدل الدائر في المدونات والقائم على قاعدة إمكانية أن تحل ديمقراطية إفتراضية محل الديمقراطية الكلاسيكية في حاجة إلى النسبية. فمن خلال الخطاب المتناغم لجل المدونين حول إمكانية الوصول إلى ديمقراطية تشاركية عبر المدونات تبدو تشاركية المواطن فكرة مثالية، فالمواطن–بحسب فلسفة صحافة المواطن-يصبح فاعلا ويكون له موقفا متقدما من مشاكل الواقع المعقدة كلما كان حاضرا في فضاء التدوين. في الأصل فإن المواطن المدون يتفاعل مع الواقع بنظرة نقدية، فهو ينقد المجتمع الذي يعيش فيه، ويكشف بعض التجاوزات، ويتموقع في خانة خارجة عن المجتمع، ليلبي حاجته في الكتابة والنقد، لتتحول عملية الإتصال إلى وهم منتجة لمواطن سلبي. هكذا فإن الخطاب الإحتفالي المتفائل بميلاد ديمقراطية الإعلام والإتصال في حاجة إلى التعقل، فحركة التدوين ليست بتلك الظاهرة الجماهيرية وليس كل مواطن هو مدون أو يهتم بحركة التدوين، كما أن الإطار الأيديولوجي الذي يفعل شعار حرية التعبير والنشر يوشك أن يؤسس إلى شكل من أشكال السلبية في التفاعل الإجتماعي وحصر الحرية في مجرد توفر إمكانية الكتابة والنشر.


      - الجيل الثاني في مسيرة التدوين : وجب في هذا السياق ملاحظة أن الجيل الثاني من المدونات والذي يتميز بحضور استعمال تقنيات السمعري المرئي (الفيديو، الصورة، الصوت) في حاجة إلى مهارات تقنية لأي مستعمل للمدونة وذلك حتى يمكنه أن يوصل كاميرا أو آلة تصوير رقمية بالكومبيوتر وتحميل الأفلام لعرضها على المدونات، فالإنترنت عالى الجودة يتيح كل هذه الإستعمالات المتعددة الوسائط في المدونة. إن هذا الإتجاه الجديد نحو التعقيد في الثقافة التقنية للمدونة والتي كانت في الماضي قائمة على قاعدة التحرير والكتابة وهي تقنيات بسيطة وسهلة يوشك أن يزيح صفة الجماهيرية عن ظاهرة التدوين وإنحسارها في فئة قليلة متشبعة بتكنلوجيات الوسائط المتعددة والثلاثية الأبعاد. وتبرز هنا أيضا إشكالية تسعيرة الإبحار والإشتراك في شبكة الإنترنت والتي مازالت في عديد الدول مكلفة وهو ما لا يحفز عامة الناس على الإشتراك في شبكة الإنترنت أو الإنخراط في التدوين. ربما يكون في المستقبل لحركة الإندماج والتقارب بين الوسائط من جهة وشيوع استعمال تقنيات شبكات الويفي المجانية "الإنترنت عن بعد" دور في دمقرطة الوسائط الجديدة[45]. هذا بالإضافة إلى أن الجيل القديم من متصفحى ومستعملي الإنترنت لا يمكنه محاكاة كل هذا التقدم في البرمجيات والتعقيدات الحاسوبية التي تستدعى وعلى المستوى الإجتماعي نوعا من أنواع التفرغ والفضول والرفاهية.


8- خاتمة


أثارت صحافة المواطن مجموعة من الأسئلة الجادة والمحرجة-في المجتمعات الغربية الديمقراطية-عن الإعلام وأثاره السلبية في المجتمع. فصحافة المواطن تعتبر جوابا من بين الأجوبة التي تثيرها كل تلك الأسئلة المهنية المكررة في المجال الصحفي، فهي تمتاز خاصة بمجموعة من المواقف التصحيحية لدور الصحافة أكثر من كونها نمط به مجموعة من القواعد الصارمة. يبدو أن صحافة المواطن تسعى أكثر إلى إعادة الاعتبار والتمسك بسلة المثل التي تبشر بها الديمقراطية وكيف أن المواطن بإمكانه أن يقرر مصيره ويحدد مستقبل أبناءه، ويختار نوعية الحياة التي يريدها، ومن خلال مشروعها لإنقاذ الديمقراطية تريد صحافة المواطن إنقاذ الإتصال والإعلام من آليات التوظيف والإحتكار. يصبح ذلك ممكنا من خلال تفعيل الجدل والحوار الديمقراطي حتى يتمكن الناس-كل الناس-من تحديد مستقبلهم الفردي والجماعي بكل حرية وشفافية، وبعيدا عن كل أشكال الضغط والتلاعب. هكذا على الصحفي أن يعي بأنه فاعل اجتماعي له مسؤولية عندما يتعلق الأمر بالقضايا السياسية والمصلحة العامة. وهنا يبرز دور صحافة المواطن في تفعيل دور النقد الذاتي داخل مهنة الصحافة وتوسيعه وهو أمر لا يستهان به وذلك حتى يوفر الصحفي المواطن لنهجه نوعا من المشروعية والاعتراف داخل الجسم الصحفي التقليدي الذي يعتبر أن الصحفي هو إنسان فوق الخطأ والنقد والعقاب.

 

الهوامش والمراجع :



[1] جمال الزرن : تساؤلات عن الإعلام الجديد والإنترنت، العرب وثورة المعلومات (جماعي)، مركز دراسات الوحدة العربية، 2005، ص : 111

 [2] السيد بخيت : الصحافة والإنترنت، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2000، ص. 88.

[3]  براد كالبفيلد  :  صناعة الأخبار في عصر رقمي : مجلة "قضـايا عالمـية" عدد خاص عن : مجتمعات الإنترنت، مجلة إلكترونية، يصدرها مكتب برامج الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأميركية، تشرين الثاني/نوفمبر، 2000 . http://usinfo.state.gov/ar/

[4]  كاتب هذه الدراسة صحاب مدونة تعتنى بقضايا الإتصال والإعلام والمجتمع عنوانها : مقعد وراء التلفزيون راجع عنوان المدونة www.jamelzran.arabblogs.com

[5] TETU  :    Jean-François : Responsabilité des journalistes et “public journalism :http://www.jurnalismsicomunicare.eu/rrjc/gratis/4_2008_TETU_responsabilite_public_journalism.pdf

[6] www. AgoraVox.fr

[7] DE ROSNAY Joël  : La révolte du pronétariat, Avec la collaboration de Carlo Revelli. Editions fayard, Paris, 2006. http://www.pronétariat.com/

[8]  مقولة  Dan Gillmor رئيس مركز إعلام المواطن الملحق بجامعة هارفارد  بالولايات المتحدة الأمريكية: http://www.dangillmor.com/

[9] www.place-publique.fr.

[10] DHOQUOIS Anne :Aux médias, citoyens ! Editorial, www.place-publique.fr.

[11] DECARROUX Bernard :  A propos de  : le 4 juillet 2005, www.BlogNews.fr 

[12] DEVAUREIX Rémy :  Devenir rédacteur 11/05/2007, , www. Médiacitoyen.fr.

[13] DEVAUREIX Rémy :  Politique Editoriale, 10/05/2007, www. Médiacitoyen.fr.

[14]  جمال الزرن : المدونات الإلكترونية وسلطة التدوين، مجلة شؤون عربية صيف 2007 العدد 130، ص : 164.

[15] DE ROSNAY Joël : La révolte du pronétariat, Des mass média aux médias des masses. Paris : Fayard, 2006. p.119. http://www.pronétariat.com/

[16]  نائلة حمدي : توصيف المدونات على الإنترنت ومستخدميها (Bloggers) في العالم العربي،  www.aucegypt.edu/nhamdy/home.html

[17] DUMAIS Michel : Technologie : Regard sur le journalisme citoyen, deuxième partie, www.LeDevoir.com. 18 août, 2003.

[18] دان غيلمور : البلوغرز يفتحون آفاقا جديدة في مجال الاتصالات  : "قضـايا عالمـية"، مجلة إلكترونية، يصدرها مكتب برامج الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأميركية. http://usinfo.state.gov/ar/

[19] عبد الملك ردمان الدناني : الوظيفة الإعلامية لشبكة الإنترنت، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة 2003.

[20] ERTZSCHEID Olivier : Weblogs : un nouveau paradigme pour les systèmes d`informations et la diffusion de connaissances, http://archivesic.ccsd.cnrs.fr/sic_00001433.html.

[23]  أول صحيفة ورقية تعنى بالتدوين Nétizen ، صدر العدد الأول منها في شهر فيفري 2006.

[24] Revue Tunisienne de communication : La presse électronique (dossier), IPSI,  Juillet-Decembre 2006.

[25] MERLANT Philippe : Médias et citoyenneté : un cocktail impossible ? www.place-publique.fr, février 2003.

[26] SCHECHTER Danny : The death of the media And the Fight to Save Democracy, Melville House, USA 2005.

 [27]  وليام ف. وو : الصحافة وخدمة الصالح العام : "قضـايا عالمـية" : مجلة إلكترونية، يصدرها مكتب برامج الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأميركية. http://usinfo.state.gov/ar/

[28] WEYGAND Felix : Démocratie électronique ou espace public,- 2003 - archivesic.ccsd.cnrs.fr.

[29] WEYGAND Felix :  La fin du politique. Une critique de la cyberdémocratie. http://commposite.org/v1/2004/articles/weygan.pdf.

[30] STEIN Marieke : Le Blog : nouvel instrument au service de la démocratie participative . les enjeux. http://w3.u-grenoble3.fr/les_enjeux/2006-supplement/Stein/index.php.

[31] ROSEN Jay : Le peuple jadis connu sous le nom d`audience, www.place-publique.fr.

[32] PLEDEL Iannis : Les blogs, les promesses d’un média à travers ses représentations collectives : illusions ou réalités à portée de clic ? Le 31 mars 2006. http://archivesic.ccsd.cnrs.fr/docs/00/06/51/48/HTML/

[33] MATTELART Armant : La mondialisation de la communication, Puf, " Que sais-je ? ", Paris, 1996.

[34] D Bourgeois, PY Badillo : Les médias et les nouveaux médias face aux contraintes économiques   -  2004- archivesic.ccsd.cnrs.fr.

[35] L`Empire des Medias : Le Monde diplomatique, Octobre 2003.

[36] HALIMI Serge : Les nouveaux chiens de garde, Raisons d`agir, 1997. préface de : Pierre Bourdieu.

[37] http://reseaumedia.info : Le réseaux des medias alternatifs. Un espace de solidarité entre presses écrites, radios, collectifs télé/vidéos et cybermédias indépendants québécois. Le portail du RMA offre quotidiennement une information libre, à laquelle vous pouvez contribuer de différentes façons.

[38]BRETON Philippe ; PROULX, Serge, L'explosion de la communication, Paris : La Découverte. 1989,

 p. 13-14

[39] MATTELART Armand, La Communication-monde. Histoire des idées et des stratégies, Paris, 1992, La Découverte/Poche (coll. Sciences Humaines et Sociales).

[40] FERRON Benjamin : Les Médias alternatifs : entre luttes de définition et de dé-légimitation, http://w3.u-grenoble3.fr/les_enjeux/2006-supplement/Ferron/index.php

[41] Mailloux-Béïque  Isabelle:  Échos de la marge: Médias alternatifs et émancipation citoyenne.http://reseaumedia.info/publications/Memoire.IsabelleMaillouxBeique.2006.pdf

 

[42] روبرت ولترينج : الـ "بلوجرز" : تهديد للأنظمة العربية وإعلامها : تقرير: إذاعة هولندا العالمية، ترجمة حسام عبد العزيز، راجع موقع : هولندا بتكلم عربي  Aljisr.nl

[43] Alternative in Print.

[44]  فيليب بروتون : يوتوبيا الإتصال، ترجمة إلياس حسن، دار الينابيع، سوريا، 2007.

[45]  جمال الزرن : أنسنة أو الثقافي في تكنلوجيات الإتصال والفضاء العام : http://jamelzran.arabblogs.com/archive/2007/4/192019.html

(1) تعليقات


Add a Comment

اضيف في 10 ديسمبر, 2009 01:00 ص , من قبل ibrahim samir
من مصر

د. جمال اتمنى أن تكون بخير وفى تمامك الصحة والعافية وأود أن أشكرك على مجهودك الرائع أنا اسمى إبراهيم سمير أعمل صحفى بمجلة الإذاعة والتليفزيون وأقوم بعمل رسالة الماجستير والتى عنوانها استخدامات الشباب المصرى للمدونات والمنتديات الإلكترونية.. دراسة مسحية وأريد من حضرتك أن تساعدنى فى تحكيم الاستبيان الخاص بالدراسة وأن تساعدنى بخصوص الدراسات الخاصة بالمنتديات حيث أن هناك ندرة فى الدراسات المتعلقة بالمنتديات وموضوع دراستى يتعلق بصحافة المواطن وهو المدخل الذى تقوم عليه الدراسة ولذلك أرجو من حضرتك أن تساعدنى لأن القليل من الباحثين العرب هو من تناول صحافة المواطن واحتاج بالطبع بريدك الإلكترونى حتى استطيع التواصل مع حضرتك ولك خالص تقديرى وتحياتى
إبراهيم سمير
ibrahimsamir@hotmail.com



Add a Comment

<<Home